No Result
View All Result
د. طه علي أحمد
تشهد منطقة الخليج مرحلة تصعيد مدروس في ضوء الحشد العسكري الأمريكي الواسع قُبالة السواحل الإيرانية، في وقت يتزامن فيه المسار العسكري مع تحركات دبلوماسية مكثفة، هذا التوازي بين “التهديد والتفاوض: لا يعكس استعدادًا فوريًا لحربٍ شاملة بقدر ما يجسّد استراتيجية ضغط مركّبة تهدف إلى إعادة صياغة شروط التفاوض مع طهران، خصوصًا في الملف النووي والصاروخي.
الانتشار الأمريكي الأخير ليس اعتياديًا من حيث الحجم والرمزية، فإرسال حاملتي طائرات، وعلى رأسهما حاملة الطائرات العملاقة “يو إس إس جيرالد آر فورد، USS Gerald R. Ford، إضافة إلى “يو إس إس إبراهام لينكولن” USS Abraham Lincoln، يشير إلى رسالة ردع واضحة. فوجود ما يقارب 300 طائرة مقاتلة، بينها إف-35 وإف-22، مدعومة بقاذفات استراتيجية من طراز B-2 ومنظومات دفاع جوي متقدمة مثل باتريوت وثاد، يضع المنطقة أمام استعراض غير مسبوق للقوة لم تشهده المنطقة منذ سنوات.
غير أن قراءة هذا الحشد بمعزلٍ عن السياق السياسي الأمريكي ستكون ناقصة – بلا شك – منقوصة؛ فإدارة الرئيس دونالد ترامب تعتمد نهج “السلام بالقوة”، أي استخدام التفوق العسكري كأداة تفاوضية قبل أن يكون خيارًا قتالياً، حتى أن الهدف الأساس يبدو أقرب إلى انتزاع تنازلات استراتيجية من إيران، لا إلى الانزلاق إلى حرب مفتوحة ذات كُلفة باهظة.
هل تخدم الحرب مصالح واشنطن؟
تجمع غالبية التقديرات الاستراتيجية على أن حربًا شاملة ضد إيران لا تخدم المصالح الأمريكية في المدى المتوسط، فالولايات المتحدة لا تزال منخرطة في إعادة ترتيب أولوياتها العالمية، مع تركيز واضح على احتواء الصين ومواصلة دعم أوكرانيا، ما يعني أن فتح جبهة عسكرية واسعة في الخليج سيعني استنزافًا ماليًا وعسكريًا جديدًا، في وقتٍ تسعى فيه واشنطن إلى تقليص انخراطها المباشر في نزاعات الشرق الأوسط.
إضافةً لذلك، فإن أي حربٍ مع إيران ستعرّض القواعد الأمريكية المنتشرة في الخليج والعراق وسوريا للخطر، إذ يوجد نحو 40 ألف جندي أمريكي في المنطقة موزعين على قرابة 19 قاعدة عسكرية، لاسيما وأن إيران أعلنت صراحة أن جميع هذه القواعد ستكون “أهدافًا مشروعة” في حال تعرضها لهجوم.
قدرة إيران على الرد
رغم تراجع بعض قدراتها الدفاعية نتيجة الضربات التي تعرضت لها أخيراً، فإن إيران ما تزال تمتلك أدوات ردع غير تقليدية، فالقوة البحرية للحرس الثوري، والصواريخ الباليستية التي يتجاوز عددها ألفي صاروخ، إضافة إلى آلاف الطائرات المسيّرة، تمنحها قدرة على تهديد السفن الأمريكية والمنشآت النفطية في الخليج.
كما أن إيران تعتمد على استراتيجية “الرد غير المتكافئ”، عبر استهداف المصالح الأمريكية أو مصالح حلفائها في المنطقة بدل الدخول في مواجهة تقليدية مباشرة. وفي هذا الإطار، يمثل مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خمس تجارة النفط العالمية، ورقة ضغط استراتيجية بيد طهران، وأي اضطراب فيه سيؤثر فورًا على أسواق الطاقة العالمية.
لكن في المقابل، تعاني إيران من ضَعفٍ واضح في سلاحها الجوي التقليدي، حيث يعتمد أسطولُها على مقاتلات قديمة من طراز إف-4 وميغ-29 وسوخوي-24، ما يجعلها غير قادرة على خوض معركة جوية حديثة متكافئة. وبالتالي، فإن قدرتها على إغراق حاملة طائرات أمريكية — رغم التهديدات الخطابية — تبقى رهينة حسابات معقدة تتعلق بكلفة التصعيد الشامل.
سيناريو الضربة المحدودة
لا يتمثل السيناريو الأكثر ترجيحًا في غزو بري، بل في ضربة محدودة أو عمليات سرية عالية الدقة، فنشر قوات كوموندوس متخصصة قد يشير إلى احتمالات تنفيذ عمليات تخريب أو استهداف شخصيات عسكرية أو علمية بالتزامن مع ضربة جوية مركزة، بهدف إضعاف القدرات الإيرانية دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، وهو النموذج الذي ينسجم مع استراتيجية “الردع عبر الإيذاء المحدود”، أي توجيه رسالة قوة دون كسر قواعد الاشتباك الكبرى. كما إن هذا النموذج يمنح واشنطن هامش إنكار سياسي ويحد من احتمالات التصعيد المتسلسل.
الدور الإسرائيلي
في ضوء ما سبق، لا يمكن فصل الحشد الأمريكي عن الحسابات الإسرائيلية، فإسرائيل ترى أن التهديد الأكبر لا يكمن فقط في البرنامج النووي الإيراني، بل في تطوير الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة بعيدة المدى. وقد تسعى تل أبيب إلى استثمار الضغط الأمريكي لدفع طهران إلى تقليص مدى صواريخها إلى أقل من 300 كم، بما يحد من قدرتها على تهديد العمق الإسرائيلي.
بالتالي، فإن احتمال تنفيذ إسرائيل ضربة مستقلة يبقى قائمًا، لكنه سيكون أكثر فاعلية إذا جاء في سياق تنسيق ضمني أو مباشر مع واشنطن.
الضغط كأداة تفاوض
هنا يبدو الحشد العسكري الأمريكي في جوهره أقرب إلى “مطرقة تفاوضية” منه إلى إعلان حرب، إذ يحقق ذلك عدة أهداف في آنٍ واحد مثل إرسال رسالة ردع قوية لإيران، وطمأنة الحلفاء الخليجيين، وتعزيز صورة الإدارة الأمريكية داخليًا كقوة حازمة، بالإضافة إلى تحسين شروط التفاوض في أي محادثات قادمة. لكن هذه الاستراتيجية تحمل مخاطر سوء الحساب، فوجود هذا الحجم من القوات على مقربة من السواحل الإيرانية يزيد احتمالات الاحتكاك غير المقصود، خاصةً في بيئة بحرية ضيقة مثل الخليج.
الخلاصة إذن، إن المشهد الراهن يعكس توازنًا هشًا بين الردع والتصعيد، فالولايات المتحدة لا تبدو راغبة في حرب شاملة، لكنها تسعى إلى رفع سقف الضغط إلى أقصى حد. ومن جانبها تدرك إيران بشكلٍ واقعي اختلال ميزان القوة التقليدي، لكنها تراهن – في الوقت نفسه – على قدرتها على إلحاق أذى مؤلم ومكلف بأي طرف يهاجمها. بالتالي، فإن الاحتمال الأرجح هو استمرار لعبة حافة الهاوية، تهديدات متبادلة، مناورات عسكرية، وضغوط دبلوماسية، مع إبقاء باب الضربة المحدودة مفتوحًا كورقة ضغط قائمة بل ويمكن أن تنفيذها في الأيام القليلة المقبلة إذا لم تُبدِ طهران المرونة التفاوضية التي يرغبها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
لكن السؤال الحاسم – في هذا الإطار – لا يتعلق بقدرة الطرفين على الحرب، بل بمدى قدرتهما على ضبط إيقاع الردع دون الانزلاق إلى مواجهة غير محسوبة قد تخرج عن السيطرة في منطقة تُعد أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي.
No Result
View All Result