No Result
View All Result
دجوار أحمد آغا
تشهد شنكال في المرحلة الراهنة حالة من التوتر السياسي والأمني المعقّد، في ظل تداخل المصالح المحلية والإقليمية والدولية. وقد جاء بيان الإدارة الذاتية لشنكال ليعكس قلقاً متصاعداً من احتمالات فرض تغييرات بالقوة على واقع المنطقة، مع التأكيد في الوقت نفسه على الاستعداد الدائم للحوار ضمن الأطر القانونية مع الحكومة العراقية. وبين لغة التحذير والدعوة إلى التفاوض، يبرز سؤال محوري: إلى أين تتجه شنكال في ظل التهديدات المستمرة ومحاولات فرض الأمر الواقع؟
سياق البيان.. بين التهدئة والتحذير
يحمل بيان الإدارة الذاتية لشنكال نبرة مزدوجة تجمع بين الانفتاح السياسي والتحذير الأمني. فمن جهة، تؤكد الإدارة جاهزيتها للحوار ومعالجة القضايا العالقة عبر القنوات القانونية، وهو موقف يعكس رغبة في تجنب التصعيد العسكري وإبقاء الباب مفتوحاً أمام الحلول السياسية مع حكومة العراق. ومن جهة أخرى، يضع البيان خطوطاً حمراء واضحة، إذ يشدد على أن أي تغيير يُفرض بالقوة سيحمّل الحكومة العراقية المسؤولية الأولى. هذه المعادلة تكشف عن حالة انعدام ثقة جزئي، لكنها في الوقت ذاته لا تغلق باب التسوية، بل تحاول الضغط سياسياً لتفادي سيناريو المواجهة.
شنكال بعد 2014… ذاكرة مفتوحة على الجرح
لا يمكن فهم حساسية الوضع الحالي دون العودة إلى أحداث عام 2014، عندما اجتاح “داعش” الإرهابي المنطقة، وارتُكبت بحق الإيزيديين واحدة من أبشع الجرائم في تاريخ العراق الحديث. منذ ذلك الحين، أصبحت مسألة حماية شنكال قضية وجودية لسكانها. هذا الإرث الثقيل جعل أي تحركات عسكرية أو محاولات لإعادة ترتيب السيطرة في المنطقة تُقرأ من زاوية الخوف من تكرار المأساة. ولذلك، فإن تأكيد الإدارة الذاتية أنها حرصت دائماً على حماية المجتمع ومنع عودة أجواء الحرب ليس مجرد خطاب سياسي، بل يستند إلى تجربة جماعية مؤلمة ما تزال آثارها حاضرة.
المخاوف من الدور التركي
أحد أبرز عناصر القلق في بيان الإدارة الذاتية هو ما تصفه بمحاولات تركيا لفرض واقع جديد في شنكال. فأنقرة تنظر إلى المنطقة من زاوية أمنية مرتبطة بملف حزب العمال الكردستاني، بينما ترى القوى المحلية أن أي تدخل عسكري جديد سيهدد الاستقرار الهش. السياسة التركية في إقليم كردستان العراق ومناطق روج آفا خلال السنوات الماضية، أظهرت استعداداً لاستخدام القوة العسكرية لتحقيق أهدافها الأمنية. لذلك، فإن الحديث عن احتمال توسع العمليات ليشمل شنكال يثير مخاوف حقيقية لدى السكان، خصوصاً في ظل ضعف الضمانات الدولية. ومع ذلك، من المهم الإشارة إلى أن المشهد لا يزال مفتوحاً على احتمالات متعددة، إذ لم يحدث حتى الآن تحرك عسكري واسع النطاق في شنكال، لكن التحذيرات المتبادلة تعكس بيئة قابلة للاشتعال.
بغداد والإدارة الذاتية… شراكة مضطربة
تمر العلاقة بين الإدارة الذاتية لشنكال والحكومة الاتحادية في بغداد بمرحلة هامة وحساسة للغاية. بغداد تؤكد تمسكها بسيادة الدولة على المنطقة ووحدة القرار الأمني، بينما تطالب الإدارة الذاتية في الاعتراف بخصوصية شنكال وضمان حقوق سكانها في إدارة شؤونهم. الاتفاقات السابقة بين بغداد وهولير حول شنكال لم تُنفذ بالكامل، ما خلق فراغاً إدارياً وأمنياً استغلته أطراف متعددة. وفي هذا السياق، يبدو أن بيان الإدارة الذاتية يحاول إعادة توجيه النقاش نحو التفاوض المباشر مع الحكومة المركزية بدلاً من الحلول المفروضة من الخارج. الفرصة ما تزال قائمة لبناء تفاهم جديد، خصوصاً إذا توفرت إرادة سياسية حقيقية لدى الطرفين، لكن استمرار انعدام الثقة قد يدفع الأمور نحو مزيد من التعقيد.
دعوة إلى وحدة الصف الداخلي
أبرز النقاط اللافتة في البيان، هي الدعوة الصريحة إلى توحيد القوى السياسية والاجتماعية والعسكرية داخل شنكال. هذه الدعوة تعكس إدراكاً متعاظماً بأن الانقسامات الداخلية تشكل نقطة ضعف يمكن أن تستغلها الأطراف المتنافسة. التجارب السابقة في مناطق النزاع تُظهر أن غياب الموقف الموحد غالباً ما يفتح الباب أمام التدخلات الخارجية. ولذلك، فإن نجاح أي مسار تفاوضي مع بغداد أو أي جهة أخرى سيبقى مرتبطاً بقدرة القوى المحلية على تنسيق مواقفها وتقديم رؤية مشتركة.
المجتمع الدولي… الغائب الحاضر
رغم خطورة وحساسية الوضع، إلا إن الاهتمام الدولي بملف شنكال تراجع بشكل كبير مقارنة بسنوات ما بعد هزيمة داعش. هذا التراجع يثير قلقاً لدى السكان الذين يخشون أن تتحول المنطقة مرة أخرى إلى ساحة صراع بالوكالة. البيان يحاول مخاطبة “الأطراف الساعية للسلام” في إشارة واضحة إلى المجتمع الدولي، مطالباً بموقف حازم ضد أي خطط قد تعيد شنكال إلى دوامة الحرب. لكن؛ التجربة تشير إلى أن التحرك الدولي غالباً ما يكون بطيئاً ومتأخراً ما لم تتفاقم الأزمة ميدانياً.
موقف منظومة المرأة الكردستانية
اتخذت منظومة المرأة الكردستانية موقفاً واضحاً وصريحاً من بيان الإدارة الذاتية لشنكال من خلال إطلاقها لنداء من أجل شنكال تؤكّد فيه دعمها الكامل ومساندتها لشنكال. أبرز ما ذكرته منظومة المرأة الكردستانية كان أن مؤامرة 15 شباط الثانية بعد روج آفا الآن يتم تحضيرها لشنكال، وأن حماية إدارة وحقوق سكان ونساء شنكال مسؤولية الجميع. كما ذكرت المنظومة أنه يجب على الجميع أن يتحرك لأجل الاعتراف بوضع شنكال الخاص، وعلى وجه الخصوص يجب على الحكومة العراقية عدم الانجرار وراء ألاعيب الأطراف المتآمرة.
سيناريوهات المرحلة المقبلة
المشهد في شنكال مفتوح على عدة احتمالات يمكننا أن نختصرها بثلاثة سيناريوهات رئيسية هي:
أولاً: سيناريو التهدئة عبر التفاوض، وهو الخيار الذي تدفع نحوه الإدارة الذاتية لشنكال حالياً. نجاح هذا المسار يتطلب خطوات بناء ثقة بين بغداد والقوى المحلية، إضافة إلى تفاهمات أمنية واضحة.
ثانياً: سيناريو الضغط العسكري المحدود من جانب الاتراك، سواء عبر ضربات أو عمليات موضعية، وهو ما قد يزيد التوتر دون أن يحسم الملف.
ثالثاً: سيناريو التصعيد الواسع عبر التدخل التركي المباشر، وهو الأقل احتمالاً حالياً لكنه الأكثر خطورة، لأنه قد يعيد إنتاج حالة الفوضى التي عاشتها المنطقة سابقاً.
الواقعية السياسية وهواجس الأمن
اللافت في خطاب الإدارة الذاتية أنه يجمع بين الواقعية السياسية من خلال التأكيد على الحوار مع الحكومة الاتحادية، وبين لغة الردع والتحذير من فشل هذا الحوار وتداعيات هذا الأمر على عموم العراق والمنطقة بأكملها. هذا التوازن يعكس محاولة السير على حبل مشدود يستند الى تجنب الحرب دون إظهار الضعف. نجاح هذه المقاربة سيعتمد إلى حد كبير على سلوك الأطراف الأخرى، خاصة بغداد وأنقرة. فإذا قوبلت الدعوات للحوار بخطوات إيجابية، فقد تدخل شنكال مرحلة استقرار تدريجي. أما إذا استمرت الضغوط العسكرية والسياسية، فقد تتجه الأمور نحو مزيد من الاحتقان.
وفي الختام نرى بأن شنكال
تقف اليوم عند مفترق طرق حقيقي وحاسم. فإما أن تنجح جهود الحوار مع بغداد في تثبيت صيغة قانونية مستقرة تحفظ حقوق سكانها ضمن الدولة العراقية الفيدرالية، وإما أن تنزلق المنطقة مجدداً إلى دائرة الصراع الإقليمي وعلى وجه الخصوص التدخل التركي. بيان الإدارة الذاتية يبعث برسالة واضحة مفادها، الباب لا يزال مفتوحاً للحلول السياسية، لكن فرض الوقائع بالقوة سيقود إلى نتائج خطيرة. وبين هذين المسارين، يبقى العامل الحاسم هو قدرة الأطراف المعنية على تغليب منطق التسوية على حسابات القوة.
يجب على الحكومة الاتحادية في بغداد ألا تنصاع لرغبات الاتراك الذين يريدون سحب السلاح من شنكال لكي تبقى فريسة ولقمة سائغة لهم ولتوابعهم الدواعش الذين يتم إحياءهم من جديد وخاصة في سوريا من خلال فتح السجون والمخيمات وافراغها. الأسابيع والأشهر المقبلة ستكون كفيلة بإظهار ما إذا كانت شنكال تتجه نحو تثبيت الاستقرار، أم نحو جولة جديدة من التوتر في منطقة لم تلتئم جراحها بعد.
No Result
View All Result