No Result
View All Result
إسحاق الشعير
في خضم التحولات العاصفة التي تعصف بسوريا، حيث تتلاطم أمواج التحليلات وتتشابك خيوط الأحداث، يبرز المشهد في مناطق الإدارة الذاتية الديمقراطية كظاهرةٍ فريدة تستدعي قراءة متأنية، بعيدة عن الضجيج والتكهنات السطحية التي رافقت مسيرتها. كثيرون ضلوا الطريق في فك شفرات هذا الواقع المركب، وسقطوا في فخ التحليل المتسرع حين كانت الأحداث تبدو متداخلة وغامضة. لكن؛ ما خفي تحت سطح الصمت كان عملاً دؤوباً وحكمة سياسية عميقة، قادها شخصيات من طراز فريد، الذين كانوا يعملون بصمت احترافي لتحقيق إنجازات استراتيجية، لا يزال الكثير من مدّعي المعرفة السياسية عاجزين عن استيعاب أبعادها الحقيقية حتى اليوم.
لقد مرت سنوات والمشهد يبدو للبعض وكأنه مجرد صراع من أجل البقاء، أو مساومات سياسية عابرة، لكن الحقيقة كانت أعمق من ذلك بكثير. كانت هناك استراتيجية طويلة النفس تُحاك خيوطها بعناية فائقة، هدفها ليس فقط حماية الوجود الكردي، بل تأسيس نموذج لسوريا المستقبل؛ سوريا ديمقراطية تعددية لا مركزية، تحترم جميع شعوبها وتضمن حقوقهم.
كان مهندسو هذه الرؤية، يدركون أن الطريق نحو هذا الهدف محفوف بالمخاطر ويتطلب حكمةً وصبراً وقدرة على المناورة في حقل ألغام سياسي إقليمي ودولي. عندما كانت الأنظار تتجه نحو المعارك العسكرية ضد الإرهاب، أو تتابع بقلق المناوشات على خطوط التماس، كانت قيادة الإدارة الذاتية تخوض معركة أخرى لا تقل أهمية: معركة بناء المؤسسات، وترسيخ عقد اجتماعي جديد، وتوحيد رؤية سياسية مشتركة. لقد أثبتت هذه القيادات أن السياسة ليست فن الممكن فحسب، بل هي أيضاً فن تحويل المستحيل إلى واقعٍ ملموس.
الاتفاق التاريخي الذي تم التوصل إليه مع دمشق بشأن دمج المؤسسات العسكرية والمدنية لم يكن وليد الصدفة أو نتاج ضغوط آنية، بل كان تتويجاً لمسار طويل من العمل الصامت والمدروس، الذي حافظ على جوهر المشروع وحقوق شعوب المنطقة.
هنا يكمن الخطأ التحليلي الذي وقع فيه الكثيرون؛ لقد نظروا إلى الخلافات السياسية السطحية بين بعض الأحزاب والشخصيات الكردية على أنها انقسام مجتمعي عميق، متناسين أن لُحمة الشعوب أقوى من طموحات الأفراد.
إن ما يُشاع عن “انقسام كردي” لا يتعدى كونه خلافات على مستوى نخب سياسية محدودة، تحركها أطماع شخصية ومصالح ضيقة في البحث عن مقاعد وحقائب إدارية. والواقع العملي والمصلحة العليا تُلقي بتلك الخلافات جانباً في الأوقات العصيبة.
أما النسيج المجتمعي، فهو أكثر وعياً وتماسكاً، ويميز بحدسه الفطري بين من يعمل من أجل المصلحة العامة ومن يسعى خلف مكاسب فردية زائلة. هذا الوعي الشعبي هو صمام الأمان الحقيقي، وهو ما تجلى بوضوح في الدعوات الشعبية والمؤتمرات التي طالبت بوحدة الصف، مثل “كونفرانس وحدة الموقف والصف الكردي” الذي عُقِد في نيسان 2025، والذي شكل أساساً لرؤية كردية مشتركة في الحوار مع دمشق. عملية الاندماج المؤسساتي التي نراها اليوم تعمل على قدمٍ وساق من كلا الطرفين، ستكون هي الكاشف الحقيقي لهذه الحقيقة.
فمع اكتمال تطبيقها، ستترسخ الوحدة على أرض الواقع، وسيتأكد للجميع أن تلك الأصوات النشاز التي كانت تعلو من حين لآخر لم تكن سوى زوبعة في فنجان، وإن المجتمع الكردي، ومعه كل شعوب المنطقة من عرب وسريان وآشوريين، موحد خلف قيادته الحكيمة ومشروعه الوطني. إنني لأنظر بتفاؤل كبير إلى مستقبل هذه المنطقة.
فبغض النظر عن التسمية النهائية التي ستُطلق على مناطق إدارة الكرد وشعوبها، سواء كانت إدارة ذاتية، أو إقليماً لا مركزياً ضمن سوريا الموحدة، فإن المؤشرات كلها تدل على أنها ستكون واحدة من أقوى وأجمل المناطق السورية ازدهاراً وتقدماً.
لقد أثبتت هذه التجربة، رغم كل التحديات والحصار، قدرتها على بناء نموذج اقتصادي مجتمعي يهدف للاكتفاء الذاتي، وإدارة مواردها بكفاءة، وتوفير مستوى من الأمن والخدمات يفوق الكثير من المناطق الأخرى.
إنها قصة شعب وقيادة آمنوا بمشروعهم، وعملوا من أجله بصمت وصبر وحكمة. قصة تثبت أن الإرادة الصلبة والرؤية الثاقبة قادرتان على نحت فجر جديد من رحم العواصف. المستقبل القريب سيحمل معه تأكيداً لهذه الحقيقة، لتزهر هذه الأرض الطيبة وتكون منارة أمل لسوريا كلها.
No Result
View All Result