No Result
View All Result
يونس بهرام
سوريا اليوم ليست مجرد خريطة على الورق، بل لوحة من الجراح والآمال المتشابكة. في هذا الوطن الذي حمل على ظهره عقودًا من التهميش والاضطهاد، يبرز استقرار روج آفا كعنصرٍ حاسم في معادلة البقاء، ليس للكرد وحدهم، بل لكل الشعوب السورية. من عهد حافظ الأسد ثم بشار الأسد، عاش الكرد سنوات طويلة من الحرمان، وهم يسعون للاعتراف بالهوية والحقوق الثقافية والسياسية، بينما بقيت الدولة تحكم من منظور مركزي صارم يضع التعددية على الهامش.
كانت شرارة انتفاضة قامشلو عام 2004 لحظة مفصلية، إذ تحوّلت مباراة كرة القدم بين ناديا الجهاد من قامشلو والفتوة من دير الزور إلى شرخ دموي كشف فداحة ما عمل عليه النظام السوري ليصل إلى هشاشة الثقة بين الشعوب، وجعل الكرد يشعرون منذ ذلك الحين بأن وجودهم معرض للخطر في كل لحظة.
مع بدء الأزمة السورية واندلاع الحرب، أصبح استقرار روج آفا اختبارًا حقيقيًا. في عفرين وكوباني وسري كانيه وكري سبي، تغيّرت خرائط السيطرة، وتبدلت الولاءات، وعادت المخاوف من العودة إلى مركزية قمعية قد تمس وجود الكرد. وفي المقابل، ونتيجة الحرب الخاصة الممارسة على شعوب المنطقة؛ نما خطاب عربي متشدّد، أحيانًا متخفّيًا تحت عباءة العشائر، وأحيانًا متغذّيًا من شعارات دينية وقومية، ويستفيد من التدخلات الخارجية، خصوصًا من تركيا، التي ترى أي كيان كردي مسلّح قرب حدودها تهديدًا لأمنها.
ولا تتوقف المخاطر عند هذا الحد. الحديث عن احتمالية عودة داعش للسيطرة على مدن مثل الرقة ودير الزور، يذكّر السوريين بكابوس 2014، حين سقطت مدن بأكملها تحت سلطة داعش، رغم أن السيطرة الكاملة لم تتحقق بعد، وتقتصر معظم التحركات على خلايا متفرقة. في الجنوب، تستمر الاحتجاجات والرفض للحكومة المؤقتة في درعا والسويداء، ما يبيّن هشاشة الأمن وعدم قدرة الدولة على فرض سيطرتها بالكامل، ويعيد تأكيد شعور الكرد بأن محيطهم لا يزال غير مطمئن.
وسط هذا الواقع، يبدو أن الخيار الأكثر منطقية واستراتيجية هو الاعتماد على وحدة الشعب الكردي في روج آفا ومع باقي الكرد في أجزاء كردستان والعالم، وتنظيم جغرافيته السياسية داخل سوريا بوضوح وحزم. وحدة الصف الكردي ليست رفاهية، بل ضرورة بقاء، فالانقسام الداخلي كان تاريخيًا أكبر مصادر الضعف، لكن تحويل الوحدة إلى انعزال أو رسم حدود قومية صلبة على حساب الشعوب الأخرى سيصطدم بالواقع: التداخل السكاني، الحساسية الإقليمية، واستحالة البقاء في عزلة اقتصادية وأمنية.
القوة الحقيقية لروج آفا لن تأتي من السلاح وحده، ولا من الدعم الخارجي، بل من القدرة على بناء شراكات داخلية تجعل العرب يرون في استقرار الكرد مصلحة لهم، وتحوّل التعاون إلى خيار مربح للجميع. هذا يستلزم صياغة دولة سورية جديدة تقوم على لا مركزية حقيقية أو فيدرالية موسّعة تعترف دستوريًا بالحقوق القومية والثقافية، تمنح صلاحيات فعلية للإدارات المحلية، وتخضع فيها كل الأسلحة لسلطة القانون الواحد.
الخطر ليس فقط في التنظيمات المتطرفة أو التحركات المسلحة وحدها، بل في تراكم المخاوف وتحويلها إلى يقين جماعي بعدم إمكانية العيش المشترك. سوريا لن تستقر إذا شعر الكرد في روج آفا بأنهم غرباء في وطنهم، ولن تستقر إذا شعر العرب بأنهم مستهدفون، ولن تستقر إذا بقيت الشعوب الأخرى تحت تهديد دائم.
سوريا ليست مجرد أرض، بل ذاكرة ومصير مشترك لكل شعوبها. الاستقرار في روج آفا هو مفتاح بقاء الوطن بأسره. الاعتراف المتبادل والعدالة والمواطنة والشراكة الحقيقية هي وحدها من تحوّل الخوف إلى أمل، واليأس إلى قوة، وتمنح الجميع القدرة على الحياة الكريمة، عندما يرى كل سوري في وجود الآخر ضمانة لمستقبله، يتحول الوطن إلى عقد واحد من الثقة والكرامة، ويصبح استقرار روج آفا حجر الزاوية لمستقبل سوريا، حيث لا يخشى أحد على هويته أو مكانه، ويحق لكل شعب أن يعيش بأمان وكرامة في وطنه المشترك.
No Result
View All Result