No Result
View All Result
أكرم بركات (صحفي)
في ظلِّ التحوّلات المتسارعة التي تعصف بمنطقة الشرق الأوسط، يجد الشعب الكردي نفسه أمام مرحلة مفصلية تتطلب مراجعة عميقة وشجاعة للمسار السياسي القائم. فالتغيّرات الإقليمية، وصراعات النفوذ، وتبدّل التحالفات، جميعها تفرض واقعاً جديداً لا يحتمل التشتّت أو الحسابات الضيقة، وفي مثل هذه اللحظات التاريخية، لا يكون خيار الوحدة ترفاً سياسياً، بل ضرورة وجودية لحماية الشعب وصون مكتسباته.
اليوم، يتجلّى الخطر بشكل واضح في مناطق عدّة، وفي مقدّمتها روج آفا وشنكال، ففي روج آفا، تتزايد التهديدات الأمنية والسياسية في ظل استمرار الاستقطاب الإقليمي، ومحاولات تقويض تجربة الإدارة الذاتية عبر الضغوط العسكرية والسياسية. أما في شنكال، فإن المخاطر تتصاعد مجدداً نتيجة خطط وتحركات تهدد أمن المنطقة، سواء عبر تدخّلات عسكرية أجنبية أو عبر تحريك جماعات متطرفة لزعزعة الاستقرار وإثارة الفتن بين المكونات المحلية، وقد تعزّزت هذه المخاوف عقب التصريحات المثيرة للجدل لوزير الخارجية التركي هاكان فيدان، والتي ترافقت مع تحركات مقلقة في محيط شنكال.
إن خصوصية شنكال لا تنبع فقط من موقعها الجغرافي الحساس، بل من الذاكرة الجماعية الأليمة لأهلها، وخاصة المجتمع الإيزيدي، الذي تُرك في لحظة تاريخية حرجة لمواجهة مصيره، واضطر إلى الاعتماد على قواه الذاتية لحماية أرضه ووجوده. واليوم، مع عودة مؤشرات التهديد، يبرز سؤال المسؤولية مجدداً: من يحمي هذه المناطق؟ ومن يضمن ألّا تتكرر المآسي؟
الإجابة لا يمكن أن تكون مجتزأة أو آنية. فحماية الشعب الكردي، في روج آفا وشنكال وسائر المناطق، تبدأ من الداخل، من بناء وحدة وطنية ديمقراطية حقيقية. وهذه الوحدة لا تعني إلغاء التعددية أو صهر الجميع في موقف سياسي واحد، بل على العكس، تقوم على الاعتراف بالتنوع السياسي والفكري داخل البيت الكردي، ضمن إطار جامع يحدد الثوابت الوطنية ويصون المصالح العليا.
لقد عبّر الشعب الكردي، في مختلف الساحات، عن تطلّعه لوحدة الصف. لم يعد النداء بحاجة إلى تكرار بصيغ خطابية تقليدية؛ فالجماهير قالت كلمتها بوضوح. ما تبقّى هو أن تتحمّل الأحزاب والقوى السياسية مسؤولياتها التاريخية، وأن تنتقل من مستوى التصريحات إلى مستوى الخطوات العملية: حوار جاد، آليات تنسيق مشتركة، ميثاق وطني ديمقراطي، ورؤية استراتيجية موحّدة لإدارة الأزمات.
الوحدة المنشودة هي وحدة ديمقراطية، أي وحدة تقوم على الشراكة لا الهيمنة، وعلى التوافق لا الإقصاء. يمكن لكل طرف أن يحتفظ ببرنامجه وخصوصيته، لكن ضمن التزام واضح بعدم تحويل الخلافات الداخلية إلى نقاط ضعف تستغلها القوى المعادية، فالتجارب أثبتت أن الانقسام يفتح الباب واسعاً أمام التدخلات الخارجية، بينما يشكّل الحد الأدنى من التوافق سداً منيعاً أمام مشاريع التفتيت.
إن المرحلة الراهنة تتطلب شجاعة سياسية تعلو فوق الحسابات الحزبية الضيقة، فالتاريخ لا يرحم من يضيّع الفرص في اللحظات الحاسمة. وإذا كان الشعب الكردي قد دفع أثماناً باهظة في العقود الماضية، فإن أقلّ ما يمكن تقديمه اليوم هو بناء جبهة وطنية ديمقراطية تحمي وجوده، وتعزّز قدرته على مواجهة المتغيرات الإقليمية بثقة وثبات.
إن حماية روج آفا وشنكال ليست قضية محلية تخص منطقة بعينها، بل هي عنوان لكرامة شعب بأكمله. والوحدة الوطنية الديمقراطية ليست شعاراً سياسياً، بل هي شرط البقاء والاستقرار في زمن التحولات الكبرى.
No Result
View All Result