No Result
View All Result
دجوار أحمد آغا
يُصادف اليوم العالمي للغة الأم في الحادي والعشرين من شهر شباط كل عام، وهو اليوم الذي أقرّته منظمة اليونسكو عام 1999، تأكيداً على أهمية التنوع اللغوي وحماية اللغات الأم بين الشعوب والأمم، بوصفها جزءاً أصيلاً من التراث الإنساني. لم يكن اختيار هذا اليوم مجرد مناسبة رمزية، بل رسالة واضحة مفادها أن اللغة الأم حق إنساني أساسي، وأن حمايتها تعني حماية التراث الثقافي والهوية الجماعية للشعوب، فاللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل وعاء للذاكرة ومخزن التاريخ ومرآة الذات. من خلالها تتشكل طريقة التفكير، وتُروى الحكايات، وتنتقل القيم من جيلٍ إلى جيل. اللغة مساحة تتجلى فيها خصوصية الشعوب وثقافاتها، وحين تُقمع لغة ما، لا يُقمع صوت أفرادها فحسب، بل يُستهدف وجودهم الرمزي والمعنوي.
اللغة الكردية… جذور عميقة وهوية حيّة
تُعدُّ اللغة الكردية واحدة من اللغات العريقة في المنطقة، ويتحدث بها ملايين الكرد في عدة بلدان، ومن بينهم الكرد في سوريا. وتنتشر في سوريا اللهجة الكرمانجية بشكلٍ واسع، وهي حاملة لتراث غني من الشعر والملاحم والأغاني الشعبية التي شكلت جزءًا أساسيًا من الهوية الثقافية الكردية. اللغة الكردية ليست مجرد أصوات وكلمات، بل هي سِجلّ طويل من التجارب التاريخية والوجدانية. فيها يتجسد الفرح والحزن، المقاومة والصمود، الحب والانتماء. إنها الإطار الذي تتشكل داخله الذات الكردية.
سنوات المنع… حين أصبحت اللغة تهمة
شهد الكرد في سوريا عقوداً من الحرمان اللغوي، حيث مُنع استخدام اللغة الكردية في المؤسسات الرسمية، وخاصةً في المدارس، كان الأطفال الكرد يدخلون الصفوف وهم يقرأون عبارات مُعلّقة على جدران مدارسهم مكتوب عليها: “ممنوع التكلم إلا باللغة العربية”. لم تكن تلك العبارة مجرد توجيه إداري، بل كانت تعبير حقيقي عن سياسة إقصاء لغوي أثرت عميقاً في الوجدان الجمعي. كبرت أجيال كاملة وهي تتعلم بلغة غير لغتها الأم، وتُجبر على ترك لغتها خارج جدران المدرسة. هذا المنع لم يكن منعاً للكلمات فحسب، بل كان إقصاء متعمّد للهوية ومحاولة لتهميش الوجود الثقافي الكردي في الفضاء العام.
الآثار النفسية والثقافية لحرمان اللغة
حين يُحرم الطفل من لغته الأم في المدرسة، يشعر بأن جزءاً من ذاته غير معترف به. فاللغة التي ينطق بها أولى كلماته، والتي يسمعها من أمه وأبيه، هي اللغة التي تُشكّل وعيه الأول بالعالم. إن حرمان الإنسان من لغته يعني زرع شعور الاغتراب والانفصال، ولذلك لم تكن قضية اللغة الكردية مسألة تعليمية فحسب، بل قضية كرامة وحق واعتراف بالذات. تاريخ الكرد في سوريا شهد مراحلاً طويلةً من التهميش والحرمان اللغوي، إن فرض لغة واحدة في المجال التعليمي دون الاعتراف باللغات الأم للطلاب يؤدي إلى آثارٍ نفسية وثقافية عميقة. في سوريا، حُرم الكرد لسنوات طويلة من تدريس لغتهم في المدارس الرسمية، كما مُنعت المطبوعات والأنشطة الثقافية الكردية في فترات مختلفة. لم يكن بوسع الكثيرين تسجيل أبنائهم بأسماء كردية بسهولة، ولم تكن هناك مساحة قانونية واضحة للاعتراف باللغة الكردية كلغة تعليم وإدارة، هذه السياسات مسّت صميم الهوية الكردية.
تجربة الإدارة الذاتية… استعادة الاعتراف اللغوي
مع بروز تجربة الإدارة الذاتية في روج آفا ومناطق شمال وشرق سوريا، حدث تحول هام في مسألة اللغة. فقد تم اعتماد اللغة الكردية والعربية والسريانية كلغات رسمية في مؤسسات الإدارة والتعليم، في خطوةٍ عكست رؤية تقوم على التعدد والاعتراف بالتنوع الثقافي. أُدخلت اللغة الكردية إلى المناهج الدراسية، وافتُتحت مدارس ومعاهد لتعليمها، كما تأسست جامعات تتيح الدراسة بالكردية إلى جانب لغات أخرى. أصبح بإمكان الطفل الكردي أن يقرأ ويكتب ويتعلم بلغته الأم داخل الصف، دون خوف أو شعور بالإقصاء.
كما شهدت المنطقة نشاطاً ثقافياً ملحوظاً في مجال النشر والترجمة وإحياء الأدب الكردي، وطباعة الكثير من الكتب باللغة الأم، وافتُتحت دورات لتعليم اللغة للكبار الذين حُرموا منها في طفولتهم، في محاولة لتعويض سنوات طويلة من التهميش.
التعدد اللغوي بوصفه أساس للمواطنة
إن الاعتراف بالكردية إلى جانب العربية والسريانية لا ينتقص من أي لغة أخرى، بل يؤسس لفكرة المواطنة القائمة على الاحترام المتبادل، فالمجتمعات التي تعترف بتنوعها اللغوي تكون أكثر قدرة على بناء شراكة حقيقية بين شعوبها. اللغة ليست عامل انقسام، بل يمكن أن تكون جسراً للتفاهم إذا أُديرت بروح الاعتراف المتبادل. غير أن التحدي لا يقتصر على إقرار تعليم اللغة الكردية، بل يمتد إلى ضمان بيئة قانونية واجتماعية تحترم التعدد اللغوي على مستوى الدولة ككل. الاعتراف بالتنوع اللغوي لا يعني إقصاء لغة أخرى، بل يعني الإقرار بأن الانتماء الوطني يمكن أن يتسع لأكثر من لغة وهوية ثقافية.
أهمية اللغة للكردي على وجه الخصوص
اللغة ليست مجرد أداة للتفاهم؛ بالنسبة للكردي لها أهمية خاصة فهي تعني الوجود ذاته. حين يتحدث الكردي بلغته، فهو لا ينقل معنى فحسب، بل يستحضر تاريخ طويل من الذاكرة الجمعية، من الأغاني الفلكلورية إلى قصائد المقاومة، ومن الأمثال الشعبية إلى الحكايات التي تناقلتها الأجيال. اللغة الكردية تختزن تجارب الفرح والحزن، الفقد والأمل، وهي مرآة تعكس الذات الكردية بكل تعقيداتها وثرائها. اليوم العالمي للغة الأم يذكّرنا بأن حماية اللغات ليست مسألة ثقافية ثانوية، بل قضية حقوق إنسان. حرية التعبير تشمل الحق في استخدام اللغة الأم، والحق في التعليم بها، والحق في تطويرها ونشرها. المجتمعات التي تحترم تعدديتها اللغوية تكون أكثر قدرة على بناء مواطنة متساوية؛ لأن الاعتراف باللغة هو اعتراف بالإنسان الذي يتكلمها.
وختاماً فإن اللغة هي الوجود
لذلك؛ فإن يوم الحادي والعشرين من شباط من كل عام، ليس يوم عادي ولا مجرد احتفال رمزي، بل مناسبة للتأمل في معاناة الشعوب التي حُرمت من لغاتها، وللاحتفاء أيضًا بالتجارب التي أعادت الاعتبار لها. تبقى اللغة الكردية شاهدًا على صمود شعب تمسك بلغته رغم المنع، وحافظ عليها في البيوت والأغاني والذاكرة الجماعية. فاللغة ليست مجرد وسيلة للتفاهم، بل هي الوجود ذاته. وحين تُصان اللغة، تُصان الكرامة والهوية والتاريخ. وهكذا، يصبح الدفاع عن اللغة الكردية دفاعاً عن حق الإنسان في أن يكون كما هو، وأن يتكلم بصوته، وأن يرى ذاته معترفاً بها في وطنه.
No Result
View All Result