العنصر الثّاني:
الفائض الفكريّ: إنّ مفهوم الفائض الفكريّ، وفق ما هو معلوم في أغلب لغات العالم، ولا سيّما في مجال الاقتصاد، هو زيادة الإنتاج، أو الزّيادة فيه. أمّا بالنّسبة لنا، فله تعريف ومفهوم مغاير لتلك المفاهيم، إذ نقصد به: النّقص المعرفيّ نتيجة التّوهم بإشباع المحتوى الفكريّ، والذي يؤدّي إلى الإيهام بازدياد هائل في كمّ المعلومات بالمقارنة مع الحاجة إليها، أيْ ثمّة فائضٌ استناداً إلى الشّعور، بيد أنّ حقيقة الأمر هي على عكس ما يبدو تماماً، فلا بدّ من إعادة النّظر في هذا المفهوم الذي أصاب الكثير من النّاس بشعور الإشباع، وتوقّف الرّغبة عن الاستمرار، وكذلك عن الحاجة إلى التّعلّم، (فبالتّالي يتمثّل الفائض الفكريّ في كونه وهماً ناتجاً عن القوّة المعرفيّة الواهمة).
عزيزي: في دائرة الفكر وفضاء المحتوى لا تقبل بمفهوم الفائض، إذ إنّه لا يندرج في الخانة الفكريّة، فمن المحال ملء خزّان المحتوى، أو إشباعه، أو تغطية حاجته، وانطلاقاً من كلّ ذلك، فلهذا المفهوم تأثير نفسيّ على مجمل الحالة النّفسيّة؛ فلا يكاد يراودك الشّعور به (أيْ الفائض)، حتّى تصابُ بالغرور، والوهم المعرفيّ.
وقد ابتُغي من ذكر هذا العنصر في المعادلة أمران، للكشف عنه أوّلاً، فإذا طرحته من المحتوى، استنتجت في المحصلة أنّه، في حقيقة الأمر، ليس ثمّة فائضٌ لأنّ عملية الطّرح غير ممكنة، أو كأنّك تطرح رقماً من الصّفر: الرّقم هو المحتوى، والفائض هو الصّفر، ثمّ لإقناعك بأنّ المحتوى لا يزال بحاجة إلى المعلومات والأفكار أكثر فأكثر، وهذه الحاجة تقتضي العودة إلى المحتوى الفكريّ، وتجعله من الضّروريات.
أدركتم الآن أنّه ليس هناك شيءٌ اسمه فائض، ولكنّني وضعته في المعادلة لغاية الصّحوة الفكريّة، والعودة إلى واقعية ذلك المحتوى بدل الوهم المعرفيّ الذي يشكّل عبئاً نفسيّاً أنتم في غنىً عنه، فهذه العودة تعني الصّحّة الفكريّة، وكذلك التّخلّي عن الفائض يعني الحاجة الفكريةّ، وبالتّالي؛ فإنّ الحيوية الفكريّة تستعيد نشاطها من جديد.
إنّ رغبة المحتوى الفكريّ، أو ما نسمّيه: (بالنّوبة الإبداعيّة) في مجالٍ ما يخلق لدينا شعور الانبثاق، وهذا لا علاقة له بالفائض، انتبه لذلك، فالفائض الفكريّ هو المفهوم العكسيّ للفراغ الفكريّ، أو العجز الفكريّ، وما أكثر المصابين به! فلا تعش ذلك الوهم، فهو الجدار البلاتينيّ المعيق لتحولّك الفكريّ نحو الأفضل، أو نحو مساره الصّحيح.
إنّ الفائض الفكريّ أحد نتائج التّموّجات الفكريّة عند التّركيز على ماهية تلك التّموّجات، وحركتها الفكريّة الهوجاء داخل محتواك، فعدم التّمكّن من التّحكم في تلك التّموّجات يخلق حالة شعوريّة بوجود فائض، وهذا ليس صحيحاً، فتداخل التّموجات بعضها في بعضها الأخرى يسبّب ضغطاً فكرياً يوهمك بأنّ هناك فائضٌ، والشّكل الآتي يوضّح:
العنصر الثّالث:
الوقت المضاف: إنّ اليوم هو 24 ساعة وفق ما نعلم. ولكن؛ لا يمكن تأطير المحتوى الفكري تحت رحمة هذا التّوقيت، وإنّما هناك وقت يرافق المحتوى خارج ذلك الإطار، فهو لا يدرك ماهية الـ “اليوم”، إذ إنّه مستيقظٌ دائماً، وغير آبهٍ بالمحدّدات؛ لذا فلْنخرجْ من الإطار الوقتيّ المحدّد لزمننا الفكريّ. وبالتّالي فإنّ الوقت المضاف بموجب ذَينك العنصرَين هو اليقظة الوقتيّة بموجب ذلك التّحديد، وهذا يعني أنّنا أمام توأمَين ملتصقَين، لا أحد منهما يعيش من دون الآخر؛ فلذلك يتعلّق مفهوم الوقت المضاف بحاجة المحتوى الفكريّ، وكذلك برغبته في الانصياع لحاجة هذا المحتوى.
فهذا الرّبط التّميّزي بين الوقت المضاف، وحاجة المحتوى، ورغبتك في التّلبية يخلق شعوراً بالتّوفّر الدّائم للوقت المضاف، أو بالأحرى ستدرك أهمّيّة ذلك الوقت في تقدّمك الفكريّ، ونوعيّة ذلك التّقدّم.
هناك سؤالٌ مهمٌّ: ما علاقة المحتوى بتأثيرات ذلك الواقع المتحكّم في وقتنا الفكريّ والجهدي؟
وهل يمكن التّحرّر من الخنوع لذلك الواقع، أوفكّ أسر الوقت من سجنه لصالح المحتوى الفكريّ؟
وإن تحقّق هذا، فسيكون هذا المحتوى هو المنقذ للواقع نفسه لأن الوقت المضاف لصالح المحتوى سينتج معطياتٍ جديدةً، وأفكاراً تتوافق مع مصالح التّغيير لذلك الواقع، والذي سوف يتابع سيره نحو أرضيّة وبيئة أفضل من اللّتَين كانتا قبلاً.
فبالمختصر: الوقت المضاف هو ولادة رغبة المحتوى الفكريّ في الاحتواء أكثر فأكثر، ذلك المحتوى المختفي خلف قضبان الفائض، والمتطلّع إلى حكمة الوقت المضاف في إحيائه، واستدعاء أفكار جديدة له. هذا هو المقصد عزيزي، فما من فائضٍ مع إدراك المحتوى، وحكمة الوقت.