No Result
View All Result
يونس بهرام
في لحظات التحوّل الكبرى، لا يُقاس وزن الأقاليم بعدد البنادق التي تحرس حدودها، ولا بعدد الشعارات التي تملأ جدرانها، بل بقدرتها على إنتاج المعنى، وصياغة العقل، واستيعاب الاختلاف. ومن هنا ينهض السؤال القلق: أين تقف العقول الكردية من فلاسفة ومؤرخين وعلماء نفس وإداريين واقتصاديين من التحولات التي تشهدها روج آفا؟ وهل تملك هذه التجربة الناشئة القدرة على احتضانهم، أم أن الريح ما زالت أقوى من الجذور؟
ليست روج آفا وليدة فراغٍ نظري، بل ابنة زلزالٍ سياسي وأمني أعاد رسم خرائط النفوذ في الشمال الشرق السوري. نشأت في ظلِّ حرب ضارية، وتحت ضغط تهديدات وجودية كان أبرزها صعود داعش، فكان من الطبيعي أن تتقدّم الضرورات العسكرية، إلى جانب إبداع شعوب المنطقة في المجالات الأخرى في المجتمع.
أولاً: في السياسة… بين الفكرة والسلطة:
السياسة، حين تولد من رحم الطوارئ، تميل إلى الانضباط أكثر مما تميل إلى الجدل. والإدارة الذاتية، وهي تبني مؤسساتها في مناخٍ مضطرب، أحاطت نفسها خشية التفكك أو الاختراق. بسياجٍ تنظيمي كثيف، غير أن العقول الكبرى لا تزدهر في الظلال الضيقة؛ فهي بطبيعتها نقدية، تميل إلى مساءلة المسلّمات، وإلى توسيع دائرة النقاش.
إن أي مشروع سياسي يطمح إلى الاستمرار يحتاج إلى ما هو أبعد من الشرعية الثورية أو الضرورة الأمنية؛ يحتاج إلى شرعية فكرية وأخلاقية، تُبنى عبر تعددية حقيقية، واعترافٍ بحق الاختلاف، وإفساح المجال أمام الأكاديمي والمفكر ليقول كلمته دون خشية. فالدولة – أو شبه الدولة – التي لا تسمع إلا صوتها، سرعان ما يتردد صداها في فراغٍ داخلي. وهذا ما حاولت الإدارة السير عليه رغم كل التحديات.
ثانياً: في الاجتماع… جراح الحرب وأعباء الهوية:
المجتمع في روج آفا ليس كتلة صمّاء؛ إنه فسيفساء قومية ودينية، أنهكتها الحرب، وأثقلتها موجات التهجير، وتركت في أعماقها ندوباً نفسية عميقة. فسنوات الصراع، وما رافقها من عنف وتهجير، خلقت حاجة ماسّة إلى علم النفس الاجتماعي، وإلى خطاب مصالحة يُعيد ترميم الثقة بين الشعوب. غير أن المفارقة المؤلمة تكمن في أن كثيراً من أصحاب الاختصاص في هذه الحقول غادروا، طلباً لأمان أكثر أو الاعتراف الأكاديمي أو الاستقرار المعيشي، وهكذا دخلت روج آفا في معادلة قاسية: الحاجة المتزايدة إلى الكفاءات تقابلها قدرة محدودة على الاحتفاظ بها. والهجرة، وإن كانت خياراً فردياً، تتحول مع الزمن إلى نزيفٍ جماعي، يُفرغ الداخل من طاقته النقدية والإبداعية.
ثالثاً: في التعليم… معركة الاعتراف والمعنى:
التعليم هو المعيار الأصدق لقياس نضج أي تجربة سياسية، وقد شهدت روج آفا محاولات لتأسيس جامعات ومناهج جديدة بلغات متعددة، في مسعى لإعادة تعريف الهوية الثقافية والمعرفية، فغدت هذه التجربة مثالاً حياً على التعليم باللغة الأم لشعوب المنطقة من خلال تأليف مناهج خاصة بتراث وهوية المنطقة وقيمها المجتمعية باللغات الرسمية الثلاث للإدارة الذاتية الديمقراطية “الكردية، العربية، والسريانية”. غير أن هذه الجهود تصطدم بعقبات الاعتراف الدولي.
بين الإمكان والشرط
تملك روج آفا القدرة على استيعاب العقول الكردية والاستفادة من خبراتها، ولا ننسى تجربتها على مدار أربعة عشر عاماً في هذا المضمار، العقول الكردية ليست غائبة، بل موزّعة بين المنافي والجامعات الأجنبية ومراكز البحث الإقليمية، ولا ننكر وجودهم اليوم في روج آفا ضمن مؤسسات الإدارة الذاتية المختلفة.
إن التجارب الكبرى لا تُقاس بقدرتها على الصمود فحسب، بل بقدرتها على تحويل الصمود إلى فكر، والفكر إلى مؤسسات، والمؤسسات إلى مستقبل. ومن هنا؛ نلمس نجاح روج آفا بتجربتها الفريدة، ومساعيها في حلّ الأزمة السورية بالحوار وحل القضية الكردية في سوريا.
No Result
View All Result