داليا حمي
تعدُّ قضية القائد الكردي عبد الله أوجلان بين عامي 1998 ـ 1999 مؤامرة دولية كبرى، وهي سلسلة من الأحداث السياسية والاستخباراتية المعقدة التي شاركت فيها قوى دولية متعددة.
لم تكن العملية مجرد حدث محلي، بل اتسمت بطابع دولي شاركت فيها أجهزة استخبارات دولية (بما في ذلك وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية والموساد الإسرائيلي) بتواطؤ من بعض الدول الأوربية والأفريقية.
أُجبر القائد “عبد الله أوجلان” على مغادرة سوريا بعد ضغوط وتهديدات عسكرية تركيّة مدعومة من قوى دولية. كانت هذه المغادرة بداية لرحلة دامت أربعة أشهر، جاب خلالها القائد عبد الله أوجلان عدة دول أوروبية بحثاً عن حل سياسي للقضية الكردية، لكنه قوبل بإغلاق الأبواب في وجهه.
عندما توجه القائد “عبد الله أوجلان” إلى أوروبا في تشرين الأول 1998 كان يسعى صراحةً إلى تدويل القضية الكردية وإيجاد مخرج سياسي سلمي عبر البرلمانات الأوروبية، وفي تلك الفترة كانت القوى الدولية ــ على رأسها الولايات المتحدة ــ تسعى لضمان ولاء تركيا الكامل ضمن حلف الناتو؛ خاصةً مع التحولات التي كانت تشهدها المنطقة بعد الحرب الباردة.
تسليم القائد عبد الله أوجلان لتركيا كان بمثابة “جائزة سياسية” لتعزيز النظام الحاكم هناك وضمان استقرار القوة الغربية في القواعد التركية. كان القائد أوجلان يطرح فكراً سياسياً لا يتوافق مع الرؤية الرأسمالية العالمية ولا مع الأنظمة القومية المتطرفة في المنطقة.
وكان هدف المؤامرة هو منع نشوء أي نموذج ديمقراطي بديل يعتمد على الإدارة الذاتية وأخوّة الشعوب؛ حيث فضلت القوى الدولية الحفاظ على توازنات القوى التقليدية في المنطقة ظناً منها بأن غياب القائد سيؤدي إلى تفكك حزب العمال الكردستاني PKK وانهيار معنويات مقاتليه. ومن أهدافهم الأخرى إضعاف الحركة الكردية وإنهاء التأثير الفكري والسياسي للقائد أوجلان، والهدف الإقليمي هو إعادة ترتيب الأوراق في الشرق الأوسط بشكلٍ عام والساحة الكردية بشكلٍ خاص بما يخدم مصالح القوى العظمى.
من السجن إلى الأمة الديمقراطية
رغم السجن والعزلة المشددة في جزيرة إمرالي، يرى الشعب الكردي أن المؤامرة فشلت في تحقيق هدفها الجوهري؛ لأن القائد عبدالله أوجلان حول السجن إلى منبر فكري وأنتج “مانيفستو السلام والمجتمع الديمقراطي” مما نقل القضية من حيّز فالصراع المسلح إلى فضاء فلسفي.
الحلول السياسية حولت القائد عبد الله أوجلان إلى “أيقونة فكرية” وتحول السجن إلى مدرسة بدلاً من الصمت. مرافعات القائد أوجلان أصبحت مرجعاً فكرياً (الكونفدرالية الديمقراطية)، وجوهر مشروعه جعل حرية المرأة أساس الثورة حيث قالها بوضوح: لا يمكن لمجتمع أن يكون حراً إذا كانت المرأة غير حرة.
لقد أرادوا دفن القضية الكردية في إمرالي، لكن الفكر الذي خرج من ذاك السجن بات اليوم مشروعاً لإدارة مناطق واسعة في شمال وشرق سوريا.