No Result
View All Result
أيمن روج
في بلدٍ كَسوريا، لم يكن التنوّع يومًا عبئًا تاريخيًا، بل كان جزءًا من هوية الأرض نفسها؛ فسوريا التي تعاقبت عليها الحضارات والإمبراطوريات، تشكّلت من فسيفساء بشرية وثقافية ودينية وقومية غنية، جعلت منها نموذجًا مصغّرًا للشرق الأوسط بكل تعقيداته وجمالياته وتناقضاته. غير إن هذا التنوّع، الذي كان ينبغي أن يكون مصدر قوة وثراء، تحوّل في العقود الأخيرة، وخصوصًا بعد بدء الأزمة فيها، إلى نقطة هشاشة استُغلت سياسيًا وعسكريًا وأيديولوجيًا، فدُفعت الشعوب المختلفة إلى قلب صراعات لا ناقة لها فيها ولا جمل، وتعرّضت لانتهاكاتٍ واسعة النطاق، من تهجير قسري وتغيير ديمغرافي واستهداف على أساس الهوية والانتماء، في مشهدٍ أعاد إلى الواجهة سؤالًا مركزيًا: من يحمي شعوب سوريا؟ وأي قانون يمكن أن يشكّل مظلّة حقيقية لضمان بقائها وحقوقها وكرامتها؟
من منظور القانون الدولي، لا تُعد حماية الشعوب مسألةً أخلاقية فحسب، بل التزامًا قانونيًا على عاتق الدول والمجتمع الدولي على حد سواء. فالإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهدان الدوليان الخاصان بالحقوق المدنية والسياسية، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والاتفاقيات الدولية الخاصة بمناهضة التمييز العنصري، وحماية حقوق الشعوب والأقليات القومية والدينية واللغوية، كلها تُقرُّ بمبدأ المساواة الكاملة بين البشر دون تمييز على أساس العرق أو الدين أو اللغة أو الانتماء القومي، وتمنح الأفراد والجماعات حق الحفاظ على هويتهم الثقافية وممارسة شعائرهم الدينية واستخدام لغاتهم والمشاركة المتكافئة في الحياة العامة، وفي سياق النزاعات المسلحة، يأتي القانون الدولي الإنساني، واتفاقيات جنيف، ليضيف طبقة أخرى من الحماية، عبر تحريم استهداف المدنيين، وتجريم التهجير القسري والتطهير العرقي، ومنع التغيير الديمغرافي القسري، واعتبار استهداف جماعة بسبب هويتها جريمة حرب أو جريمة ضد الإنسانية، وقد يرتقي في بعض الحالات إلى مستوى الإبادة الجماعية.
الشعوب الموجودة في سوريا ليست طارئة ولا مستوردة، بل هي نتاج قرون طويلة من التعايش والتفاعل التاريخي. فالعرب يشكّلون الكتلة السكانية الأكبر، إلى جانب الكرد الذين ينتشرون في شمال وشمال شرق البلاد، والآشوريين والسريان الذين يحملون إرثًا حضاريًا ولغويًا ضاربًا في عمق التاريخ، والتركمان والأرمن والشركس وغيرهم من القوميات. وعلى المستوى الديني والمذهبي، تضم البلاد مسلمين سنّة وعلويين وإسماعيليين وشيعة، إلى جانب مسيحيين بمذاهبهم المختلفة من سريان وأرثوذكس وكاثوليك وأرمن، إضافةً إلى الإيزيديين والدروز وغيرهم. لكل هذه الشعوب ذاكرة جماعية، ولغة أو لهجة، وعادات وتقاليد، وطقوس دينية وثقافية، تشكّل مجتمعةً نسيجًا اجتماعيًا متداخلًا لا يمكن تفكيكه دون تمزيق المجتمع السوري ذاته.
الحقوق التي تكفلها القوانين الدولية لهذه الشعوب لا تقتصر على حق البقاء الجسدي والأمان من القتل والتهجير، بل تمتد إلى حقوق أعمق تتعلّق بالكرامة والهوية والمشاركة السياسية. من حق أي شعب أن يحافظ على لغته وثقافته وأن تُحترم خصوصيته الثقافية في المناهج التعليمية والإعلام والمؤسسات العامة، ومن حقه أن يمارس شعائره الدينية بحرية دون خوف أو اضطهاد، ومن حق أفراده المشاركة في إدارة الشأن العام والتمثيل السياسي العادل، والوصول المتكافئ إلى الوظائف والخدمات العامة، وعدم التعرّض للإقصاء أو التهميش على أساس الهوية. كما أن الحق في العودة الآمنة والكريمة للنازحين والمهجرين واللاجئين إلى مناطقهم الأصلية، واستعادة ممتلكاتهم أو التعويض عنها، يُعدُّ جزءًا أساسيًا من منظومة العدالة الانتقالية التي ينصّ عليها القانون الدولي في مرحلة ما بعد النزاعات.
غير أن الفجوة بين النص القانوني والواقع الميداني في سوريا ما تزال واسعة. فالقوانين الدولية، رغم قوتها النظرية، تبقى في كثير من الأحيان رهينة التوازنات السياسية الدولية، ومصالح الدول الكبرى، وانتقائية تطبيق العدالة. لقد شهد العالم كيف تُركت مجتمعات كاملة في سوريا لمصيرها أمام جرائم موثّقة بالصوت والصورة، وكيف أُفرغت بعض المناطق من سكّانها الأصليين عبر التهجير القسري، وكيف استُخدمت الهويات الدينية والقومية وقودًا للحرب وتبريرًا للعنف. هذا الواقع يطرح سؤالًا مؤلمًا حول مصداقية النظام الدولي ذاته، وحول مدى التزامه الحقيقي بحماية الأقليات والشعوب حين تتعارض هذه الحماية مع حسابات النفوذ والجغرافيا السياسية.
حماية الشعوب في سوريا لا يمكن أن تتحقّق عبر البيانات الدولية وحدها، بل تحتاج إلى مقاربة شاملة تبدأ بإعادة تعريف مفهوم الدولة نفسها، كدولة مواطنة لا دولة شعب مهيمن. دولة تُبنى على عقد اجتماعي جديد يعترف بالتعدّدية كقيمة دستورية، ويحوّلها من عبءٍ أمني إلى ركيزة للاستقرار. هذا العقد لا بد أن يستند إلى دستور يضمن اللامركزية الإدارية أو السياسية بما يسمح للشعوب بإدارة شؤونها الثقافية والتعليمية والاجتماعية، ويكفل في الوقت ذاته وحدة البلاد وسيادتها. كما يتطلّب الأمر نظامًا قضائيًا مستقلًا قادرًا على محاسبة مرتكبي الانتهاكات بحق أي شعب، بغضّ النظر عن انتماءاتهم السياسية أو العسكرية، ويُعيد الاعتبار لفكرة العدالة بوصفها شرطًا للمصالحة، لا عائقًا أمامها.
في النهاية، إن حماية الشعوب في سوريا ليست قضية تخصّ جماعة بعينها، بل هي اختبار أخلاقي وسياسي وقانوني لمستقبل البلاد ككل. فإما أن تُبنى سوريا القادمة على أساس الاعتراف المتبادل والمساواة في الحقوق والواجبات، فتتحوّل تعدّديتها إلى مصدر قوة واستقرار، أو يُعاد إنتاج منطق الإقصاء والهيمنة، فتظل البلاد عالقة في دوّامة العنف والتفكّك. المجتمع الدولي يملك الأدوات القانونية التي تمكّنه من حماية هذه الشعوب، لكن الإرادة السياسية هي الحلقة المفقودة. وبين النصوص المدوّنة في الاتفاقيات الدولية ودماء الشهداء على الأرض، تقف الحقيقة عارية: لا كرامة لسوريا دون كرامة كل شعب من شعوبها، ولا سلام مستدام دون عدالة تحمي الضعفاء قبل الأقوياء، وتعيد للتنوّع معناه الطبيعي كحالة حياة لا كذريعة للموت.
No Result
View All Result