No Result
View All Result
دجوار أحمد آغا
منذ أكثر من ربع قرن، ولا تزال قضية القائد والمفكر عبد الله أوجلان تشكّل إحدى أكثر القضايا السياسية تعقيداً وحساسية ليس فقط في الشرق الأوسط، بل وفي العالم أجمع. عملية اختطافه من العاصمة الكينية “نيروبي” وتسليمه الى تركيا في 15 شباط عام 1999، لم يكن حدثاً أمنياً معزولاً، بل كان عبارة عن محطة مفصلية في مسار “المؤامرة الكونية”، التي اشتركت فيها قوى إقليمية، دولية، وعابرة للقارات، بهدف إجهاض مشروع فكري، تحرري، سياسي، يتجاوز حدود المسألة الكردية التقليدية. اليوم، وعلى الرغم من الحديث عن عمليات سلام، وحوارات غير مباشرة، وأخرى مباشرة وراء الكواليس، وتحولات فكرية عميقة قدمها القائد أوجلان من داخل معتقل جزيرة إمرالي، ما زالت سياسة الإبادة والتعذيب مستمرة بحقه، في الوقت الذي تتعرض فيه تجربة روج آفا لهجمات ممنهجة تعكس استمرار الذهنية نفسها التي حيكت بها تلك المؤامرة الكونية. 
خلفيات المؤامرة الكونية وسياقها الدولي
لا يمكن فهم المؤامرة الكونية التي استهدفت القائد والمفكر عبد الله أوجلان، خارج السياق الدولي لنهاية القرن العشرين. فقد تزامن اعتقاله مع إعادة تشكيل النظام العالمي من جديد بعد انتهاء الحرب الباردة بسقوط الاتحاد السوفيتي، وبقاء الولايات المتحدة الأمريكية القطب الوحيد في العالم. هنا كانت الخطوة الأولى التي أقدمت عليها قوى الهيمنة العالمية من خلال ضبطها لأي حركات تحررية، قد تخرج عن إطار الدولة القومية أو المصالح الجيوسياسية القائمة لهذه القوى. جاء طرح القائد عبد الله أوجلان، في تلك المرحلة، كقراءة نقدية جذرية للدولة القومية، والرأسمالية، والسلطوية، وهو ما جعل مشروعه مصدر قلق ليس فقط للدولة التركية، بل أيضاً لقوى دولية رأت في أفكاره تهديداً لبنية النظام الإقليمي.
من هذا المنظور، لم تكن المؤامرة مجرد تسليم شخص أو اعتقال قائد حركة تحرر وطني، بل استهداف لمشروع فكري تحرري يسعى إلى إعادة تعريف السياسة، والهوية، والديمقراطية، خارج القوالب السائدة.
سياسة الإبادة والتعذيب في إمرالي أداة ضغط سياسي
تُعتبر سياسة الإبادة التعذيب المفروضة على القائد والمفكر عبد الله أوجلان في سجن جزيرة إمرالي، واحدة من أكثر أشكال السياسات تشدداً في العالم. فهي ليست إجراء قانوني فحسب، بل عقوبة سياسية بامتياز، فعلى الرغم من فترات قصيرة سُمح فيها بلقاءات محدودة، خاصةً خلال مراحل الحديث عن عملية السلام، إلا أن هذه اللقاءات بقيت استثناءً لا قاعدة.
تكمن خطورة هذه السياسة في أنها تستهدف الدور الفكري والسياسي للقائد أوجلان أكثر من شخصه. فهو لم يعد يُنظر إليه فقط كقائد حركة، بل كمفكر قدم، من داخل السجن، أطروحات حول الكونفدرالية الديمقراطية، وحرية المرأة، والبيئة، والمجتمع الأخلاقي – السياسي. إن عزل هذا الصوت، يعني تعطيل إمكانية الحوار الحقيقي، وإفراغ أي عملية سلام من مضمونها.
عملية السلام… الفرصة الأخيرة
عندما بدأت ملامح عملية السلام بين الدولة التركية والقائد عبد الله أوجلان، بدا واضحاً أن نداء القائد بتاريخ 27 شباط 2025 هو المحور الرئيسي والأساسي لهذه العملية التي تحولت الى مرحلة جديدة هي مرحلة السلام والمجتمع الديمقراطي والتي لعبت دوراً أساسياً وحاسماً في تهدئة الصراع، وطرح حلول سياسية بديلة عن الحرب. غير أن هذه العملية لم تُستكمل من جانب الدولة التركية، وتوقفت فجأةً، لتعود سياسات الإنكار والتصعيد.
يرى كثيرون إن فشل عملية السلام، لم يكن تقني أو ظرفي، بل ناتج عن رفض عميق للاعتراف بالمجتمع الديمقراطي كمشروع بديل. فقبول أفكار القائد عبد الله أوجلان كان يعني تحول بنيوي في طبيعة الدولة والسلطة، وهو ما لم تكن القوى المتحكمة مستعدة له. 
المجتمع الديمقراطي كجوهر الصراع
مفهوم المجتمع الديمقراطي الذي هو حجر الزاوية في فكر القائد والمفكر عبد الله أوجلان، الذي تقوم عليه نظرية الأمة الديمقراطية وحل قضايا الشعوب ضمنها وفي مقدمتها قضية الشعب الكردي بعيداً عن جمود فكرة بناء دولة قومية، متجاوزاً ذلك إلى بناء شبكة من المجتمعات الديمقراطية المحلية المتصالحة فيما بينها ومتعايشة على شكل إدارة ذاتية ومشاركة شعبية تضمن حرية المرأة والتعايش بين جميع شعوب المجتمع بغض النظر عن العرق، الطائفة، والمذهب.
هنا تحديداً يكمن جوهر الصراع. فالمؤامرة لم تستهدف شخص القائد عبد الله أوجلان فقط، بل هذا النموذج الذي يهدد منطق الدولة المركزية السلطوية. ولذلك، فإن استمرار سياسة الإبادة والتعذيب ليس سوى محاولة لمنع انتشار هذا النموذج وتحوله إلى بديل فعلي في المنطقة.
روج آفا… الامتداد العملي للمؤامرة
لدى النظر إلى ما يجري اليوم في روج آفا؛ يصعب فصل الأحداث عن المؤامرة الدولية ذاتها. فالتجربة التي نشأت هنا، رغم كل التحديات، استلهمت بشكلٍ مباشر أفكارها من نظرية الأمة الديمقراطية. قدمت نموذجاً نادراً في الشرق الأوسط، قائماً على التعددية، ودور المرأة، والإدارة الذاتية.
الهجمات الاحتلالية، الضغوط السياسية، ومحاولات الحصار والتجويع، لا يمكن فهمها فقط كصراع محلي، بل كجزء من استهداف أوسع لهذا النموذج. اللافت أن القوى أو الذهنيات التي شاركت في محاصرة القائد عبد الله أوجلان وسجنه هي نفسها التي تتقاطع مصالحها اليوم في ضرب روج آفا، وإن اختلفت الأدوات والذرائع.
وحدة العقلية والذهنية
حين يُقال إن “الوجوه نفسها” تتكرر وهي تتآمر اليوم كما بالأمس، فالمقصود ليس فقط الأشخاص، بل الذهنية السياسية ذاتها. تلك الذهنية التي ترى في أي مشروع ديمقراطي جذري خطر وجودي عليها وعلى منظومتها. هذه الذهنية تفضل الفوضى الخلاقة على التحول، والحرب على الحوار، والعسكرة على السياسة.
من هنا، تصبح المؤامرة الدولية مستمرة، لا حدث منتهي. فهي تتخذ أشكال جديدة بحسب الظرف، أي أنها تشبه الحرباء في التكييف مع الظروف، وتستمر بطبيعة الحال في الحفاظ على الهدف ذاته. الهدف الذي هو بكل بساطة (منع تشكل أي شكل نظام حكم بديل ديمقراطي حقيقي في المنطقة) حتى ولو كان مجتمعياً وليس نظام دولة.
استمرار المؤامرة خطر كبير
المؤامرة الكونية على القائد والمفكر عبد الله أوجلان، لم تتوقف عند لحظة خطفه وتسليمه إلى تركيا، بل هي مستمرة الى يومنا هذا عبر ممارسة سياسة الإبادة والتعذيب عليه، وعبر استهداف أي تجربة أو فكرة تنتمي إلى مشروعه الفكري. وما يجري اليوم في روج آفا، ليس سوى فصل جديد من هذه المؤامرة، يؤكد أن الصراع لم يعد على شخص، بل على رؤية للمستقبل.
في ظل هذا الواقع، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يمكن للسلام والمجتمع الديمقراطي أن يفرضا نفسيهما رغم كل محاولات الإقصاء؟ أم أن المنطقة ستبقى رهينة لذهنية المؤامرة والخوف من التغيير؟ الإجابة، كما يبدو، لا تزال قيد التشكل، لكنها بالتأكيد لا تنفصل عن إنهاء سياسة الإبادة التعذيب والحرية الجسدية للقائد عبد الله أوجلان، وفتح باب الحوار معه، والاعتراف بحق الشعوب في تقرير مصيرها بوسائل ديمقراطية وفي مقدمتها الشعب الكردي.
No Result
View All Result