No Result
View All Result
محمد أرسلان علي
تشهد الساحة السوريّة مؤخراً تصاعداً في الخطاب النقدي الموجه ضد مشروع “الإدارة الذاتية”، تزامناً مع التحولات العسكرية الدراماتيكية في دير الزور والرقة، وصعود نفوذ المجموعات المتطرفة بدعم أو صمتٍ من قوى إقليمية ودولية.
ينطلق هذا الخطاب في غالبه من منطلقات “دولتيّة” تقليدية، تسعى لتفسير انحسار السيطرة المكانية على أنه انهيارٌ كلي لفلسفة “الأمة الديمقراطية”. وسنحاول تفكيك هذه السردية، لنؤكد بأن الخلط بين “التراجع التكتيكي العسكري” و”السقوط الفلسفي” يمثل قصوراً منهجياً، وأن ما يتعرض له المشروع هو استهداف بنيوي لنموذج يهدد “المنظومة” الأبوية والسلطوية المهيمنة في الشرق الأوسط.
فالمتابع لمعظم ما يُقال أو ما يتم نشره إن كان بحسن نية أو عكسها، لا يعبر إلا عن قصور معرفي في محاكمة “القيمي” بأدوات “الواقعي”، حيث يمكن تصنيف المقاربات التي تنعي مشروع الأمة الديمقراطية ضمن ما يُسمى بـ “فخ المصطلحات وسوء الفهم البنيوي”. يعتمد المنتقدون في تحليلهم على أدوات “الواقعية السياسية” الصرفة أو الدوغمائية الحفظية، التي تقيس النجاح بالسيطرة الجغرافية والتحالفات النفعية. في المقابل، تُطرح “الأمة الديمقراطية” ليس كحزبٍ يسعى لانتزاع السلطة، بل كعقد اجتماعي وجودي يعيد تعريف العلاقة بين الفرد والمجتمع بعيداً عن سطوة الدولة القومية. وبالتالي، فإن انسحاباً عسكرياً أو تبدلاً في ولاءات القوى الغربية البراغماتية لا يُعد دليلاً على تهافت النظرية، بقدر ما يعكس احتدام الصراع بين نموذج “إدارة المجتمع لنفسه” ونموذج “هيمنة الدولة على المجتمع”. 
وشتّان ما بين السياسة وأخلاق السياسة. فبالنظر إلى ما تعيشه المنطقة على وجه الخصوص والعالم بشكل عام، ندرك بأن السياسة باتت عديمة الأخلاق، وأن من يحاول إعادة موضعة الأخلاق في جوهر السياسة يعتبر ساذج ويعيش في طوباويته. وبكل تأكيد لا يمكن وضع أخلاقيات “العيش المشترك” في مواجهة “فن الممكن”. فلكلاهما مكانتهما المصطلحية والمفاهيمية. حيث تتمحور السياسة التقليدية حول مفهوم “فن الممكن”، القائم على المناورة وتبدل التحالفات وفق المصالح الآنية. نقيضاً لذلك، يرتكز مشروع الإدارة الذاتية على “العيش المشترك” كقيمة معيارية ثابتة غير قابلة للمساومة. إن عزوف القائمين على المشروع عن الانخراط في “البازارات السياسية” – التي تتقنها الأنظمة الدولتية – لا ينم عن سذاجة سياسية، بل عن التزام جذري بجوهر الفلسفة. لقد حاولت هذه الإدارة فرض معادلة أخلاقية في نظام دولي فوضوي تحكمه المصالح لا المبادئ. وإن تعثّر هذه المحاولة لا يطعن في صحة الفلسفة، بل يُعري توحش النظام العالمي الذي يُفضّل التعامل مع “أمراء حرب” منضبطين وظيفياً، على التعامل مع مجتمعات حرة تدير ذاتها.
لعل المتغير الأهم في فهم ضراوة الهجوم على هذا المشروع يكمن في ركيزته الأساسية؛ “تحرر المرأة”. لقد شكلت الأمة الديمقراطية خرقاً غير مسبوق للنسق البطريركي (الأبوي) في المنطقة، محولةً المرأة من “موضوع” للسياسة إلى “فاعل” مؤسس. هذا التحول الجذري، ونجاح المرأة في القيادة العسكرية والمدنية، أثار ذعراً عميقاً في اللاشعور الجمعي للأنظمة السلطوية والمجموعات المتطرفة التي تمثل امتداداً لثقافة الذكورة المهيمنة. عليه، يمكن قراءة التحالف الضمني بين قوى متباينة (غرب، قوى إقليمية، إسلام سياسي) على أنه “دفاع عن النظام الأبوي” ضد بديل ديمقراطي يهدد البنية التقليدية للمجتمعات.
من المغالطات المنطقية الادعاء بأن المشروع ينهار لكونه فاشلاً؛ بل الصحيح أنه يُهاجم لأنه حقق نجاحاً نسبياً وملحوظاً في صهر الشعوب (كرد، عرب، سريان) في بوتقة دفاعية ومجتمعية مشتركة ضد الإرهاب، وهو ما تعجز عنه “الدولة القومية” التي تتغذى على التجزئة. أدركت القوى الدولية ذات “العقلية الدولتية” أن استمرار هذا النموذج قد يخلق “عدوى ديمقراطية”، فكان لابد من إفساح المجال لقوى وظيفية لضرب الاستقرار، وتكريس سردية أن “الرجل القوي” أو المركزية هي الحل الوحيد، وأدًا للمشروع الديمقراطي في مهده. 
إن تركيز الهجمات الإعلامية على شخوص ومسؤولين سابقين يعكس فقراً في الوعي السياسي، ورغبةً دفينة في إعادة إنتاج “نموذج الزعيم الملهم”. إن الثورات الحقيقية هي التي تهدف لتغيير البنية الذهنية للمجتمع، لا مجرد تغيير الحكام مع الحفاظ على النسق الاستبدادي (كما يحدث في استبدال البعث بتيارات دينية شمولية). يسعى منتقدو المشروع لتأبيد حالة “القطيع” وانتظار الحلول من السلطة، بينما تسعى فلسفة الأمة الديمقراطية لتحويل المسؤول إلى موظف والمجتمع إلى صانع للقرار.
تاريخياً، لم تفشل الثورات الكردية (مثل ثورة 1975 أو جمهورية مهاباد، أو ما حلً بالإقليم بعد الاستفتاء) بسبب خلل في عدالة القضية أو أنها تبنت فلسفة الأمة الديمقراطية، بل نتيجة اختلال التوازنات الدولية والخذلان الخارجي، وهو ما يتكرر اليوم في شمال وشرق سوريا. إن خسارة الجغرافيا لا تعني موت الفكرة. الفلسفة التي استطاعت ملامسة الوجدان الجمعي وتجاوزت العصبيات في أعقد البيئات، تظل حية كحاجة مجتمعية ملحة وليست مجرد سلعة سياسية. إن ما يجري هو فصل قاسي من فصول الصراع ضد الاستبداد، ولكن الفكرة التي تحرر العقل والمجتمع لا تموت بقرار دولي أو بتكبيرات أو بمدفعية فصيل متطرف.
No Result
View All Result