No Result
View All Result
د. علي أبو الخير
نلاحظ حيرة وارتباكاً في تصريحات الرئيس التركي أردوغان العلنية، حول أسباب تدخّله العسكري في سوريا؛ فيزعم أنه يدافع عن وحدة الأراضي السوريّة؛ ولكنه السبب الأول في مساعدة الحكومة السورية المؤقتة وإمدادها بالسلاح والمرتزقة؛ وطالب بدمج الكرد السوريين؛ ولكن الكرد بالفعل قولاً وفعلاً جزء من النسيج الوطني؛ وهو يقوم بحصار الكرد وعدم تلبية مطالبهم في تركيا أو دمجهم؛ وبالتالي يعيش أردوغان حيرة سياسية مغموسة بحقدٍ شخصي؛ وهي حيرة تدور حول الارتباك النفسي والتاريخي؛ بين القومية الطورانية والهوية الإسلامية السياسية، من جهة والقضية الكردية من جهة أخرى.
الطورانية
الطورانية حركة قومية ظهرت بين الأتراك أواخر القرن التاسع عشر؛ هدفت إلى توحيد أبناء العرق التركي، الذين ينتمون إلى لغة واحدة وثقافة واحدة، وقد أخذت الحركة اسمها من منطقة طوران، الممتدة ما بين هضبة إيران وبحر قزوين مهد القبائل والشعوب التركية.
وقد نجحت الحركة في إسقاط الخلافة الدينية العثمانية، ولكنها لم تتناسَ التمدد الخارجي بالروح القومية، خاصةً بعد سقوط الاتحاد السوفييتي واستقلال خمس دول تنتمي للجنس التركي، وهي أذربيجان وكازاخستان وقيرغيزستان وتركمانستان وأوزبكستان، فتم إحياء التمدد العرقي، سواء على مستوى حزب الشعب العلماني، أو على مستوى التيارات الدينية، وهو ما نعيش فصوله اليوم.
أسباب الحقد السياسي عند أردوغان
توجد ثلاثة أسباب تؤجج مشاعر الرئيس التركي وتجعله يتخذ القرارات بحقد سياسي ضد الشعب الكردي على وجه الخصوص.
أولى هذه الأسباب هو السبب التاريخي النفسي، فأردوغان يفتخر بالجنس التركي بصورة شاملة، صحيح أن الجنس التركي يمتد من شرق آسيا لغربها، ولكن تاريخ الدولة التركية الحالية لا يتعدى الستمائة عام.
نعم أثّر الجنس التركي في التاريخ الإسلامي منذ خلافة المعتصم بالله العباسي؛ الذي كانت أمه المُسماة (ماردة) تركيّة الأصل وجارية لهارون الرشيد؛ وأنجبت منه المعتصم، فاعتمد المعتصم على أخواله الأتراك، كما اعتمد المأمون على أخواله الفرس من قبل، واستغل الأتراك الفرصة فأسسوا الدولة السلجوقية عام 1037، وبحسبة تاريخية، نجد أنه ومنذ وفاة المعتصم عام 842 وحتى عام 2025 يكون عمر الأتراك في التاريخ الإسلامي 1183 سنة؛ أما تاريخ وجغرافيا الدولة التركية الحالية، يمكن اعتباره منذ فتح القسطنطينية عام 1453 وحتى عام 2025 يكون عمر الدولة التركية الحالية 572 سنة، ويمكن زيادة المدة، لنجعلها منذ تأسيس الدولة العثمانية عام 1326 وحتى عام 2025 يكون عمر الدولة التركية الجغرافية 699 سنة، فقط لا غير، وهو عمر قصير في تاريخ الدول والشعوب، ليس مثل مصر وفارس والشام والهند والصين والعراق وغيرهم، وهي الدول التي صنعت الجغرافيا فيها التاريخ، واستقرت الشعوب داخلها منذ آلاف السنين، ليس مثل الدولة التركية.
ومن ثمّ عندما يفتخر أردوغان برموز تركية، ذكر أمثال ألب أرسلان – ملكشاه – محمد الفاتح، وهم ينتمون للجنس التركي وليس للدولة التركية الحالية، وواضح عدم وجود علماء فلك وطب وكيمياء أو فقهاء أتراك عبر التاريخ، فليس بينهم إلا النادر عالم رياضي أو تاريخي أو فلسفي مؤثر، مثل ابن رشد وابن الهيثم والفارابي والرازي الغزالي.
الفخر عندهم فقط للقيادات العسكرية، فالتاريخ التركي تاريخ عسكري دموي، فلقد قام الأتراك بغزو أوروبا؛ ولكنهم لم يستقروا فيها، ولم يستقر الإسلام نفسه، إلا في الدول التي عرفت الإسلام من قبل في البوسنة والهرسك وألبانيا، وأردوغان يريد إحياء الماضي بالقوة العسكرية في الدول العربية؛ التي كانت ضمن ولاياتها، ولم يتمدد في الدول ذات الأصول التركية، فهو يظهر في المناطق الضعيفة المشتعلة أصلاً بالحروب الداخلية ويستغلها، كما هو الحال في سوريا اليوم. 
والسبب الثاني المحرك لرجب أردوغان هو الإسلام السياسي بامتياز، ولا يمكن لأردوغان أن يسيطر على المنطقة بالدعوة لخلافة تركية جديدة، لأن زمنها انتهى بلا رجعة، فشل من قبله عدنان مندريس الذي أُعدم عام 1961، ونجم الدين أربكان، الذي لم يستمر حكمه إلا عام واحد، وتم إبعاده عام 1997، ولكنّ أردوغان كان يرغب في وصول أصحاب الإسلام السياسي، لحكم عدة دول عربية، يكون هو فيها المرشد الذي يحدد السياسات الخارجية للدول التي تدور في فلكه، ويحاول أردوغان الوصول إلى قمة الإسلام السياسي عندما بات يذكّر الأتراك بماضيهم ليفتخروا باحتلالهم للبلاد العربية، لأن الغزو التركي للدول الإسلامية وإسقاط الخلافة العباسية الرمزية تم بعد احتلال مصر عام 1517 متجاوزين الأحاديث التي تنصُّ على أن الخلافة في قريش، أو حتى في العرب، ولكنها صارت في الغز أو الترك، ووجدوا من بعض فقهاء الأمة الموافقة على أحقية آل عثمان في الخلافة على أساس أحقية المتغلب أو ذي الشوكة، وصار الأتراك سادة العرب، واعتبر أصحاب الإسلام السياسي وعند كثير من فقهاء المسلمين في تركيا شرعية دينية، وضرورة فقهية يجب السعي لإحيائها، والمدهش أن أردوغان المتأسلم لم يتخلَ عن تراث أتاتورك العلماني، يمدح أتاتورك الذي ألغى الخلافة، ويمدح السلطان عبد الحميد الثاني في الوقت ذاته، وبسبب ذلك تعيش تركيا حالة من الانفصام، فهي دولة إسلامية تريد رئاسة العالم الإسلامي، وهي دولة علمانية تسعى للانضمام للاتحاد الأوربي، دولة فيها أكبر قاعدة أمريكية وأكبر تجمع إسلام سياسي معارض للدول العربية، وهو تناقض مفهوم بعد التأمل في السلوك الأردوغاني.
أما السبب الثالث، وهو الأهم يكمن في القضية الكردية؛ ويمارس السياسة بحقد النفوس؛ يعيش انفصاماً سياسياً غريباً؛ فتارةٍ يُقدم نفسه أمام العالم الإسلامي أنه وريث للسلاطين العثمانيين، في حين يُقدّم نفسه أمام الأتراك؛ كأنه حامل لواء الدفاع عن القومية التركية.
هذا التناقض كالحبل الذي يسير عليه أردوغان وكثير من الأتراك ومع التضاد القائم تبدو القضية الكردية؛ كإطار محدد لما تعانيه تركيا من أزمة عميقة للغاية في التعامل مع الكرد وتطلعهم لإقامة وطنهم على الأراضي، التي يتوزعون فيها؛ ومن خلالها سيستعيد الكرد دائماً مطالبهم لتحقيق نزعاتهم بوجودهم السياسي، فحتى وإن استطاع أردوغان إضعافهم سياسياً في العراق، وضربهم عسكرياً في سوريا، والتحالف مع إيران ضدهم، ستظل الدوافع الكردية حاضرة وقادرة على استعادة حضورها متى ما توفرت الظروف لبعثها مرةً أخرى؛ فطوال حكم أردوغان كرس خطاب الكراهية تجاه الكرد لسنوات؛ هدد الكرد بأنه سيدفنهم مع أسلحتهم؛ وأعطى الحكومة المؤقتة السلاح والدعم وهاجم الكرد جنباً إلى جنب مع مرتزقة الحكومة المؤقتة؛ ثم مؤخراً يهدد قوات سوريا الديمقراطية وقائدها العامم مظلوم عبدي وكل الشعب الكردي في سوريا وداخل تركيا بطبيعة الحال؛ والحقد السياسي الأكبر موجه ضد القائد المفكر عبد الله أوجلان؛ ولأنه صاحب مشروع الأمة الديمقراطية؛ يخشاه أردوغان حتى وهو داخل سجنه؛ وكلها أسباب تؤثر في رؤية وقرارات السياسة التركية بصفة عامة وضد الكرد بصفة أكثر خصوصية.
الحق لا يضيع؛ لأن الحق فوق القوة والأمة فوق الحكومة؛ كما قال الزعيم المصري الراحل سعد زغلول..
No Result
View All Result