بدرخان نوري
جلسة لجنة الشؤون الخارجيّة في الكونغرس الأمريكيّ بعنوان “سوريا عند مفترق الطرق، تحديات السياسة الأمريكيّة في مرحلة ما بعد سقوط النظام السابق” ليست عملاً روتينيّاً أو اجتماعاً شكليّاً، إذ عكست مجملُ الكلماتِ والشهادات جانباً مهماً من التقييم الأمريكيّ، وأكد أنّ الانفتاح الأمريكيّ على دمشق مشروط، مع إبقاءِ الباب موارباً أمام سياسة اختبار صارمة إزاء الحكومة السورية المؤقتة، كما أنّه بالوقت نفسه أكّد أهميّة الكرد وقوات سوريا الديمقراطيّة باعتبارهما عاملاً مهماً لا ينبغي تجاهله في المعادلةِ الإقليميّةِ ومكافحة الإرهابِ.
الكونغرس الأمريكيّ يقيّم الوضع السوريّ
في الكلمة التي ألقاها رئيس لجنة العلاقات الخارجيّة في مجلس النواب الأمريكيّ، براين ماست الثلاثاء 10/2/2026، في اجتماع الجلسة اعتبر أنّ الاتفاق بين سلطات دمشق وقوات سوريا الديمقراطية خطوةً في الاتجاه الصحيح، لكنه لا يزال غير كافٍ. وأكد ماست أنّ واشنطن غير مرتاحة لما يجري في سوريا، مشيراً إلى أنّ الأوضاع الحالية “ليست قريبة مما يجب أن تكون عليه”. وشدد على أنّ رئيس الحكومة السورية المؤقتة أحمد الشرع لم يحصل على أيّ “شيك على بياض” من الولايات المتحدة.
وفقاً لبراين ماست؛ فالاتفاق جيد من حيث المبدأ، إلا أنّه غير كافٍ في تفاصيل تطبيقه، وبذلك وضع معيارين متلازمين: الأول أنّ سوريا الجديدة لا تكتفي بالشعارات أو تغيير الواجهة وحسب، بل اقتران ذلك عمليّاً بوقف العنف وبناء مؤسسات أمنيّة جديرة بالثقة، وربط ذلك مباشرة بسلوك دمشق تجاه قسد والكرد. وقال: إنهم رأوا حوادث كثيرة من الأمن والعنف ضد الشعوب والأقليات الدينية والإثنيّة، وذكر وجود مسلحين أجانب داخل القوات الأمنيّة، كثير منهم مدعومون من تركيا، وقال: إن “الهجمات التي استهدفت قوات سوريا الديمقراطيّة، حلفاء الولايات المتحدة، غير مقبولة”.
حذّر النائب غريغوري ميكس، العضو البارز في لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب الأمريكيّ، من تصاعد مقلق في أعمال العنف ضد الشعوب بمختلف أديانهم وأعراقهم في سوريا، بما في ذلك الهجمات على دور العبادة، معتبراً أنّ ذلك يهدد أيّ أمل في بناء مستقبل سوريّ جامع بعد الأسد. وأكد ميكس أنّ قوات سوريا الديمقراطية لا تزال شريكاً أساسيّاً للولايات المتحدة في مكافحة الإرهاب، مشدداً على أن الكرد الذين تحلوا بالشجاعة وتحالفوا مع واشنطن لهزيمة “داعش”، يواجهون اليوم موجة جديدة من العنف وعدم اليقين.
الرئيسة السابقة للجنة الأمريكيّة للحريات الدينية الدوليّة نادين ماينزا ركّزت في مداخلتها خلال الجلسة على واقع الشعوب في سوريا. وقالت: “إن قوات سوريا الديمقراطية قدمت نحو ١١ ألف مقاتل في الحرب ضد “داعش”، وأسست نموذج حوكمة يضم الأقليات ويعزز التماسك الاجتماعيّ، كما أنّ نصف قيادات الإدارة الذاتيّة من النساء”.
وأضافت أنّ الرئيس ترامب دعا الحكومة السوريّة المؤقتة إلى وقف الهجوم على الأحياء الكردية في حلب التي يعيش فيها مسيحيون وإيزيديون، إلا أنَّ العمليات العسكريّة استمرت باتجاه الشمال الشرقي. وقالت إنَّ “مقاتلين متأسلمين ضمن القوات الحكوميّة وثّقوا أنفسهم وهم يرتكبون انتهاكات خطيرة، من بينها قطع رؤوس مقاتلين كرد، وإعدام عائلات، ورمي جثة امرأة من مكان مرتفع، إضافة إلى الاغتصاب وقلع الأعين”.
وأشارت إلى أن الولايات المتحدة دعت إلى مراقبة تنفيذ الاتفاق بين قوات سوريا الديمقراطيّة والحكومة السورية المؤقتة، وفرض عقوبات في حال الإخلال به، مؤكدة أن الحفاظ على الحكم المحليّ والأمن المحليّ ضروريّ لحماية الشعوب والأقليات. وذكرت أن العلويين تعرضوا في شهر آذار الماضي لعملياتِ قتلٍ مروّعة قُدّر ضحاياها بنحو ١٥٠٠ مدنيّ، بينهم أطفال ونساء، مرجحة أنّ العدد الحقيقيّ أعلى. وأضافت أنّ الدروز في السويداء تعرضوا في تموز لعنفٍ شديدٍ أدى إلى مقتل أكثر من ١٦٠٠ شخص، مع حالات خطف واغتصاب وتشريد نحو ١٢٠ ألفًا، فيما أُعدم قبل أيام أربعة مدنيين.
وأوصت نادين ماينزا بتصنيف سوريا كـ “دولة مثيرة لقلق خاص” ما لم تحدث تغييرات حقيقيّة، وإنشاء آليات لمراقبة وتنفيذ اتفاق 29 كانون الثاني، وتمرير قانون حماية الكرد، مطالبة دمشق بوقف حصار كوباني والسويداء، وتعديل الدستور المؤقت لضمان المواطنة المتساوية، وطرد المسلحين الأجانب وتصحيح الوضع القانوني للإيزيديين.
المحرجون من مسار النقاشات في الكونغرس الأمريكيّ عملوا على التقليل من شأنها والترويج لتوصيف أنّ النقاش الأمريكيّ لا يتعلق بقانونٍ جديدٍ يتعلق بسوريا، بل هو فقط جلسة استماع روتينيّة في الكونغرس، وليس مقدمة لتحولات أو التزامات محتملة، في تجاهلٍ كاملٍ أنّ الولايات المتحدة دولة مؤسسات والقرار الأمريكيّ لا يحتكره البيت الأبيض ويعبر عنه الرئيس الأمريكيّ بعباراتِ الثناءِ والمديحِ وعقد الصفقات. وأيّاً كانت نتيجة النقاشات؛ فإنّه يعكس طبيعة مزاج أمريكيّ ويدعو لمراقبة سلوك الحكومة المؤقتة وينتقد ضمناً سياسات أنقرة.
أوروبا تؤيد الكرد وتنتقد دمشق
في البرلمان الأوروبيّ، ناقش رؤساء الكتل السياسيّة، خلال جلسة عُقدت الثلاثاء في ستراسبورغ، التطورات الميدانيّة في روج آفا، وسوريا، مع تركيز خاص على ملف حقوق الإنسان وسيادة القانون والانتهاكات التي تحدث. وشهدت الجلسة انتقادات حادة للمواقف الأوروبيّة والدوليّة، الضعيفة تجاه الحكومة المؤقتة في سوريا، والمدعومة من تركيا، والتي تشن الهجمات على مناطق روج آفا، منذ 6/2/2026.
وظهرت عضوة البرلمان الأوروبيّ عن حزب الوسط السويديّ عبير السهلاني بالزي الكرديّ التقليديّ خلال جلسة البرلمان، تكريماً للنساء الكرديات والشعب الكردي الذي “دفع ثمناً باهظاً من أجل حريته”. وقالت في كلمتها إنَّ الكرد يطلبون المساعدة الآن، مشيرة إلى أنّ النساء الكرديات يتعرضن لانتهاكات حتى بعد الموت، ويقوم الإرهابيون بقطع ضفائرهن. وأضافت عندما استجاب الكرد لنداء أوروبا في مواجهة مرتزقة داعش “لم يكونوا يدافعون عن منازلهم فقط، بل عن حريتنا أيضاً، حان الوقت لرد الدين للكرديات”. وطالبت بوقف الهجمات على المناطق الكرديّة فوراً، وفرض وقف إطلاق النار، ورفع الحصار فوراً عن مدينة كوباني، مخاطبة الشعب الكردي: “نحن نراكم ونسمعكم، ولديكم أصدقاء في البرلمان الأوروبيّ أكثر من الجبال”.
وأعرب عضو البرلمان، آدم بيلان، إن “أحمد الشرع لا يُظهر أيَّ ندمٍ على علاقاته السابقة مع القاعدة، وهو فخورٌ بماضيه، وهذا يمثل خطراً كبيراً على شعوب المنطقة، يتمثل في استبدال نوع من الاستبداد بآخر”.
ودعا العضو، يانيس مانياتيس، إلى فرض شروط على الحكومة المؤقتة، وعدم تقديم أية مساعدة للحكومة المؤقتة، ما لم تكن مشروطة بحماية حقوق الكرد والسوريين.
فيما شن البرلماني اليساريّ، مارتن شيرديفان، هجوماً حاداً، على رئيسة المفوضية الأوروبيّة أورسولا فون دير لاين، وقال: “المفوضية منحت سوريا مبلغاً كبيراً من المال، في اليوم ذاته بدأ الشرع حربه ضد الكرد، هذه سياسة متهورة تهدف إلى ترحيل اللاجئين، للشرع أيديولوجية قاتلة، لا يمكن تغييرها”.
وقال المتحدث باسم الخارجية الفرنسية كريستوف لوموان، الثلاثاء، إنّ الاتفاق الأخير بين الحكومة السوريّة المؤقتة وقوات سوريا الديمقراطية يعد أفضل فرصة متاحة للطرفين. وتابع في تصريح لتلفزيون “سوريا”، أنّ باريس تعمل على تقريب وجهات النظر بينهما لإنجاح هذا الاتفاق، وأنّ فرنسا على مسافة قريبة من الطرفين بالقدر نفسه، موضحا أنّه لدى فرنسا مع “قسد” عشر سنوات من المعارك المشتركة ضد “داعش”.
وأضاف: “تطبيق الاتفاق ليس سهلاً وأنَّ فرنسا ستواصل إيصال الرسائل بين الطرفين”، مشدداً على أنّ الاتفاق كان ضروريّاً من أجل استمرار مكافحة “داعش وتأمين السجون”.
بغداد تحتج على تصريح فيدان
قال الرئيس التركيّ أردوغان، الأربعاء 11/2/2026، “نولي أهمية كبيرة لتطبيق الاتفاقات الموقعة في 18 و29 كانون الثاني الماضي انطلاقاً من قاعدة جيش واحد ودولة واحدة”، مؤكداً أنّ “خريطة الطريق لتحقيق سلام دائم في سوريا اتضحت”. وتابع في كلمة له في اجتماع الكتلة البرلمانيّة لحزب الحاكم العدالة والتنمية، أنّه “من الجيد أن نرى اهتماماً كبيراً من الدول العربيّة والإقليميّة في سوريا، ووجود رؤى مشتركة بيننا وبينهم بخصوصه”، وأوضح أن السعودية ومصر والأردن، يشاطرون تركيا الرأي بشأن استقرار سوريا، وسيعملون في هذا الصدد، مؤكداً أن الحكومة السورية المؤقتة ستضمن أكبر قدر من التشارك فيها بصنع القرار.
وقال أيضاً إنّ “تركيا لا تسعى إلى نفوذ إقليميّ، ولا تسعى للاستحواذ في المنطقة ولا تسعى إلى ترسيم الحدود، بل تريد أن تعزّز الأخوة وأن تنشئ التعاون والمستقبل المشترك مع الجميع”. وأشار إلى أنّ تركيا لا تسعى لبسط نفوذها في منطقتها، ولا رغبة لديها في “إعادة هيكلة دول أخرى”.
وتناول وزير الخارجية التركيّ هاكان فيدان الشأن العراقيّ خلال مقابلة على قناة (CNN) التركيّة بتاريخ 9/2/2026. وكشف عن “مخطط يستهدف العراق وإقليم كردستان”، قائلاً: “بعد سوريا يأتي دور العراق”، ودعا الحكومة العراقيّة للاستفادة من تجربة الحكومة السوريّة وفرض سيطرتها على كامل أراضيها للحفاظ على سيادة البلاد.
وعلى خلفية تصريح فيدان استدعت وزارة الخارجيّة العراقيّة، السفير التركيّ في بغداد أنيل بورا إينان، وذكر بيان الوزارة أنّ وكيلها للعلاقات الثنائيّة، السفير محمد حسين بحر العلوم، استقبل السفير التركيّ الثلاثاء 11/2/2026، وأعرب عن استياء بغداد مما تم تداوله في وسائل الإعلام، معتبراً أنّ تلك التصريحات إساءة لطبيعة العلاقات الودية بين العراق وتركيا، وتنطوي على تدخلٍ في شؤون العراق الداخليّة ومخالفة للأعراف الدبلوماسيّة. وأكّد أنّ العراق دولة ذات نظامٍ ديمقراطيّ دستوريّ قائمٍ على المؤسسات، ولا يُقاس بأنظمةٍ سياسيّة أخرى مختلفة في طبيعتها.
وفيما يتعلق بملف شنكال وبقية المناطق العراقيّة، شدد على أنّ هذا الملف شأنٌ وطنيّ خالصٌ تتعامل معه الحكومة العراقيّة وفق أولوياتها وآلياتها الداخليّة، وجدد رفض بلاده لأيّ تدخلٍ خارجيّ أو محاولات لاستثمار هذا الملف سياسيّاً أو عسكريّاً.
فيما زعم السفير التركيّ أن تصريحات وزير الخارجيّة فُهمت بصورة غير دقيقة نتيجة ترجمة غير صحيحة، وأنَّ حديثَ فيدان كان يتعلق بعناصر حزب العمال الكردستانيّ الموجودين في الأراضي العراقيّة، ولا يستهدف الشأن الداخليّ العراقيّ أو المواطنين العراقيّين. وأنّ سياسة أنقرة تجاه بغداد تقوم على احترام سيادة العراق وعدم التدخل في شؤونه.
الواقع يفنّد الموقف التركيّ
المفارقة أنّ حديث أردوغان وفيدان عن “سيادة العراق وسوريا”، يخالف كلّ معطيات الواقع، فقد أنشأت عشرات القواعد والنقاط العسكرية والاستخباريّة داخل إقليم كردستان، وإضافة للانتهاكات المتكرّرة عبر القصف الجويّ والتوغلات العسكريّة داخل العمق العراقيّ. وبدأت تركيا في آب 2016 الاحتلال الفعليّ لمناطق سوريّة اعتباراً من مدينة جرابلس، ثم احتلت مدينة الباب في شباط 2017، واحتلت عفرين في آذار 2018 وفي تشرين الأول 2019 احتلت سري كانيه وكري سبي/ تل أبيض.
وتواصل العدوان على السوريين والتدخل في شؤونهم. إذ يستمر للأسبوع الرابع الحصار على مدينة كوباني والذي يفرضه المرتزقة الموالون لحكومة الاحتلال التركيّ رغم انضوائهم في وزارة الدفاع بالحكومة المؤقتة، في ظل منع دخول الإمدادات والمواد الأساسية إلى المدينة، ما فاقم الأوضاع الإنسانيّة والمعيشيّة وزاد معاناة السكان والمهجّرين. وتسبب وتشهد كوباني التي تستضيف أكثر من 200 ألف مهجّر موزعين على نحو 70 مركز إيواء نقصاً حاداً في الأدوية وحليب الأطفال، وشح كبير في المواد الغذائيّة والاحتياجات الأساسيّة، ما يزيد من معاناة الأهالي.
فيما لم تسفر الاجتماعات بين وفود من إدارة المدينة لكوباني، وممثلي الحكومة المؤقتة، ضمن إطار اتفاقية 29/1/2026 عن توصل إلى اتفاقٍ ينهي الأزمة.
ومن مشاهد الواقع التركيّ الداخليّ شهد البرلمان التركيّ، الأربعاء 11/2/2026، توتراً لافتاً خلال جلسة أداء اليمين الدستورية لوزيري العدل والداخلية الجديدين اللذين عُيّنا بقرار رئاسيّ. وتحوّلت الجلسة إلى مشاداتٍ كلاميّة وعراكاً بالأيدي بين نواب حزبي العدالة والتنمية الحاكم والشعب الجمهوريّ المعارض، بعدما حاول عدد من نواب المعارضة منع وزير العدل الجديد من اعتلاء المنبر لأداء اليمين. وشهدت جلسة أداء اليمين اعتراضاً مباشراً من نواب حزب الشعب الجمهوري، الذين توجهوا إلى منصة رئاسة البرلمان ورفضوا السماح لوزير العدل الجديد، أكن غورليك بأداء القسم.
وشكّل نواب حزب العدالة والتنمية ما “جداراً بشريّاً” حول المنصة، للحيلولة دون وصول نواب المعارضة إليها. وبعد تدافع ومشادات، تمكّن الوزيران من أداء اليمين الدستوريّة ليباشرا مهامهما رسميّاً. وعكست أجواء الجلسة حجم التوتر السياسيّ القائم بين الحزب الحاكم وأكبر أحزاب المعارضة، ولا سيما فيما يتصل بملفات قضائية وسياسية حساسة.
وكان أكن غورليك، قد عُيّن في تشرين الأول 2024 في منصب المدعي العام في إسطنبول، وتولى النظر في قضايا تتعلق بالمؤتمر العام لحزب الشعب الجمهوريّ. وخلال شغله النصب اُعتقل أكثر من 15 رئيس بلدية ينتمون لحزب الشعب الجمهوري بتهم فساد. وأمر بفتح تحقيقات مع مئات من أعضاء الحزب بتهم تلقي رشى وتورط في أعمال إرهابيّة وإهانة الرئيس.
صحيح أنّ المواقف السياسيّة تحكمها تقاطعات المصالح لكنّ تلك المواقف ليست قطعيّة، بل منفتحة على التغيير غير أنّ مسارات التغيير السياسيّ بطيئة غالباً، وأيّاً كانت نتائج الحراك البرلمانيّ الأمريكيّ والأوروبيّ إزاء سوريا، إلا أنّها ضمناً رسالة إلى أنقرة المنخرطة في المفصل السوريّ، والكرة في ملعب مشرعي الغرب في أوروبا والولايات المتحدة.