أحمد عز الدين
لم تعد فضيحة جزيرة إبستين مجرد قضية جنائية أو أخلاقية عابرة في السجال العام الأميركي، بل تحولت تدريجياً إلى ملف سياسي بالغ الحساسية، يلامس بنية السلطة، ويكشف عن اختلالات عميقة داخل النظام السياسي الأكثر نفوذاً في العالم. فالقضية، بما تحمله من تشابكات وغموض وتوقيتات مدروسة، تجاوزت حدود الجريمة الفردية، لتفتح الباب أمام أسئلة تتعلق بطبيعة الحكم، وحدود النفوذ، وصراع مراكز القوة داخل الدولة الأميركية.
ومن هذا المنطلق، تبرز مجموعة من الأسئلة الجوهرية:
ـ هل يمكن أن تشكل هذه الفضيحة بداية مسار أفول للقوة الأميركية؟
ـ هل تساهم في تسريع تراجع هيمنة القطب الواحد؟
ـ لماذا كشفت وزارة العدل الأميركية هذه الملفات في هذا التوقيت تحديداً؟
ـ هل يعكس ذلك صراعاً داخل مؤسسات ما يعرف بالدولة العميقة؟
ـ وهل توجد أطراف خارجية تسعى إلى استثمار هذه القضية سياسياً؟
هذه الأسئلة مشروعة، والإجابة عنها لا تكون من زاوية الجريمة الأخلاقية الفردية فحسب، بل من منظور سياسي واستراتيجي أشمل.
ـ هل تهدد الفضيحة مكانة الولايات المتحدة؟
من غير الواقعي القول أن فضيحة من هذا النوع ستسقط الولايات المتحدة بشكلٍ مباشر أو فوري، كما إنها لن تؤدي وحدها إلى فقدان مكانتها كقوة عظمى عالمية. غير إنها قد تمثل بداية مسار طويل من التآكل الداخلي، وهو ما يستوجب التوقف عنده بجدية.
التاريخ يبين أن القوى العظمى لا تنهار بسبب حادثة واحدة، بل عبر تراكم أزمات تتحول مع الوقت إلى أمراض بنيوية بطيئة، تنخر الثقة العامة، وتضعف الشرعية السياسية، وتفكك صورة الدولة من الداخل، حتى تفقد قدرتها على القيادة. ومن الأمثلة الدالة على ذلك؛ فضيحة قلادة ملكة فرنسا عام 1785، التي لم تسقط حكم لويس السادس عشر مباشرة، لكنها قوضت الثقة الشعبية بالنظام الملكي، ومهدت نفسياً وسياسياً لانفجار الثورة الفرنسية لاحقاً.
وبالقياس على ذلك، يمكن النظر إلى فضيحة إبستين باعتبارها لحظة مفصلية في مسار فقدان الثقة داخل المجتمع الأميركي، وهي ثقة قد يمتد تآكلها لاحقاً إلى الحلفاء والبيئة الدولية، ما يعكس تراجعاً تدريجياً في الهيمنة والقيادة العالمية، وربما أفولاً طويل الأمد للنفوذ الأميركي في النظام الدولي.
لماذا الآن؟ ومن يقف خلف فتح الملف؟
يثير توقيت الكشف عن هذه المعلومات تساؤلات عميقة، لا سيما إنها صدرت عبر مؤسسة رسمية بحجم وزارة العدل. ففي مثل هذه الحالات، يصعب فصل القرار عن صراعات مراكز النفوذ داخل الدولة.
العالم يعيش مرحلة تحولات كبرى على مستوى القرن، ومع كل تحول من هذا النوع، تسعى مراكز القوة داخل الدول الكبرى إلى إعادة ضبط المسار بما يخدم مصالحها الاستراتيجية. وعندما لا تأتي النتائج وفق التوقعات، تلجأ هذه القوى إلى أدوات ضغط متعددة، من بينها القضاء والإعلام والفضائح. في هذا السياق، يمكن قراءة قضية إبستين بوصفها رسالة سياسية موجهة إلى القيادة الأميركية، في ظل جملة من الملفات التي لم تحقق فيها واشنطن نتائج حاسمة، من بينها:
محدودية الضغط الأميركي على أوروبا في ملف روسيا.
تصاعد الدور التركي في التحولات الإقليمية، ولا سيما في سوريا.
تنامي أدوار السعودية وقطر في موازين الصراع.
تعثر السياسة الأميركية في ملفات فلسطين ولبنان وسوريا والعراق.
الهجمات المتكررة على قوات قسد، مقابل صمت رسمي أميركي، قبل أن يتصدر الكونغرس المشهد بمشاريع حماية متأخرة.
وعليه، عندما لا ينسجم التطبيق العملي مع التصورات المرسومة، تتحول الأزمات والفضائح السياسية إلى أدوات لإعادة ضبط الداخل السياسي، وإعادة توجيه السلطة ضمن المسار المطلوب.
سياسياً، تمثل فضيحة جزيرة إبستين أكثر من مجرد قضية جنائية أو أخلاقية، فهي مؤشر على صراع عميق داخل مراكز السلطة في الولايات المتحدة، وصدام بين نماذج مختلفة للنفوذ والسيطرة داخل الدولة.
خطورتها لا تكمن في إنها تنهي الدور الأميركي فوراً، بل في إنها قد تسرّع مساراً قائماً أصلاً، يتمثل في الاستقطاب الداخلي، وتآكل الثقة بالمؤسسات، وتراجع القدرة على فرض نموذج القيادة الأحادية.
العالم بعد أحداث السابع من تشرين الأول لم يعد كما قبله. الشرق الأوسط يشهد إعادة تشكيل عميقة، والتحالفات تتغير، والقوى الكبرى تفقد تدريجياً هامش الهيمنة الذي تمتعت به لعقود.
وفي خضم هذه التحولات، تبرز أمام الشعب الكردي فرصة تاريخية نادرة، تتطلب تجاوز الخلافات الحزبية، وتقديم المشروع الوطني الجامع، واستثمار التحولات الدولية لتحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب السياسية والاستراتيجية في مرحلة شديدة الحساسية.