No Result
View All Result
حمزة حرب
لم يكن السوريون بحاجة إلى تعريف نظري للعدالة، ولا إلى دروس أكاديمية حول معنى الانتقال السياسي إنما ما كانوا ينتظرونه بعد سنوات طويلة من العنف والانقسام كان أبسط من ذلك وأكثر تعقيداً في آن واحد، كانوا ينتظرون أن يُنظر إليهم كأفراد وكسوريين لهم حقوق وعليهم واجبات في دولة قانون ومؤسسات متساوون وفق الدستور لم يكن السوريين بحاجة الى خطابات رنانة وتهييج للعواطف الجياشة بشعارات براقة كانوا يطمحون بعمل دؤوب يغير واقعهم المرير.
“المرحلة الانتقالية” مصطلح بدا واعداً لدى الكثير من السوريين خصوصاً بعد سقوط النظام السابق، وكان هذا المصطلح محملاً بالآمال ومعول عليه بإمكانية الخروج من الماضي دون إنكاره للتعلم منه؛ ما يساهم في بناء مستقبل لا يقوم على الثأر ولا على النسيان القسري وفي تلك اللحظة عاد إلى الواجهة مفهوم قديم ـ جديد وهو بناء الدولة ليبقى السوريون يتساءلون بأي شكل ستبنى الدولة وتحت أي العناوين.
سوريا ومعضلة العدالة
بالنسبة للكثيرين لم تكن العدالة الانتقالية فكرة مجردة كانت أملاً بأن يُسأل من ارتكب الانتهاك عن فعله، لا أن يُعاقَب من عاش تحت سلطة النظام بشكلٍ عشوائي دون أي معيار قانوني أو وازع أخلاقي فكانت الوعود بأن يُفصل بين الجريمة والضرورة، بين القرار والتنفيذ بين من امتلك القوة ومن حاول فقط أن ينجو. لكن؛ ما حدث لاحقًا في التجربة السورية جعل هذا المفهوم يبدو بعيداً بل متناقضاً مع الواقع المتشكّل على الأرض، ففي الأدبيات الدولية، يمكن تعريف العدالة الانتقالية بوصفها مجموعة من الآليات السياسية والقانونية والاجتماعية، التي تعتمدها الدول الخارجة من نزاعات أو أنظمة قمعية، بهدف معالجة إرث الانتهاكات، وضمان عدم تكرارها، وتحقيق المصالحة المجتمعية.
فلا يمكن أن تقوم هذه العدالة على الانتقام بل على الاعتراف ولا تقوم على العقاب الجماعي، بل على المحاسبة الفردية ففي جنوب أفريقيا مثلاً لم يُسأل ملايين السود عن مواقفهم السياسية، بل سئل من مارس القمع عن أفعاله، وفي تشيلي، لم يُقصَ موظفو الدولة لأنهم عملوا في زمن الديكتاتورية، بل حوسب من أصدر الأوامر وارتكب الجرائم وفي رواندا، رغم التعقيد الهائل، جرت محاولات لتمييز الجاني عن المجتمع الذي عاش تحت الرعب لأنه لا يمكن بناء سلام دائم إذا عومل الماضي كجريمة جماعية.
أما في سوريا كان الماضي أثقل من أن يُطوى بسهولة سنوات طويلة من الحرب، تعدد سلطات، انقسامات حادة، وذاكرة مثقلة بالخسارات ومع ذلك بدا الحديث عن العدالة الانتقالية وكانت الأقوال مبشرة والسوريين تنفسوا الصعداء بأن البداية بداية خير والوعود مبشرة في بدايات المرحلة الجديدة، من قبيل تصريحات عن الشمول، عن تجاوز الماضي، عن دولة تتسع للجميع.
لكن على الأرض بدأت تتشكل ممارسة مختلفة، لم تسم رسمياً لكنها كانت واضحة في نتائجها أولها الإقصاء الذي كان ممنهجاً وفي اتجاه واحد اتجاه يعاقب الارتباط السابق والولاء السابق والحالي ولا يقبل في صفوف الدولة الجديدة إلا الولاء المطلق للسلطة وهذا بحد ذاته ما بدا متناقض مع مفهوم العدالة الانتقالية كما يُفترض أن يكون.
ففي المدن التي انتقلت إدارتها إلى السلطة التي اعتلت سدة الحكم بعد سقوط النظام السابق، لم تبدأ العدالة بفتح ملفات الانتهاكات، ولا بالاستماع إلى الضحايا، ولا بتوثيق ما جرى بل بدأت بإجراءات إدارية صامتة فصل موظفين، عدم تجديد عقود، استبعاد كوادر لها من الخبرات الكثير والكثير، تجاهل الكفاءات العليا لحساب الولاءات المطلقة.
فلم تُعلن هذه الإجراءات كعقاب بل قُدّمت على أنها “إعادة هيكلة” أو “تنظيم إداري” أو “تصحيح مسار” كما يتم توصيفها لكن بالنسبة لمن طالتهم، لم يكن الفرق مهماً بالتوصيف إنما النتيجة واحدة وهي إخراج قسري من الحياة العامة بلا تهمة وبلا محاكمة وبلا حق دفاع فهنا يمكننا القول، إن العدالة الانتقالية فقدت معناها الجوهري لأنها بدل أن تميز بين من انتهك ومن حاول أن يعيش، ساوت بين الجميع تحت مظلة الاشتباه في عدم الولاء للسلطة.
البناء الناقص
في تجارب العدالة الانتقالية، تُعد المشاركة الواسعة شرطاً أساسياً للنجاح ليس لأن الجميع أبرياء، بل لأن الجميع متأثرون فالعدالة لا تُفرض من أعلى فقط، بل تُبنى عبر إشراك المجتمع في فهم ما جرى، والاعتراف به، والتوافق على كيفية تجاوزه. بينما في سوريا أُدير الانتقال كعملية فوقية وبيروقراطية تعتمد على تقارير غير شفافة، وتقديرات أمنية ومعايير غير معلنة فلم يُفتح نقاش عام حول معنى العدالة، ولا حول كيفية تحقيقها ولم تُطرح أسئلة صعبة حول المسؤولية، بل جرى الالتفاف عليها بإجراءات إقصائية سريعة.
هذا المسار لم يُرضِ الضحايا الحقيقيين، ولم يحقق تطلعات من انتظروا عدالة حقيقية بل خلق فئة جديدة من المتضررين وهم أولئك الذين لم يكونوا جناة، لكنهم أصبحوا ضحايا مرحلة يُفترض أنها تصحيحية فأقصيت كل المكونات السياسية والمجتمعية السورية وباتت تلاحقهم تهم طائفية او عنصرية.
وما كان واجب النظر اليه من المؤسسات بوصفها أدوات يجب إصلاحها، لا هياكل يجب هدمها بالكامل ويجب أن يُعاد بناء الثقة عبر إصلاح القوانين، وتغيير آليات العمل، وضمان الشفافية لكن ما حصل في مرحلة البناء الناقص داخل سوريا هو بناء المؤسسات وكأنها يعاد بناؤها على أساس الإقصاء، لا الإصلاح.
فبدل تقييم الموظفين بناءً على أدائهم وسلوكهم، جرى استبعادهم بناءً على انتمائهم السابق وبدل الاستفادة من خبراتهم في إعادة الإعمار، جرى التعامل مع هذه الخبرة كعبء سياسي فهذا التناقض لم يكن نظرياً فقط، بل عملياً على الأرض فما حصل من فصل للموظفين في الساحل السوري وفي المناطق التي سيطرت عليها الحكومة المؤقتة هو خير شاهد ودليل على ذلك.
ففي بلد يعاني من نقص حاد في الكفاءات، جرى تهميش آلاف الأشخاص الذين راكموا خبرة في ظروف استثنائية هي خبرة كان يمكن أن تكون ركيزة لأي انتقال ناجح، لكنها تحوّلت إلى سبب للإقصاء وأخر هذه المشاهد حصلت في مناطق دير الزور والرقة بعد أن سيطرت الحكومة المؤقتة وأقصت كل العاملين التابعين للإدارة الذاتية والذين يمتلكون من الخبرة الإدارية لمدة تزيد عن 10 سنوات.
بناء سوريا لا يكون في الإبعاد والإقصاء وإلا فسيبقى بناء ناقص ولا يحقق أدنى معايير العدالة الانتقالية التي هي في جوهرها عملية أخلاقية قبل أن تكون قانونية تقوم على الاعتراف بكرامة الإنسان، حتى حين يُحاسَب تقوم على فكرة أن المجتمع لا يمكن أن يتعافى إذا شعر جزء منه بأنه مُدان سلفاً والجزء الآخر بأن له الحق في التمتع بالسلطة سلفاً على مبدأ من “يحرر يقرر” لأن هذا المبدأ جعل من السوريين ضحايا مجدداً بعد ان استبشروا خيراً من سقوط النظام الإقصائي.
هذا الشعور لم يُترجم إلى احتجاجات واسعة لكنه ترسّخ كإحباط صامت إحباط قد لا يظهر اليوم، لكنه يترك أثره على المدى البعيد فالثقة معدومة والاستعداد للمشاركة لبناء الدولة الجديدة متهالك والإيمان بأي مشروع وطني جامع بدأ يشوبه الكثير من الريبة فحين تُقارن التجربة السورية بمبادئ العدالة الانتقالية كما طُبّقت في دول أخرى، يظهر الخلل بوضوح لأن المسار المختار تجاهل دروساً معروفة حول العالم.
شمال وشرق سوريا ومعركة انتزاع الحقوق
في سوريا اجتمعت العناصر الثلاثة المشؤومة مجدداً، وهي “إقصاء بلا محاسبة واضحة، تعميم بلا تمييز، وغموض بلا تفسير” وكانت إلية تطبيق ذلك قائمة على القوة العسكرية ولا شيء سواها حيث حاولت الحكومة المؤقتة أن تفرض مشروعها على السوريين بالقوة إلا أن هذه القوة اصطدمت بمقاومة كبيرة من السوريين.
ففي الجنوب السوري وتحديداً في السويداء شكل الرفض القاطع لمحاولات الإقصاء والتهميش عامل ضغط على الحكومة المؤقتة التي حاولت فرض إرادتها من خلال البطش العسكري الذي أثقل كاهل السلطة بمزيد من الانتهاكات والتجاوزات لذا شكلت السويداء حالة منفصلة عن الواقع السوري. وفي المدن الواقعة على ضفاف الفرات، وفي الأحياء الشمالية من حلب، لم يكن الانتقال السياسي حدثاً مجرداً بل تجربة مريرة بعدد الأسماء التي اختفت من القوائم، وبالوظائف التي لم تعد موجودة، دون أن يُقال إنها أُلغيت ففي دير الزور والرقة مثلاً كان العاملون “الموظفون” الذين عملوا خلال السنوات السابقة ضمن مؤسسات الإدارة الذاتية ويعتقدون أن خبرتهم ستكون نقطة قوة في أي مرحلة قادمة.
لم يكن هذا الاعتقاد مبنياً على تفاؤل سياسي، بل على منطق بسيط وهو أن من حافظ على الخدمات في أصعب الظروف، قد يكون قادراً على المساهمة في مرحلة إعادة البناء لكن الواقع سار في اتجاه مختلف، ففي الأسابيع الأولى بعد سيطرة الحكومة المؤقتة على مفاصل الإدارة في دير الزور، لم تُعلن سياسة إقصاء، ولم يُستخدم مصطلح التهميش.
بل كان كل شيء جرى بصمت إداري كامل فالقوائم الجديدة للموظفين صدرت دون أسماء معروفة والاستدعاءات شملت أشخاصاً لم يعملوا في المدينة منذ سنوات، وأما من كانوا في قلب العمل اليومي، فقد وجدوا أنفسهم فجأة بلا صفة خارج مرحلة البناء وكأنما ليس لهم الحق اصلاً في المشاركة ببناء سوريا الجديدة.
وفي حيي الأشرفية والشيخ مقصود بحلب تكررت القصة نفسها فموظفون في قطاعات حيوية وجدوا أنفسهم فجأة خارج المنظومة وبعضهم حاول الاستفسار، لكن الإجابات كانت دبلوماسية إلى حد الغموض هي تحت عناوين موضوعة سلفاً “إعادة هيكلة” أو “ضرورات المرحلة” أو “اعتبارات عامة” فلم يُشرح ما هي هذه الاعتبارات ولم تُحدّد معايير واضحة للقبول أو الرفض.
بينما في شمال وشرق سوريا وبعد التنصل من الاتفاقيات التي أبرمت في العاشر من آذار والأول من نيسان ورغم خسارة المنطقة مناطق واسعة في دير الزور والرقة والشيخ مقصود نتاج سياسات ممنهجة من الحكومة المؤقتة وداعميها الإقليميين، لكن شكلت حرب الشعب الثورية في الحسكة وقامشلو داعماً أساسياً في انتزاع الحقوق التي لم تكن الحكومة أن تعطيها دون مقاومة شعبية كبيرة.
هذ الواقع السوري المعاش اليوم ليس قصة إدارة ولا قصة عاملين فقدوا وظائفهم إنها قصة انتقال سياسي من سلطة مؤقتة اختارت أن تبدأ من نقطة نفي، لا من نقطة فهم الواقع السوري هي قصة بلد يحاول أن يعيد بناء مؤسساته، لكنه لم يحسم بعد علاقته بماضيه القريب وبولاءاته المقيتة.
فما حدث في شمال شرق سوريا من مقاومة للحفاظ على المكتسبات هو ليس بمنطق من ربح أو خسر، بل بمنطق ضرورة الشراكة وضرورة المشاركة لتكون سوريا الجديدة سوريا التعددية سوريا التي يساهم الجميع في بنائها دون إنكار أو إلغاء دون إقصاء أو تهميش لكن يبقى الأهم من ذلك كله هو الدستور والقانون الذي سينشأ، وما إذا كان سيحمي السوريين ويضمن لهم حقوقهم أم لا وهذا ما يبقى رهن الأيام القادمة، ويبقى رهن إرادة السوريين ورفضهم للواقع الإقصائي الذي تحاول أطراف عدة إعادة إنتاجه بأشكال مختلفة وشعارات مغايرة.
No Result
View All Result