عدنان الدوسري
في ذلك الصباح الخريفي، حين كانت السماء ترتدي وشاحًا رماديًا والشوارع مبللة بندى الفجر، اتخذت قراري الأخير في صمتٍ مُطبق. كان قرارًا لا يُكتب في سجل، بل يُحفر في الروح: “سأمحو تاريخ ميلادي من ذاكرتي”. لم أعد أرغب في أن أكون مجرد رقم يتأرجح على حافة تقويم بالٍ، أو كومة سنوات تتكدس بلا جدوى. من الآن فصاعدًا، سأقيس عمري بنبضات السعادة التي هزت قلبي، لا بعدّاد الزمن الذي لم يرحمني. وهكذا، أصبحت فصول السنة هي ميزان حياتي الحقيقي.
الربيع، كنت أحسبه بعدد المرات التي قبضت فيها على تراب الوطن بكفيّ، كمن يجدد عهدًا قديمًا لا يصدأ. كان كل ربيع يمر بي وأنا أستشعر دفء الأرض تحت أصابعي، فأشعر أنني أولد من جديد.
أما الصيف، فكان احتراقًا طويلًا على حدودٍ بعيدة، في أراضٍ لا تشبه ملامحي ولا تفهم لغتي. كنت أحسبه بعدد ليالي الغربة الحارقة التي قضيتها هناك، حيث الشمس غريبة والقمر لا يحمل وجه الطمأنينة ذاته.
وجاء الخريف ليذكرني بالفقد. كنت أعدّه بعدد الأشجار التي تعرّت أمامي، وتساقطت أوراقها كأنها أرواح راحلة. كانت تشبه رفاق الطريق الذين غابوا، أولئك الذين سبقت أصواتهم ظلالهم إلى العدم، تاركين خلفهم فراغًا لا يملؤه شيء.
وكان الشتاء هو الفصل الأقسى. شتاءٌ تجمّدت فيه دموعي خلف الجفون، حتى نسيت كيف يكون البكاء. كنت أكتفي بحمل صمتٍ ثقيل كصخرة جاثمة على صدري، وبردٍ يتسلل إلى العظام. لم أحمل وطني في جيب معطفٍ أنيق أو بين صفحات وثيقة سفر رسمية. حملته على ظهري كجرحٍ مفتوح لا يندمل، كحقيبةٍ مُثقلة بالذكريات والأسى. كان يضغط على كتفيّ في كل خطوة، ويوقظني في جوف الليالي الطويلة التي يتمدد فيها الصمت حتى يضيق به صدري. في تلك اللحظات، كنت أهذي لنفسي: وطني على ظهري، وأنتِ في داخلي وطن… ويا لشقاء من يحمل وطنين!
كنتِ أنتِ ذلك الوطن الآخر. كانت صورتك واضحة المعالم، بل كنتِ شعورًا، فكرةً دافئة كحضنٍ خفيّ في أعماقي، تنقذني في كل مرة أوشكت فيها على السقوط. كنتِ احتمالًا جميلًا يؤجل انهياري. وحين يسألني غريبٌ عن أصلي، كنت أجيبه بثقةٍ غامضة: أنا آدم كل العصور، ولولاها ما كان لي هذا الحضور. لم يفهم أحد أن (هي) لم تكن حواء الأسطورة، بل أنتِ، تلك المرأة الغائبة الحاضرة التي تمنحني سببًا لأقاتل وأحلم. لكن في عتمة كل ليلة، كان سؤال واحد يطحن روحي بلا رحمة: كيف أبحث عن امرأةٍ بداخلها وطن، وكيف لي بوطنٍ بلا امرأة؟ وذات يوم، منذ سنواتٍ مضت، كان الخريف يلف المدينة بمعطفه البارد. كنت أجلس على مقعد خشبي في محطة قطارات أجنبية، تحيط بي وجوهٌ عابرة وصدى خطواتٍ مسرعة لا تلتفت لأحد. كان الجميع يركض نحو وجهة ما، إلا أنا والغياب، جلسنا معًا نراقب المشهد. وهناك، رأيتها. كانت تجلس في الجهة المقابلة، تحمل في عينيها نفس النظرة الحزينة التي أعرفها جيدًا؛ نظرة من يحفظ الطريق عن ظهر قلب لكنه لا يملك خريطة. كانت أصابعها تداعب هاتفًا قديمًا برقة، كما لو أنها تلمس جرحًا مألوفًا لا تريد إيقاظه. نهضت من مكاني، وتحركت نحوها بخطا كأنها كانت مُقدّرة سلفًا. لم أفكر في أن أسألها عن اسمها أو وجهتها. خرج السؤال من فمي تلقائيًا، كأنه كان ينتظرها منذ زمن طويل:
ـ أي فصلٍ تحملين في عينيكِ الآن؟
رفعت رأسها ببطء، وارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة كأنها شعاع شمسٍ خجول اخترق غيوم المساء. نظرت في عينيّ بعمق، وفهمت السؤال الذي لم يجرؤ أحد على طرحه عليها من قبل. ثم قالت بهدوءٍ يشبه السلام الذي يأتي بعد عاصفة:
ـ أحمل ربيعًا أتمنى أن يزهر في أرضي، وخريفًا تتساقط فيه كل الأغلال عن ظهري.
في تلك اللحظة، أدركت كل شيء. الوطن لم يكن مجرد جغرافيا، ولم يكن امرأة بعينها. كان ذلك اللقاء العابر الذي يجعل الغربة محتملة، ويمنح للروح معنى. أدركت أن الوطن قد يكون أحيانًا مجرد نظرة في عيني غريب، تذكرك بأنك لست وحدك من يحمل وطنًا على ظهره، ووطنًا آخر في داخله ينتظر أن يكتمل.