No Result
View All Result
حمزة حرب
على مرِّ التاريخ لم تكن العلاقة بين الكرد في سوريا والسلطة في دمشق علاقة مستقرة أو واضحة المعالم، بل تشكلت عبر تاريخ طويل من الالتباس والإنكار والإقصاء بحقهم بل وصل الحد إلى التجريد من الهوية والصهر وطمس الثقافة فمنذ نشوء الدولة السورية الحديثة، ظل الكرد حاضرين في الجغرافيا، وفي الاقتصاد، وفي المجتمع، لكنهم ظلوا غائبين عن السياسة بوصفهم أصيلاً وأساسياً في البلاد وبقيت قضيتهم قضية معلقة أو هامشية كما أرادتها الأنظمة الإقصائية.
فعقود طويلة عاشها الكرد في سوريا ضمن معادلة المواطنة الناقصة أو المواطنة المسلوبة فلم يظهروا في الدساتير بوصفهم قومية، ولم يتم الاعتراف بلغتهم أو ثقافتهم بنصوص قانونية، وبقيت مناطقهم خارج أولويات التنمية السياسية والاقتصادية ورغم ذلك تركوا يصارعون ويلات الإرهاب الذي تعرضت له مدنهم وقراهم في سنوات الأزمة بعد أن ترك النظام السوري السابق المنطقة تلاقي مصيرها بل وأكثر من ذلك بقي العرب المتعايشون مع الكرد في منطقة واحدة يعاملون بحالة من التهميش الممنهج؛ فلعقود سُميت مناطق شمال وشرق سوريا مناطق نائية محرومة من كل معايير العيش الكريم والتمتع بخيرات أرضهم.
تاريخ مرير
لم تكن المسألة الكردية مسألة وطنية يجب حلها طيلة التاريخ الذي تأسست فيه الجمهورية السورية بل كان يُنظر لقضيتهم على إنها هامشية أو جانبية محاولين إقصائها وتغييبها وعدم طرحها للحل ضمن إطار وطني جامع، بل أُديرت غالباً كملفٍ أمني مؤجل، قابل للضبط والقمع لا للحل وهو ما راكم الشعور العميق بالاغتراب السياسي عن الدولة. فالأنظمة نفذت بحقهم الكثير من المؤامرات ومشاريع الإقصاء على رأسها الإحصاء الاستثنائي في محافظة الحسكة عام 1962 حيث شكل لحظة مفصلية في تكريس هذا الخلل البنيوي فآلاف الكرد وُضعوا فجأةً خارج إطار المواطنة، في إجراء لم يكن إدارياً بقدر ما كان سياسياً، ففي البيت الواحد أخوين أحدهما مواطن والآخر محروم من المواطنة، حيث ترك أثره العميق في الوعي الجمعي الكردي.
ومع ذلك، بقي الحراك الكردي محاصراً ومحدود التأثير، تتحكم به قيود أمنية وانقسامات حزبية وتغيب عنه القدرة على فرض نفسه كقضية وطنية جامعة تلاها انتفاضة قامشلو عام 2004 لتكشف هشاشة هذا التوازن حيث كانت تلك المواجهة أول انفجار واسع للاحتقان الكردي، وأظهرت أن المسألة لم تعد قابلة للإدارة الأمنية وحدها. غير أن الرد الرسمي اكتفى بالاحتواء وعادت العلاقة إلى شكلها السابق وكأن ما حدث مجرد حادث عابر لكن ما لم يُحلّ آنذاك ظلَّ كامناً ينتظر لحظة انفجار أوسع ومع اندلاع الاحتجاجات السوريّة عام 2011، دخلت البلاد مرحلة جديدة، انهارت فيها الكثير من المسلمات السياسية، حيث تركت المنطقة تصارع قدرها وتقارع الإرهاب الذي تمدد على حساب تراجع النظام المستبد الحاكم حينها الذي انسحب من كل المناطق ذات الغالبية الكردية، هذا الانسحاب ترك المنطقة أمام فراغ ممنهج أمنياً وسياسياً وعسكرياً، خصوصاً إن معظم المناطق هي مناطق متعددة الشعوب، ومعرّضة للفوضى والانهيار، لكن الذي حدث صدم العالم برمته.
فالقوى الكردية نظمت نفسها بسرعة فائقة ولم يكن ذلك نتيجة مشروع انفصالي كما يتم التهجم عليه من قبل أنظمة تريد ضرب المشروع الذي أثبت نجاحه لسنواتٍ طويلة بل كان استجابة ملحة لحماية المجتمع ومنع الانزلاق إلى الفوضى والحرب الأهلية فسرعان ما حررت المناطق تلو المناطق وبدأت تتشكل إدارات محلية، وتطورت بجهود الشعوب المتعايشة لحين وصلت إلى نموذج إدارة ذاتية يحكم الشعب نفسه بنفسه ويدير شؤونه ويقف صفاً واحداً في وجه المخاطر والتحديات وكان العمود الفقري لحماية المنطقة هم الكرد الذين كانوا روّاد هذا المشروع ونواته.
حاول الكرد في السنوات الأولى من الصراع السوري التمسك بسياسة الحياد النسبي فتم خلق الخط السياسي الثالث فلا هو الانخراط الكامل في المواجهة المفتوحة ضد النظام ولا ضد والمعارضة المسلحة كان الهدف حماية أبناء المنطقة من كرد وعرب وسريان وشركس وغيرهم من الشعوب السورية وتركز الهدف على محاربة مرتزقة داعش الإرهابي لحين دحره في الباغوز لكن بعد سقوط النظام السوري تحولت مناطق الكرد إلى خط تماس مباشر مع مشروع إلغائي لا يعترف بأي هوية أو خصوصية وكأنما هناك أطراف تحاول إعادة عجلة الزمن إلى الوراء مجدداً.
صراع الوجود والثبات
مع هزيمة داعش عسكرياً وسقوط النظام في دمشق دخلت العلاقات السياسية مرحلة جديدة خصوصاً بعد كم المؤامرات التي حيكت ضد الشعب الكردي في شمال وشرق سوريا والسؤال الأبرز هو كيف يمكن تحويل الانتصارات العسكرية إلى مكسبٍ سياسي دائم؟ هنا بدأ التحول التدريجي من منطق الصدام العسكري إلى منطق النضال السياسي.
أدرك الكرد إن القوة الميدانية وحدها لا تكفي وأن أي إدارة بلا اعتراف دستوري ستبقى هشة معرضة للضغط والمؤامرات ومحاولات التفكيك والإفشال في المقابل أدركت دمشق التي حاولت أن تبسط هيمنتها بالقوة أنه لا يمكن استعادة المناطق التي يتوجد فيها الكرد بالقوة خصوصاً بعد الضغط الشعبي الكبير حول العالم بضرورة وقف الاعتداءات على الكرد.
بدأ الحديث عن اتفاقات أو تفاهمات بين الطرفين يظهر إلى العلن لكنها لم تكن اتفاقيات شاملة ولم تُطبق على الأرض مع الحكومة المؤقتة نتيجة للمماطلة ونتيجة للتدخلات الخارجية خصوصاً مع تغيّر موازين القوى الدولية على الساحة السورية فكان الطرفان قسد والحكومة المؤقتة يقتربان عند حدود الضرورة، ثم يتباعدان عند عتبة السياسة.
جوهر الخلاف ظل يتمحور حول شكل الدولة السورية المقبلة؛ الكرد يطرحون اللامركزية بوصفها ضمانة للشراكة والحقوق فيما تبحث دمشق عن المركزية المقيتة التي تسببت بكل الأزمات السابقة فهذا التناقض لم يُحل، لكنه بات مطروحاً بوضوح، ولم يعد ممكناً تجاهله أو تأجيله.
فرغم وصول الطرفين الى تفاهم 18 من كانون الثاني عام 2026م وفي قلب هذا النقاش برز الدستور كساحة الصراع الحقيقية فلا زال معطل في البلاد وباعتبار أن الدستور ليس وثيقة تقنية، بل عقد اجتماعي غاب عنه الكرد طويلًا يعتبر اليوم هو الضمانة الوحيدة لعدم العودة إلى سياسات الإنكار، ولتحويل ما تحقق على الأرض إلى حقوق ثابتة لكن مسار صياغة الدستور حتى الآن لم ينجح في طمأنتهم، سواء من حيث التمثيل أو من حيث مضمون النقاشات.
الأمر ذاته ينطبق على البرلمان أو مجلس الشعب فالمؤسسة التشريعية السورية، بصيغتها الحالية، لا تعكس التعدد الحقيقي للمجتمع، ولا تمثل مناطق كاملة بقيت خارج سيطرة الدولة لسنوات. لذا؛ فإن أي اتفاق حقيقي بين الكرد ودمشق لا يمكن أن يتجاوز سؤال التمثيل السياسي، وإعادة بناء الحياة الحزبية، وفتح المجال أمام مشاركة فعلية لا شكلية. فاليوم يقف الطرفان أمام مفصل تاريخي حقيقي فالصدام العسكري الذي تم إيقافه بموجب اتفاقيات ثنائية شكّل واقع هادئ نسبياً ومنه سيفتح المجال أمام ساحة نضال أخرى وهي النضال السياسي الذي ما زال محفوفاً بالشكوك والمخاطر ويتطلب تنازلات متبادلة لم تنضج بعد على الساحة السورية، فما يجري ليس مجرد خلاف بين طرفين بل اختبار لفكرة الدولة السورية نفسها وفق أسئلة لا تزال عالقة هل تستطيع هذه الدولة أن تعيد بناء نفسها على أساس الشراكة والتعدد؟ للإجابة على هذا السؤال يؤكد سياسيون إنها بانتظار خطوات فعلية على الأرض وبحاجة لعملية طويلة ومعقدة من بناء الثقة اللازمة لذلك.
بالنسبة للكرد، لم يعد السؤال كيف يحمون وجودهم لأنهم يتمتعون بقوة عسكرية وشعبية إنما السؤال الأبرز هو كيف يضمنون هذا الوجود سياسياً وقانونية وبالنسبة لدمشق لم يعد السؤال كيف تستعيد السيطرة بل كيف تحكم بلداً لم يعد يقبل بالعودة إلى الصيغة القديمة التي حكم بها النظام البائد.
السياسة بوابة الحل الدائم
الاتفاق مع الحكومة المؤقتة الذي وقع بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة المؤقتة في الثلاثين من كانون الثاني المنصرم والذي دخل حيز التنفيذ؛ إن طبق بكامل بنوده؛ لن يكون لحظة احتفال بل مساراً طويلاً من إعادة بناء الثقة، وإعادة تعريف مفهوم المواطنة وهو ليس انتصاراً لطرف على آخر، بل محاولة متأخرة لإنقاذ سوريا من التآكل وفي هذا السياق يتحول النضال الكردي من نضال على الأرض إلى نضال على النص، ومن معركة حدود إلى معركة معنى “معنى الدولة، ومعنى الشراكة، ومعنى أن تكون سوريا وطناً يتسع لكل أبنائه”. هذا المفصل التاريخي لم يُحسم بعد لكنه للمرة الأولى مطروح بوضوح وما ستؤول إليه العلاقة بين الكرد ودمشق لن يحدد مستقبل الكرد وحدهم، بل سيحدد شكل سوريا القادمة إن كانت دولة مركزية خائفة من تنوعها، أم دولة تعترف بتعددها بوصفه مصدر قوة لا تهديد.
وعلى الصعيد العسكري لم تعد العلاقة بين قوات سوريا الديمقراطية ودمشق مجرد ملف أمني مؤجل ولا يمكن اختزالها في تفاهمات ظرفية تعقد تحت ضغط التهديدات أو تبدّل الموازين الإقليمية فما كان ممكناً في السنوات الأولى من الأزمة السورية، لم يعد قابلاً للتكرار اليوم، فالتجربة الطويلة بما حملته من وعود غير مكتوبة وتفاهمات غير معلنة وانسحابات سياسية متكررة جعلت سؤال الدستور يتقدم على كل ما عداه بوصفه الضمانة الوحيدة لأي اتفاق قابل للحياة.
فتاريخ العلاقة بين الدولة السورية وشعوبها المجتمعية المختلفة، بما فيها الكرد، لعب دوراً حاسماً في هذا التحول، فالوعود التي قُدمت في مراحل مختلفة، سواء قبل 2011 أو بعدها، غالباً ما انتهت إلى التنصل أو التأجيل أو إعادة التأويل وهذا الإرث الثقيل جعل قوات سوريا الديمقراطية “قسد”، ومعها شريحة واسعة من أهالي شمال وشرق سوريا، تنظر بعين الريبة إلى أي تفاهم لا يُترجم مباشرة في الدستور. لذا؛ بات أي اتفاق بما فيه الاتفاق الذي توصل اليه الطرفان مؤخراً إن طُبق فهو بوابة حقيقية لساحة نضالٍ أوسع وأكبر لكن هذه المرة سيكون النضال نضال سياسي على امتداد الجغرافية السياسية وداخل مفاصل الدولة والبرلمان ومنصوص عليه في الدستور للحصول على الحقوق وتثبيتها؛ لأن التجارب التي خاضتها شعوب المنطقة ولّدت قناعة متزايدة بأن المشكلة لا تكمن في غياب الحوار، بل في غياب الإطار الملزم لهذا الحوار فالتفاهمات السياسية غير الدستورية، مهما بدت مرنة تظل خاضعة لموازين القوة وقابلة للانقلاب عليها متى تغيّرت الظروف أما الدستور فهو وحده القادر على تحويل التفاهم من منحة سياسية إلى حق قانوني.
لذا فالمرحلة اليوم باتت تتطلب نضال مختلف عن سابقاته وهو التركيز على الحل الدستوري، والاعتراف بالحقوق، وضمان الأحقية فهذا التحول لم يكن نتيجة رغبة أيديولوجية فقط، بل ثمرة تجربة عملية أثبتت أن الإدارة بلا دستور تبقى معلّقة، وأن أي إنجاز على الأرض أو تعيين أو منصب يمكن أن يُسحب بقرار سياسي بينما الدستور هو الضامن الفعلي.
وفي هذا السياق بات الدستور خطًا أحمر في أي نقاش جدي فبالنسبة لقسد لم يعد مقبولاً تكرار سيناريوهات سابقة، حيث تقدم وعود عامة عن الشراكة أو عن الاندماج دون تحديد واضح للصلاحيات، أو ضمان للحقوق الثقافية والسياسية، أو اعتراف بطبيعة الإدارة المحلية فالتجربة أثبتت أن الغموض يخدم الطرف الأقوى والذي تختاره الأنظمة الخارجية لا الشراكة بينما الدستور هو الضامن الحقيقي لمستقبل البلاد.
فاليوم وبعد كل ما شهدته سوريا لم يعد ممكناً بناء الثقة على الذاكرة القصيرة فالتجربة السورية كانت قاسية بما يكفي لتعلم أن السياسة التي لا تقنن ولا تُجزأ وأن الاتفاق الذي لا يكون في إطار الدستور الجامع سيُفرَغ من مضمونه. لهذا؛ فإن أي مسار جدي بين قسد ودمشق، إن أُريد له أن يكون مفصلاً تاريخياً حقيقياً لا محطة عابرة، لا بد أن يبدأ من الدستور أو لن يكون ضامناً حقيقياً، فمعركة تثبيت الحقوق دستورياً بدأت للتو وبناء سوريا الجامعة بات أمراً يتطلب تضافر جهود الجميع.
No Result
View All Result