No Result
View All Result
دجوار أحمد آغا
شكّلت عملية السلام والمجتمع الديمقراطي في تركيا أهم المحاولات السياسية لمعالجة القضية الكردية عبر الوسائل السلمية والديمقراطية، بعد عقود من الصراع من خلال هجمات الدولة التركية على حزب العمال الكردستاني، ورد قوات الكريلا في إطار الدفاع المشروع، لم تكن هذه العملية مجرد مفاوضات أمنية، بل عبارة عن مرحلة جديدة من خلال مشروع سياسي، اجتماعي أوسع، يهدف إلى إعادة بناء العلاقة بين الدولة والشعب الكردي من خلال بناء المجتمع الديمقراطي على أساس المواطنة المتساوية، والاعتراف بالتعددية القومية والثقافية.
مفهوم عملية السلام والمجتمع الديمقراطي
برزت عملية السلام في باكور كردستان وتركيا، بشكل واضح بين عامي 2013 و2015، حيث ارتبطت بفكرة المجتمع الديمقراطي التي طرحها القائد والمفكر عبد الله أوجلان. تقوم هذه الفكرة على تجاوز نموذج الدولة القومية الصلبة، والانتقال نحو نموذج ديمقراطي تعددي يعترف بحقوق الشعوب والهويات المختلفة ضمن إطار سياسي واحد. لم تكن عملية السلام محصورة بوقف إطلاق النار أو نزع السلاح، بل هدفت إلى:
ـ حل القضية الكردية بشكل سياسي ودستوري.
ـ توسيع الحريات العامة وحقوق الإنسان من خلال نشر الديمقراطية.
ـ تعزيز الإدارة المحلية والديمقراطية القاعدية.
ـ إنهاء منطق الحل الأمني والعسكري.
وبهذا المعنى، كانت عملية السلام مشروعاً؛ لإعادة تأسيس الدولة والمجتمع، لا مجرد تسوية مؤقتة. 
السياق التاريخي لانطلاق عملية السلام
جاءت عملية السلام بعد سنوات طويلة من الصراع المسلح الذي بدأ في ثمانينات القرن الماضي، وأسفر عن عشرات الآلاف من الضحايا والشهداء، وخسائر اقتصادية واجتماعية جسيمة. ومع بداية الألفية الجديدة، وتحديداً في ظل مساعي تركيا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، ظهرت حاجة سياسية لتخفيف التوتر الداخلي وتحسين صورة البلاد في مجال حقوق الإنسان.
لعب القائد والمفكر عبد الله أوجلان، رغم وجوده في السجن، دوراً محورياً في إطلاق العملية، برسائله وبمبادراته التي دعت إلى وقف إطلاق النار، واعتماد الحل السياسي. كما ساهمت القوى السياسية الكردية، ومن بينها حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM)، في دعم هذا المسار والعمل على ترسيخه داخل البرلمان والمجتمع.
العوائق المعترضة
رغم الآمال الكبيرة التي رافقت العملية، إلا أن العديد من العوائق اعترضت درب العملية ورافقتها؛ منها:
ـ استمرار سياسة الإبادة والتعذيب على القائد عبد الله أوجلان بالرغم من أنه الطرف الأول والأساسي لهذه العملية وهو الذي بادر بإطلاقها.
ـ غياب الإرادة السياسية المستدامة: أظهرت التجربة، أن الحكومة التركية تعاملت مع عملية السلام كتكتيك سياسي مرحلي، أكثر من كونها خياراً استراتيجياً طويل الأمد. ومع تغيّر الحسابات الانتخابية وتصاعد النزعة القومية، تراجع الالتزام الرسمي للحل السلمي.
ـ صعود النزعة القومية والأمنية:
بعد عام 2015، شهدت تركيا تصاعداً حاداً في الخطاب القومي والأمني، فجرى تصوير المطالب الكردية على أنها تهديد لوحدة الدولة، ما أعاد تفعيل المقاربة العسكرية بدل الحوار.
ـ التطورات الإقليمية: لعبت الحرب والأزمة في سوريا، وصعود الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، دوراً كبيراً في مماطلة تركيا في إقدامها على الخطوات الفعلية التي رأت في أي مكسب كردي إقليمي خطراً استراتيجياً داخلياً يُهدد أمنها القومي. 
ما الآثار المترتبة على عدم إتمام العملية..؟
إن لم تتم عملية السلام؛ فستترك آثاراً عميقة على الداخل التركي، يمكن تلخيصها في مستويات عدة:
ـ تراجع الديمقراطية:
توقف عملية السلام والمجتمع الدمقراطي يؤدي إلى تضييق غير مسبوق على الحريات السياسية، وخصوصاً، استهداف الأحزاب الكردية، ورؤساء البلديات المنتخبين، والصحفيين، ما يؤدي الى ضعف الحياة الديمقراطية في البلاد.
ـ عودة العنف:
بالتأكيد يتصاعد العنف في ظل غياب المسار السياسي، وسيعود الصراع المسلح إلى الواجهة، خاصة في المناطق الكردية، الأمر الذي سوف يتسبب في دمار ونزوح داخلي، وتوتر اجتماعي طويل الأمد.
ـ تعميق الانقسام المجتمعي:
فشل عملية السلام يؤدي إلى تعميق الهوة وزيادة الشرخ بين الكرد والأتراك، وخاصة القوميون. بدلاً من بناء مجتمع ديمقراطي تعددي، يعيش فيه الجميع وينعم الجميع بالحقوق والواجبات ضمن دستور ديمقراطي يضمن حقوق الكرد السياسية والثقافية.
التداعيات الإقليمية
لن يقتصر تأثير فشل عملية السلام والمجتمع الديمقراطي على باكور كردستان وتركيا وحدهما، بل سوف يمتد إلى عموم الشرق الأوسط. فمن جهة يزيد تعقيدات المسألة الكردية في باشور كردستان (العراق) وروج آفا (سوريا). كما أنها سوف تدفع باتجاه تعزيز المنطق للحل العسكري في التعامل مع قضايا التنوع القومي والطائفي. إلى جانب إضعاف فرص الاستقرار في الشرق الأوسط والدفع باتجاه مواجهات عرقية بين القوميات وخاصة الكرد، والعرب، والأتراك، والفرس؛ وبالتالي يزيد من الصراع داخل تركيا ما ينعكس سلباً على علاقاتها مع دول الجوار (إيران، العراق، سوريا) وبالتالي يزيد تعقيدات المشهد السياسي والعسكري.
موقف حزب المساواة وديمقراطية الشعوب
بالنسبة لحزب المساواة وديمقراطية الشعوب DEM فموقفه واضح من العملية، وهو منخرط فيها بشكل مباشر باللجنة البرلمانية التي تشكّلت وكذلك من خلال الوفود التي تذهب في الآونة الأخيرة إلى إمرالي، وتلتقي بالقائد عبد الله أوجلان. على هذا الأساس فهو يبني موقفه الواضح والذي ينطلق من ضرورة إنهاء سياسة الإبادة والتعذيب وتحقيق الحرية الجسدية للقائد أوجلان لكي يقود عملية السلام بنفسه دون شروط مسبقة. وبالتالي اعتماد الحل الديمقراطي والدستوري للقضية الكردية، ببناء دولة ديمقراطية تقوم على المساواة بين جميع شعوبها، وإن السلام ليس مطلباً كردياً فقط، بل أضحى ضرورة تركية وإقليمية، تخدم استقرار البلاد ومستقبلها. 
موقف القائد عبد الله أوجلان
القائد والمفكر عبد الله أوجلان الأب الروحي لمشروع المجتمع الديمقراطي، فهو الذي طرحه وأكّد على ضرورة التمسك به مهما حصل. ذكر القائد في سياق هذا المشروع عدة نقاط في غاية الأهمية منها:
ـ الحل العسكري لا يمكن أن ينهي الصراع.
ـ السلام يتطلب شجاعة سياسية واعترافاً متبادلاً.
ـ المجتمع الديمقراطي الضمان الحقيقي لوحدة تركيا.
ورغم استمرار حجز حريته الجسدية، لكنه مستمر في دعم مشروع السلام والمجتمع الديمقراطي حتى النهاية وهو العامل الرئيسي الذي أبقى هذه العملية قائمة إلى الآن، رغم سيرها البطيء.
خاتمة لا بد منها
عملية السلام والمجتمع الديمقراطي خطوة نحو حل جميع القضايا العالقة في باكور كردستان وتركيا والشرق الأوسط، ويتطلب شجاعة سياسية واعترافاً متبادلاً، وخطوات فعلية من الدولة التركية، وأي تعثر في إتمام عملية السلام والمجتمع الديمقراطي في باكور كردستان وتركيا؛ لن يكون حدثاً عابراً، بل سيكون منعطفاً تاريخياً حاداً، ويلقي بظلاله على المنطقة ويترك آثاراً سياسية واجتماعية عميقة فيها. فشل هذه العملية لن يحقق الأمن أو الاستقرار، بل سيعيد إنتاج الصراع بأشكال أكثر حدة وأشد تعقيداً. وفي ظل الأزمات الداخلية والإقليمية المتصاعدة، يبدو الاستمرار في عملية السلام والمجتمع الديمقراطي والانخراط فيها بشكل فعلي خاصة من جانب الدولة التركية، أفضل خيار لبناء مستقبل ديمقراطي مستقر في تركيا وعموم المنطقة.
No Result
View All Result