No Result
View All Result
رفيق إبراهيم
قبل أيام قليلة احتفلت كوباني بالذكرى الحادية عشرة لتحريرها، من براثن إرهاب داعش، فكانت قلعة للصمود، باعتراف العالم أجمع، التي دكت معاقل الإرهاب والظلام، كوباني الأيقونة التي جسدت إرادة شعبها ومقاتليها، والتي أسقطت وهم الخلافة، وسجلت اسمها بحروف من ذهب في سفر التاريخ الحديث، والنصر الذي تحقق في كوباني، ليس مجرد عملية عسكرية، أو مسألة تحرير مدينة، إنما مسألة حماية الأرض والإنسان والهوية، ليس للكرد فقط، بل لجميع الشعوب المطالبة بالحرية والديمقراطية، من أجل معركة البقاء والوجود. 
اليوم، تجد كوباني نفسها من جديد، أمام ذات الأدوات والمخططات، وكأن الوقت قد عاد بنا إلى العام 2014، حيث تتم الهجمات والحصار عليها من جميع الجوانب، من قبل المجموعات المرتزقة ذاتها من داعش والمجموعات المرتزقة التابعة للحكومة السورية المؤقتة، وتركيا، حيث أن التاريخ يعود بنا إلى الوراء أحد عشر عاماً، في سابقة خطيرة، لما تحملها المدينة من رمزية للمقاومة الأسطورية التي حدثت، عند تحريرها من الإرهاب.
الهجوم الأول عام 2014، على كوباني، جاء تحت مسوغ “إقامة دولة الخلافة المزعومة”، واليوم، الهجمات على كوباني، اختاروا لها اسم “بسط سلطات الدولة على الأراضي السورية”، ولكن الهدف الأساسي الذي لا يختلف عليه اثنان، هو كسر إرادة أهالي كوباني ورمزيتها العالمية، حيث تحطّمَتْ على أسوارها أسطورة داعش والإرهاب، ومن هناك بدأت هزيمة مشروع التطرف والظلام، بفضل وحدات حماية الشعب، ووحدات حماية المرأة، الكردية، ومن ثم الدعم الكردستاني والعالمي.
كوباني، رغم أنها مدينة كردستانية صغيرة، لكنها تمثل رمزاً للثقافة والهوية الكردية، وتعتبر جزءاً هاماً من سهل سروج، بباكور كردستان، قبل رسم الحدود بين سوريا وتركيا، وتاريخياً كانت كوباني كانت ملجأً للفارين من الظلم والجور التركي، وخاصة إبان المجازر العثمانية التي ارتكبت بحق السريان والأرمن في تركيا، وفي تلك الأعوام من بداية القرن العشرين، أوت المدينة وقراها، الآلاف من الأرمن الذين فرّوا من مجازر العثمانية البائدة، ما جعلها رمزاً للتآخي الإنساني، وملاذاً للمضطهدين، عبر عقود من الزمن.
أما إن تحدثنا عن الملحمة البطولية في مواجهة مرتزقة داعش، فلا يمكننا في مقالة أو كتاب أو رواية، سرد الحقائق التي حدثت، والبطولات التي سطرت، والملاحم التي أسقطت الإرهاب وداعميه، فكوباني وحدت الكرد، في كردستان وكل بقاع الأرض، ووصفها الكثير من الباحثين والمفكرين والمثقفين والسياسيين، بستالينغراد الكرد، حيث أثبتت أنَّ الإرادة الكرديّة، لا يمكن أن تكسر، وأن الشعوب الحرة قادرة على الولادة مهما أرادوا النيل منها. 
اليوم، هناك سؤال في بال الكثيرين، لماذا يتم استهداف كوباني من جديد؟ أن إصرار المجموعات المرتزقة للحكومة المؤقتة، المرتهنة للدولة التركية، في احتلال كوباني، يحمل في طيّاته أهدافاً تتجاوز السّيطرة العسكريّة على المدينة، ومن هذه الأهداف كسر الرمزيّة المعنويّة التي تمثلها كوباني لشعوب المنطقة والعالم، وأيضاً إفشال مشروع الإدارة الذاتية، والسعي لفرض حصار على مناطق روج آفا الأخرى، ومحاولة قطع التواصل بين غرب الفرات وشرقه، وأيضا، محاولة استكمال مخطّطات التغيير الدّيموغرافي، وضرب النّسيج الاجتماعي الأصيل.
الهجمات والحصار على كوباني، هذه المرة تتم بشرعية دولية، وإقليمية. لكن؛ الأدوات هي الأدوات نفسها التي استخدمت في هجوم العام 2014، المهاجمون اليوم، هم ذاتهم جبهة النصرة وداعش، ومرتزقة الحمزات والعمشات، والكثير من المجموعات المرتزقة الأخرى، ولكن تحت اسم ما يسمى بالجيش السوري، لشرعنة الهجمات ومن ثم السيطرة عليها، تحت مسمى العودة لحضن الوطن.
كم يشبه اليوم، الأمس، ففي العام 2014، قاومت كوباني وتوحد الكرد بدعم مقاومتها، اليوم، يعاد السيناريو نفسه، كوباني بأهلها وبمقاتليها يقاومون، بمعنويات عالية، ودعم ومساندة كردستانية منقطعة النظير، حيث أن الكرد وأصدقاءهم لا ينامون الليل، في أجزاء كردستان، وجميع دول العالم، من أجل دعم مقاومة روج آفا، وكوباني، وفك الحصار المفروض عنها، وليكن في علم من يحاصرون كوباني، بأن من صمم على المقاومة والدفاع عن أرضهم، لا يمكنهم الخنوع وقبول المذلة، وترك أرضهم، وتأكدوا أن كوباني لن تسقط، وستنتصر كما انتصرت في المرة الأولى، والأيام القادمة ستثبت أن الشعوب الحرة والمطالبة بحقوقها ستناضل بكل السبل، ومهما كانت التحديات، بحقوقها وهي ليست منة من أحد، وكما قال الشاعر:
“إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر”.
No Result
View All Result