No Result
View All Result
حمزة حرب
بعد أكثر من عقد على اندلاع الصراع وما يزيد عن عام على سقوط النظام السوري؛ لم تعد المعاناة في سوريا استثناءً بل أصبحت المعادلة القائمة هي تحت عنوان بلد أنهكته الحرب، واستنزفته الأزمات، وأثقل كاهله الفقر، وبينما تطلع السوريين لواقع أفضل مع سقوط النظام ها هم اليوم يقفون أمام مرحلة يفترض بها أن تكون جسراً نحو الاستقرار، لكنها في الواقع تحولت إلى مرحلة إضافية من الانتظار والعجز.
سوريا ورغم الوعود العديدة بأن تسير نحو إعادة الإعمار إلا إن هذه الوعود لا تزال غير صالحة الا للاستهلاك الإعلامي فقط والخطب الرسمية فلا تزال الطرقات محفرة، وشبكات الصرف الصحي مدمرة في أحياء كاملة، والإنارة العامة غائبة مشاريع الصيانة شبه متوقفة، أو تُنفذ بشكلٍ جزئي لا يعالج المشكلة من جذورها وفي كثير من الأحيان، يتحول أي عطل بسيط إلى أزمة طويلة الأمد رغم رفع العقوبات والمساعدات الإقليمية والدولية المقدمة لهذه الحكومة لكن لا زالت تفتقد للكفاءة والخبرة.
واقع مرير
في معظم المدن السورية لا تتجاوز ساعات التغذية الكهربائية ساعة أو ساعتين في اليوم، وغالباً في أوقات غير متوقعة، ما يجعل تشغيل الأجهزة المنزلية ضرباً من التخمين وبأثمانٍ باهظة، أما المياه، فقصتها أكثر تعقيداً في بعض المناطق، تأتي مرة كل أسبوع أو عشرة أيام، ما يدفع السكان إلى تخزينها في خزانات بدائية، غالباً غير صحية وفي مناطق أخرى، يعتمد الناس على صهاريج خاصة بأسعارٍ تفوق قدرة ذوي الدخل المحدود.
ناهيك عن أن الدخول إلى مستشفى حكومي في سوريا اليوم يشبه الدخول إلى مساحة نجاة مؤقتة، لا إلى مؤسسة علاجية متكاملة فستواجه حتماً نقص في الأدوية، غياب أجهزة طبية حديثة، اكتظاظ شديد، وكادر طبي مرهق يعمل في ظروفٍ قاسية، مرضى السرطان، غسيل الكلى، وأصحاب الأمراض المزمنة، هم الأكثر تضرراً فكثير منهم يعتمد على مبادرات فردية أو مساعدات خارجية لتأمين العلاج.
فخلال السنوات الماضية، غادر آلاف الأطباء والممرضين البلاد بحثاً عن الأمان والدخل اللائق ما شكّل نزيف بشري لم تُهيئ الظروف لإعادته مما ترك فراغاً كبيراً في القطاع الصحي حيث لا يمكن تعويضه بسرعة فالحكومة المؤقتة أعلنت أكثر من مرة عن خطط لدعم القطاع الصحي، لكن هذه الخطط بقيت حبراً على ورق، دون تطبيق فعلي يشعر به المواطن.
قطاع التدريس في مناطق كثيرة، لم يكن بأفضل حال من القطاعات الأخرى فلا تزال المدارس مدمرة أو غير صالحة للاستخدام والصفوف مكتظة، والمقاعد مكسورة، والكتب المدرسية تصل متأخرة، إن وصلت أصلًا بينما الأطفال الذين عاشوا الحرب منذ ولادتهم، يجدون أنفسهم اليوم أمام نظام تعليمي عاجز عن احتوائهم تعليمياً وأكاديمياً.
فسنوات الحرب والأزمة إلى جانب الفقر دفعت آلاف الأطفال إلى ترك مقاعد الدراسة والعمل في الشوارع، الورش، أو الأسواق وهذه الظاهرة لا تهدد حاضر الأطفال فقط، بل مستقبل المجتمع بأكمله بينما الحكومة المؤقتة أطلقت حملات إعلامية للحد من التسرب المدرسي، لكنها لم تعالج السبب الجذري ألا وهو العجز الاقتصادي للأسرة السوريّة.
فالسواد الأعظم من الموظفين الحكوميين يُنظر إليهم كأصحاب دخل محدود، حيث أصبحوا اليوم من أكثر الفئات تضرراً فالراتب الشهري لا يغطي سوى جزء بسيط من الاحتياجات الأساسية بينما أسعار المواد الغذائية ترتفع باستمرار، دون رقابة فعالة، فيما تبقى الأجور ثابتة أو ترتفع بشكلٍ رمزي لا يواكب التضخم.
ناهيك عن مشاكل أخرى على غرار الهجرة، البطالة، أو العمل في مهن شاقة بأجور متدنية فالمشاريع الصغيرة تعاني من نقص التمويل، وانقطاع الكهرباء، وغياب الاستقرار التشريعي فمنذ تشكيل الحكومة المؤقتة، امتلأت البيانات الرسمية بالكلمات الكبيرة والفضفاضة من قُبيل إصلاح، تعافٍ، إعادة بناء، مرحلة جديدة لكن على أرض الواقع، لم يلمس المواطن تغيراً جوهرياً في حياته اليومية بل ازداد سوءاً في معظم الأحيان.
الكهرباء معضلة متفاقمة
منذ الإعلان عن تشكيل الحكومة المؤقتة، علقت آمال واسعة لدى شريحة كبيرة من السكان في مناطق سيطرتها، آمال ارتبطت بوعود الاستقرار، وتحسين الأوضاع المعيشية، وإعادة تنظيم مؤسسات الدولة، ووضع حداً لحالة الفوضى الإدارية والخدمية التي أنهكت الناس لسنوات. غير أن هذه الوعود سرعان ما اصطدمت بواقعٍ مختلف، واقع تتصدّره حالة من التخبّط في الأداء الحكومي، وتراجع واضح في مستوى الخدمات، وازدياد الضغوط المعيشية على المواطنين، ما جعل مفهوم “المرحلة الانتقالية” نفسه موضع تساؤل.
وغم كل ما سبق لا يزال المجتمع السوري يُظهر قدرةً لافتةً على الصمود مثل مبادرات أهلية، جمعيات محلية، ومتطوعون يحاولون سد الفراغ الذي تركته الدولة، ففي الأحياء الفقيرة، يتقاسم الأهالي الخبز، ويتعاونون لتأمين التدفئة، ويقيمون حملات دعم تعليمية وصحية بجهود ذاتية. لكن؛ ورغم أن هذا التضامن الاجتماعي هو ما يبقي البلاد واقفة على قدميها، ولو بصعوبة إنما يبين العجز الحكومي الواضح الذي قطع مئات بل آلاف التعهدات بتغيير الواقع المرير إنما لم يغير أي شيء سوى التفاقم في المعاناة، حيث رفعت وزارة الطاقة التابعة للحكومة المؤقتة أسعار الكهرباء إلى أضعاف مضاعفة تفوق قدرة المواطن على سدادها.
وفي معظم الأحيان يدفع المواطن ما يفوق دخله الشهري لسداد فواتير الكهرباء فقط فعوضاً عن تخفيف الأعباء المعيشية والحياتية عن المدنيين سارعت الحكومة المؤقتة إلى اتخاذ خطوات وإقرار قرارات تفوق قدرة المواطن السوري على السداد وهو ما شكّل حالةً من الغليان الشعبي الذي ضرب المجتمع السوري. حيث بات سعر الكهرباء في سوريا اليوم هو الأغلى في العالم، ففي بعض المناطق الموثقة وصلت الفاتورة إلى قيمة 150 دولار، وسعر برميل المازوت 150 دولار والموظف راتبه لا يصل إلى 100 دولار كمتوسط دخل ناهيك عن إن نسبة 80 بالمئة من المواطنين غير موظفين. وهو ما شكّل عامل ضغط على الحكومة التي سارعت لإعادة النظر في أسعار الكهرباء وتجميد قراراتها السابقة برفع السعر ومضاعفته. لكن؛ هذا الواقع إذا ما نم عن شيء فهو ينم عن عدم خبرة وعدم وجود استشاريين ومفكرين، ليجدوا حلولاً لتخفيف أسعار الكهرباء وهذا الأمر ينسحب على قطاعات أخرى حيوية بالنسبة للسوريين.
هذا الملف يحاول تقديم سرد معمّق للواقع المعاش في سوريا من تخبطٍ إداري في مناطق سيطرة الحكومة المؤقتة، حيث باتت حالات الغليان الشعبي تطفو على السطح وبدت واضحة بعد أن تحولت إلى مشاهدات ميدانية، وشهادات مواطنين، وتحليل لأداء المؤسسات، دون الاكتفاء بالأرقام أو البيانات الرسمية، بل بالاقتراب من حياة الناس اليومية، حيث تتجلى الأزمة في تفاصيل الخبز والكهرباء والدواء والعمل.
بينما الحكومة عاجزة عن تقديم حلول بينما أعظم إنجاز لها وأهم قراراتها التي صدرت مؤخراً هو منع المكياج للنساء الموظفات في اللاذقية وهو الآخر ما شكّل موجة غضب لتعود السلطات في دمشق وتوضح وتحاول امتصاص الغضب الشعبي التي لم يعد بإمكانها السيطرة عليه فالمدني اليوم يبحث عن ماء وخبز وكهرباء بينما الحكومة تلاحق حريات النساء وتقمعها.
حكومة هشة وآمال ضئيلة
أحد أبرز الإشكاليات التي تواجه الحكومة المؤقتة يتمثل في غياب رؤية استراتيجية واضحة المعالم فبدلاً من برنامج مرحلي محدد الأهداف والأولويات، تبدو القرارات متفرقة، وردود الأفعال آنية، وكأن الحكومة تعمل تحت ضغط الأزمات بدل أن تديرها.
لا توجد حتى الآن خطة اقتصادية متكاملة تعالج التضخم، أو سياسات اجتماعية واضحة تحمي الفئات الأشد ضعفاً، ولا خارطة طريق إصلاحية للمؤسسات الإدارية فهذا الفراغ في الرؤية عكس ارتباكاً في الأداء، وتناقضاً في القرارات، وفقداناً للثقة بين الحكومة والمواطنين. حيث شهدت الفترة الماضية تعديلات متكررة في مواقع المسؤولية، سواءً على مستوى الوزارات أو الإدارات المحلية ورغم أن هذه التغييرات قُدّمت إعلامياً كخطواتٍ إصلاحية، إلا أنها في الواقع لم تُترجم إلى تحسين ملموس في الأداء أو الخدمات لأن الحكومة تنظر إلى الولاء قبل الكفاءة وتمارس سياسة ممنهجة من الإقصاء لكل الخبرات والكفاءات السورية. فكل مسؤول جديد يأتي بخطابٍ مختلف، لكن الأدوات نفسها، لتبقى النتيجة واحدة وهو ما كان نتاجاً حتمياً لواقع اقتصادي هش بعد أن بات العنوان الأبرز لمعاناة السكان فالرواتب، إن وُجدت، لا تغطي سوى جزء بسيط من الاحتياجات الأساسية، في ظل ارتفاع مستمر في أسعار المواد الغذائية والمحروقات والإيجارات.
فهذا التآكل المستمر في القدرة الشرائية حوّل الحياة اليومية إلى صراعٍ للبقاء، حيث باتت الأولويات تقتصر على تأمين الطعام، بينما تراجعت احتياجات أخرى كالتعليم، والصحة، وحتى التدفئة ناهيك عن نسب البطالة المرتفعة، خاصةً بين الشباب فالمشاريع الاستثمارية شبه معدومة، والقطاع الخاص ضعيف، والمبادرات الحكومية لدعم التشغيل لا تتجاوز الإطار النظري.
فكثير من الخريجين الجامعيين يعملون في مهنٍ لا تمت لتخصصاتهم بصلة، أو يعتمدون على أعمال يومية غير مستقرة، فيما يختار آخرون الهجرة أو التفكير بها كحلٍ أخير وكل ذلك يقف وراءه سبب وحيد ألا وهو الذهنية التي تسود في أوساط الحكومة المؤقتة والتي لا تقبل الآخر ولا تريد أن تُشرك أحداً في حكم البلاد.
علاوةً على انتشار المحسوبيات والفساد الصغير، مثل الرشاوى لتسيير المعاملات، أو تفضيل فئات على حساب أخرى في توزيع الخدمات وفي ظل غياب آليات رقابة فعالة، تبقى الشكاوى حبيسة الأدراج وكأنما لا تغيير حدث ما بين قبل وبعد سقوط النظام السابق فلا زال الواقع ذاته مع تغيير الأسماء والأشخاص بينما المواطن لا زال يدفع الفاتورة. فالمرحلة الانتقالية بطبيعتها مرحلة اختبار لكن ما تعيشه مناطق سيطرة الحكومة المؤقتة اليوم يتجاوز صعوبة المرحلة إلى أزمة ثقة حقيقية فالمواطن لم يعد يطالب بالمثالي، بل بالحد الأدنى من العيش الكريم، وبحكومة تسمع صوته، وتضع معاناته في صُلب أولوياتها. لكن؛ على أرض الواقع بقيت هذه الحكومة ومنذ تشكيلها، كحلِّ أمرٍ واقع لإدارة البلاد في مرحلة حساسة. لكن؛ هذا “المؤقت” لم يخطو خطوات إيجابية على صعيد حياة المواطن ولم يتحول إلى مسار واضح المعالم وكل ما هو واضح اليوم ضعف السيطرة الإدارية في أجزاء واسعة من البلاد إلى جانب تضارب الصلاحيات بين المؤسسات وهشاشة فاقعة في صناعة القرار.
No Result
View All Result