No Result
View All Result
حمزة حرب
سوريا اليوم ليست بلدًا يبحث عن حل، بل ملفاً مفتوحاً على طاولات المجتمع الدولي والدول الاقليمية، تُقلب صفحاته حين تتقاطع المصالح، ويُهمل حين تنشغل العواصم بأولويات أخرى وبين هذا وذاك يعيش السوريون داخل زمن معلّق، لا هو ماض يطوى، ولا مستقبل يُكتب في ظل حكاية مأساوية اعتاد السوريون على سرد فصولها باستمرار.
فرغم تراجع المعارك الواسعة، إلا أن الحرب في سوريا لم تنتهِ فعلياً هي فقط غيّرت شكلها فالبنادق خفّت أصواتها في بعض المناطق، لكن آثارها بقيت في كل شيء الاقتصاد، المجتمع، السياسة، وحتى اللغة اليومية للناس ففي وقت كان من المفترض ان تحل الملفات العالقة بالحوار بين السوريين خصوصاً بعد اسقاط النظام انقلبت الموازين الدولية ومعها تغيرت المعطيات على الأرض وهذا ما شهده إقليم شمال وشرق سوريا.
سوريا.. كعكة تتقاسمها القوى الدولية
باتت سوريا كعكة تتقاسمها المصالح الدولية والإقليمية وتتبدل فيها التحالفات العسكرية والسياسية وهو ما بدا جلياً بعد أن تخلى التحالف الدولي عن حلفائه في قوات سوريا الديمقراطية لصالح من ادعى أنه شريكٌ جديد متمثل بحكومة مؤقتة تم إيصالها لحكم البلاد بتوافقات إقليمية ودولية.
فتوم براك المبعوث الأمريكي لسوريا والسفير الأمريكي في تركيا هو عراب هذه الصفقات الجديدة على الساحة السورية والتي دفع ضريبتها الشعب الذي قدم التضحيات الجسام خلال الحرب الضروس التي خاضها دفاعاً عن العالم أجمع في وجه تنظيم داعش الإرهابي الذي عاود للانتعاش مؤخراً مستفيداً من التقاطعات الدولية والإقليمية على الساحة السورية.
ناهيك عن تقاسم النفوذ ففي الشمال بات الجانب التركي المتحكم الفعلي للمنطقة وفي الجنوب الإسرائيلي يسيطر وبشكلٍ رسمي وبتوافق مع الحكومة المؤقتة بعد اجتماعات باريس بينما كان المقابل شمال وشرق سوريا هذه البقعة الجغرافية، التي كانت السد المنيع في مواجهة إرهاب مرتزقة داعش طيلة سنوات طويلة.
على الورق، لا يزال الحل السياسي شعاراً يرفع بينما على الأرض الواقع العسكري والميداني يفرض نفسه ليبقى الشعب السوري خارج قوس أمام هذه المصالح، التي تحاك وترسم مكائدها خلف الستار فملايين اللاجئين، ملايين النازحين والمهجرين، اقتصاد منهك، وبنية اجتماعية متآكلة جيل كامل نشأ في ظل الحرب، لا يعرف من الدولة سوى صورتها الأمنية، ولا من السياسة سوى خيباتها.
فاليوم باتت سوريا أمام سيناريوهات متعددة أبرزها استمرار الوضع الراهن، مع تعديلات طفيفة هنا وهناك لا حرب شاملة، ولا سلام حقيقي دولة موجودة لكنها منقوصة السيادة وسلطة قائمة، لكنها عاجزة عن إعادة إنتاج نفسها بشكل مستقر وشعوب سورية تشكل حالة نفور مع تكشف حقيقة هذه السلطة
أما السيناريو الآخر فهو تسوية جزئية تقوم على تفاهمات إقليمية لا تُنهي الصراع لكنها تنظّمه تسوية لا ترضي أحد بالكامل، لكنها تمنع الانفجار بينما السيناريو الثالث، هو تغيير جذري في المعادلات الدولية، يفتح الباب أمام حل مختلف لكن التاريخ القريب لا يمنح الكثير من الأمل بهذا الاتجاه.
سوريا ومستقبل التوافق
في كل مرة يُطرح فيها سؤال الحل في سوريا، تعود العبارة نفسها إلى الواجهة بأن الحل لن يكون عسكرياً، ولا حل دون توافق لكن نادراً ما يُقال بوضوح، هو أن أي حل توافقي حقيقي لا يمكن أن يولد تحت الإملاءات الخارجية، ولا يمكن أن يُفرض من عواصم بعيدة مهما امتلكت من نفوذ فالتجربة السورية بكل ما فيها من مآسٍ وتعقيدات، أثبتت أن الحلول المفروضة لا تُنهي الصراعات، بل تُعيد إنتاجها بأشكال جديدة.
فطوال سنوات الصراع تعاملت قوى إقليمية ودولية مع سوريا بوصفها ملفاً لا بلد فيه شعب وله إرادة إنما ملفاً قابلاً للتفاوض للمقايضة وللاستخدام في صراعات أكبر وكل طرف دخل حاملاً “حلّه الخاص”، وكل حل كان يعكس مصالحه أكثر مما يعكس حاجات السوريين.
النتيجة كانت واضحة طيلة السنوات المنصرمة، مسارات سياسية متعدّدة لا تلتقي، مبادرات تموت قبل أن ترى النور، اتفاقات جزئية تنهار عند أول اختبار لأن معظمها بني على ميزان القوى الخارجي، لا على التوافق الداخلي وان صدر صوت داخلي ينادي بضرورة الحل السوري – السوري كان لا يلقى آذاناً صاغية ولا يعتبر حلاً مناسباً يتناغم مع الرؤية الدولية الباحثة عن مشاريع تفوق إرادة السوريين أنفسهم.
فالحل التوافقي لا يعني تسوية مثالية، ولا انتصار طرف على آخر، ولا مسح سنوات الصراع بقرار سياسي بل يعني قبل كل شيء الاعتراف المتبادل بالواقع وبأن سوريا لا يمكن أن تُحكم بعد اليوم بعقلية الإقصاء، ولا أن تُدار بمنطق الغلبة فالحل التوافقي يعني الاعتراف بتعدّد المجتمع السوري سياسياً وقومياً ودينياً الى جانب الاتفاق على شكل دولة تستوعب هذا التعدد بدل أن تخشاه من خلال إعادة تعريف العلاقة بين السلطة والمجتمع بما يضمن وحدة البلاد دون سحق الخصوصيات المحلية.
وهذا كله لا يمكن أن يتحقق تحت الضغط الخارجي، لأن الإملاء يولّد رفضاً، والرفض يولّد صراعاً جديداً فالتاريخ القريب في سوريا يقدّم إجابة واضحة كلما حاول طرف خارجي فرض مسار سياسي أو أمني، اصطدم بواقع داخلي معقّد لا يمكن اختزاله في معادلات بسيطة.
فالإملاءات الخارجية تفشل لأنها تتجاهل البنية الاجتماعية والسياسية المحلية وتفترض أن القوة قادرة على خلق شرعية للدولة كما يحدث الأن في ملفات عديدة في الجنوب، وفي الساحل وفي شمال وشرق سوريا فكل ما نتج من اتفاقات بلا حاضنة شعبية لن تجدي نفعاً لأنها ليست الا عبارة عن تحوّل الحل من حلٍ داخلي إلى امتداد للصراع الدولي ولهذا، لم تنجح أي مبادرة لان السوريون أصلاً لم يكونوا طرفاً حقيقياً في صياغتها إنما كان الطرف الذي ينفذ هذه الإملاءات.
لكن ومع هذا التصعيد الكبير يبقى الطريق الوحيد ورغم صعوبته، هو السعي لإنتاج استقرار طويل الأمد فالدولة التي تُبنى بالتوافق تكون أقدر على الصمود والدستور، الذي يولد من حوار حقيقي يكون أمتن من أي نص مفروض من الخارج أو من السلطة على المجتمع أو مبني على مصالح فئوية أو عرقية.
عقد اجتماعي.. طوق نجاة
جوهر الحل في سوريا ليس في تغيير وجوه فقط، ولا في إعادة رسم خرائط السيطرة، بل في بناء عقد اجتماعي جديد. عقد يعترف بأن ما قبل 2011 لن يعود، وأن ما بعد الحرب لا يمكن أن يُدار بعقلية ما قبلها هذا العقد يجب أن يقوم على عدة ركائز أبرزها دولة قانون لا دولة أمن ومواطنة، لا ولاءات ضيقة ولا مركزية مرنة تضفي واقع العدالة الانتقالية الواقعية على المشهد، لا انتقامية ولا إنكارية.
فالحل في سوريا، إن كُتب له أن يرى النور، لن يأتي هدية من الخارج، ولا صفقة بين القوى الكبرى بل سيولد ببطء، وبكلفة سياسية عالية، ومن حوار شاق بين السوريين أنفسهم وقد يكون حلًا غير مثالي، ومؤلماً لبعض الأطراف، لكنه سيكون حلاً قابلاً للحياة، لأنه يستند إلى التوافق لا الإملاء، وإلى الداخل لا الخارج.
أما الاستمرار في انتظار حل مفروض، فلن يعني سوى إطالة زمن التعليق، وإبقاء سوريا رهينة خرائط الآخرين، في وقت لم يعد السوريون يملكون ترف الانتظار بل يبحثون عما ينهي معاناتهم وإن يؤمن حقوقهم ويوصلهم إلى بر الأمان بعيداً عن أي إملاءات خارجية وعن مصالح إقليمية. فالتوافق الداخلي الطريق الأصعب والأكثر واقعية لأن الطريق نحو حل سوري ـ سوري ليس سهلاً، بل هو الطريق الأصعب لأنه يتطلب تنازلات متبادلة وشجاعة سياسية واعترافاً بالأخطاء واستعداداً لتقاسم السلطة لا احتكارها كما هو مفروض على السوريين اليوم.
ناهيك على أن السوريين بمختلف انتماءاتهم وتوجهاتهم يجب عليهم رفض الإملاءات الخارجية التي لا تعني بالضرورة إقصاء المجتمع الدولي بالكامل بل يعني إعادة تعريف دوره فالخارج يمكن أن يكون ضامناَ لا مقرراً يجب أن يكون مسهّلاً لا وصياً وأن يكون داعماً للتوافق لا بديلاً عنه.
فحين يتحول الدور الخارجي من فرض الحلول إلى حماية المسار التوافقي يصبح عامل استقرار لا عامل تعطيل، وهو ما قد ينهي حالة الانتهاكات التي يعاني منها معظم الشعب السوري أو المكونات التي لا ترى في نفسها ممثلاً حقيقياً لإرادتها ولرسم معالم مستقبلها في هذا البلد.
فلا يمكن فصل مستقبل الحل في سوريا عن آليات الحل بين قسد والحكومة الانتقالية، ولا عن واقع الانتهاكات بحق الكرد والشعوب الأخرى فالتفاوض الذي يجري بينما تستهدف القرى وتُقصف المدن ويهجّر السكان، هو تفاوض مختل أخلاقياً وسياسياً فهذه الانتهاكات، سواء جاءت نتيجة عمليات عدوانية، أو عبر مجموعات مرتزقة أو في سياق صراعات النفوذ، تُنتج ثلاث نتائج خطيرة أولها تقويض الثقة بأي مسار سياسي الى جانب تعزيز النزعة الدفاعية والهويات المغلقة كما تم إضعاف التيارات الكردية المنفتحة على التوافق السوري – السوري والشعور بالحاجة الماسة لتوافق كردي – كردي بعيداً عن أي اتصال مع سوريا في ظل حكومة تضطهد وجودهم.
هذا التوتر بين الخوف من التفكك والخوف من الإلغاء هو ما يجعل التوافق بطيئاً وهشاً وقابلًا للانهيار فلا يمكن تجاهل أن مستقبل هذا التوافق لا يُصاغ في الداخل السوري فقط فالعوامل الإقليمية، وعلى رأسها التركي، تلعب دوراً مباشراً في تعقيد المشهد.
لأن تركيا ترى في أي صيغة تمنح الكرد دوراً سياسياً أو إدارياً هو تهديد مباشر لها أو على اقل تقدير هكذا تروج للمجتمع الدولي. لذلك؛ فإن أي تقارب بين قسد والحكومة المؤقتة يُقابل غالبًا بالتصعيد، أو بالضغط أو بمحاولات إفشال غير مباشرة ومباشرة لأي صيغة توافقية.
فكلما ارتفع منسوب العنف تراجعت فرص الحل واتسعت مساحة الشك وهو ما ينهي أي آمال لإعادة التوافق بين الدولة والهوية وهنا يكمن جوهر الخلاف بين قسد والحكومة المؤقتة حيث أن الخلاف لا يقتصر على تقاسم السلطة أو إدارة الموارد بل يمتد إلى سؤال الهوية.
أسئلة لا تزال دون إجابة من الحكومة المؤقتة.. هل الكرد مكوّن ثقافي فقط؟ أم شريك سياسي كامل؟ وهل تُدار مناطق تواجدهم بخصوصيتها، أم تُعاد إلى مركزية صارمة باسم الدولة؟ كل هذه الأسئلة تحتاج الى مسار طويل يبدد المخاوف ويعزز الثقة ويضمن الحقوق وفق الدستور الجامع لا بمراسم يمكن الغاءها في أي لحظة.
No Result
View All Result