No Result
View All Result
محمد عيسى
لم تدخل الحكومة السوريّة المؤقتة إلى دير الزور كسلطةٍ عسكريةٍ صِرفة، بل عبر بوابةٍ مختلفة هذه المرّة: بوابة العشائر، ففي كانون الثاني الجاري، جرى تسويق دخول الحكومة السورية المؤقتة على أنه “تحريرٌ عشائري” و”استعادة للسيادة” بغطاء اجتماعي محلي، وبتفاهمات وُصفت آنذاك بأنها تاريخية بين الحكومة المؤقتة ووجهاء قبائل المنطقة. غير أنّ الأيام الأولى من السيطرة كشفت سريعاً أن هذا الغطاء لم يكن سوى أداة مرحلية، سرعان ما بدأت تتآكل مع أول اختبار فعلي لإدارة الأمن، والموارد، والنفوذ.
دير الزور، المنطقة التي دفعت أثماناً باهظة منذ عام 2011، لم تكن بحاجة إلى سلطة جديدة بقدر ما كانت بحاجة إلى نظام حكم محلي يحترم توازناتها العشائرية والاجتماعية، ويعيد بناء الثقة المنهكة بين السكان وأي جهة حاكمة. لكن؛ ما حدث على الأرض سار في الاتجاه المعاكس: قرارات أمنية فوقية، إعادة توزيع للقوة المسلحة خارج السياق المحلي، وتهميش واضح لصوت العشائر التي استُخدمت في البداية كجسر عبور سياسي وعسكري.
اتفاق الضرورة لا الشراكة
عند دخول قوات الحكومة السورية المؤقتة إلى دير الزور، جرى بناء المشهد إعلامياً على أساس أن العملية جاءت استجابةً “لإرادة أبناء المنطقة”، وبمباركة شيوخ ووجهاء عشائر وُصفت بأنها تمثل الثقل الاجتماعي الأكبر في المنطقة، كالعكيدات والبكارة والبوسرايا والجبور. عُقدت حينها اجتماعات موسّعة في الريف والمدينة، صدرت عنها بيانات تأييد، وروّجت السلطة الجديدة لفكرة “الشراكة العشائرية” في إدارة المرحلة الانتقالية، بوصفها نموذجاً مغايراً لما عرفته دير الزور خلال سنوات الصراع.
غير أن الوقائع الميدانية، وفق مصادر عشائرية ومحلية متطابقة، كشفت سريعاً أن تلك التفاهمات لم تتجاوز كونها ترتيبات أمنية مؤقتة هدفها تأمين الدخول العسكري وتحييد السلاح المحلي، دون أن تُترجم إلى اتفاقٍ سياسي أو إداري واضح. فلم تُوقَّع أي وثيقة تحدد طبيعة المشاركة العشائرية في إدارة الملف الأمني، أو آليات توزيع الموارد، أو حتى شكل العلاقة بين السلطة المركزية والفاعلين الاجتماعيين المحليين، هذا الفراغ في التعريف، أو ما يمكن وصفه بالغموض البنيوي، شكّل منذ الأيام الأولى بيئة خصبة للاحتقان. 
العشائر التي اعتبرت نفسها شريكاً في “تحرير” المدينة، وجدت نفسها بعد فترة قصيرة أمام واقع مختلف تماماً: تراجع دورها في القرار، وتقدّم مجموعات مرتزقة مرتبطة بالحكومة المؤقتة إلى واجهة المشهد، بعضها لا ينتمي اجتماعياً أو جغرافياً إلى دير الزور. هذا التحول فُهم محلياً على أنه إقصاء مقصود، لا مجرد خلل إداري عابر.
وتجلّى هذا الإقصاء بشكل أوضح في ملف الأمن. فبدلاً من بناء قوى أمن محلية تعتمد على أبناء المنطقة وتستند إلى معرفة دقيقة بالبنية الاجتماعية، جرى نشر مجموعات مرتزقة، ما عمّق فجوة الثقة بين السكان والسلطة. في بلدات الشحيل والحوايج والبصيرة، سُجّلت منذ كانون الثاني 2026 احتكاكات مسلحة متكررة، رافقتها مداهمات أمنية وُصفت بالعشوائية، وأسفرت في أكثر من حالة عن سقوط مدنيين، دون أي تنسيق فعلي مع وجهاء المنطقة.
هذا المسار أعاد إلى الذاكرة الجماعية نماذج حكم استبدادية فُرضت بالقوة، شبيهة بتلك التي كرّسها نظام آل الأسد لعقود في دير الزور وسائر سوريا، حيث كان الأمن يُدار بمنطق القبضة الحديدية لا بمنطق الشراكة المجتمعية. تجارب الحكم تلك لم تُنتج استقراراً، بل راكمت الاحتقان، ودفعت النزاعات الكامنة إلى الانفجار كلما سنحت الفرصة، بعدما جرى قمعها بدل معالجتها.
حين تُزرع الفتنة باسم الدولة
لم يتوقف أثر السياسات الأمنية الإقصائية عند حدود التوتر مع العشائر، بل سرعان ما امتد ليُعيد فتح ملفات نزاع عشائري ظلت لسنوات طويلة خارج التداول بفعل توازنات هشّة فرضتها ظروف الحرب. ومع تغيّر موازين القوة بعد دخول الحكومة السورية المؤقتة، لم تعد هذه الخلافات تتحرك وفق منطقها الاجتماعي التقليدي، بل أُعيد تشكيلها ضمن اصطفافات جديدة ترتبط بمراكز النفوذ المستجدة داخل السلطة. في هذا السياق، شعرت بعض العشائر بأنها باتت تتمتع بحماية سياسية وعسكرية غير معلنة، فيما وجدت عشائر أخرى نفسها في موقع الاتهام أو الاستهداف، ما حوّل الخلافات من نزاعات محدودة إلى صراع مفتوح على الشرعية والقوة.
في ريف دير الزور الغربي، برزت مؤشرات هذا التحول بوضوح، مع تسجيل اشتباكات متفرقة بين مجموعات مرتزقة تنتمي إلى عشائر مختلفة، على خلفيات تجاوزت الخلافات الفردية لتشمل السيطرة على حواجز، وفرض النفوذ داخل القرى، وإعادة تحريك قضايا ثأر قديمة جرى تجميدها سابقاً. ويشير مراقبون محليون إلى أن غياب إطار جامع يضبط العلاقات العشائرية، إلى جانب إحجام الحكومة المؤقتة عن لعب دور الوسيط المحايد، أسهما في تحويل هذه النزاعات إلى أدوات ضغط متبادلة، بدل احتوائها ضمن مسار اجتماعي ـ قانوني.
لكن البعد الأخطر في هذا المشهد يتصل بملف الموارد، وتحديداً النفط، الذي يشكّل العصب الاقتصادي الأهم في دير الزور. فدير الزور تضم حقولاً استراتيجية كالعمر والتنّك والورد، ما جعلها محور تنافس حاد منذ الأيام الأولى لتثبيت السيطرة. العشائر المحلية تنظر إلى هذه الحقول بوصفها ملكية عامة لأبناء المنطقة، وترى أن أي إدارة تتجاهل حقهم في الاستفادة منها تنموياً تُعيد إنتاج منطق الهيمنة بالقوة. في المقابل، تتعامل الحكومة المؤقتة مع الملف النفطي كقضية مركزية مغلقة، تُدار بعيداً عن الشفافية أو المشاركة المحلية.
مصادر ميدانية تحدثت عن منح تسهيلات وامتيازات لشخصيات ومجموعات مرتبطة بمراكز القرار، دون إشراك فعلي للمجتمع المحلي، ما دفع بعض العشائر إلى اللجوء للسلاح كورقة تفاوض أخيرة. هذا المسار لا يعكس صراعاً على النفط فحسب، بل يكشف عن خلل أعمق في فهم طبيعة دير الزور، ويُنذر بإعادة إنتاج دوّامة الفوضى التي خبرتها دير الزور مراراً كلما فُرضت السلطة من دون عقد اجتماعي عادل.
“تجاهل الأهالي وفتح باب الفوضى”
مع تراكم التوترات الناتجة عن إدارة الملفين الأمني والاقتصادي، بدأ الاحتقان الاجتماعي في دير الزور يأخذ طابعاً أكثر وضوحاً واتساعاً. فبعد مرحلة الصمت الحذر التي رافقت دخول الحكومة السورية المؤقتة، تحوّل الغضب المكتوم داخل المجتمع المحلي إلى حالة اعتراض علنية على السياسات المتّبعة، خاصة تلك التي وُصفت بأنها تتجاهل خصوصية المنطقة وتركيبتها الاجتماعية المعقّدة.
الاعتراض لم يكن موجهاً نحو فكرة السلطة بحد ذاتها، بل نحو أسلوب إدارتها. ففرض مقاربات أمنية جامدة، وتهميش الدور الاجتماعي للعشائر، والتعامل مع مطالب السكان بوصفها مسائل ثانوية، ساهم في تقويض ما تبقّى من الثقة بين المجتمع المحلي والجهة الحاكمة. هذا المسار عُدّ لدى قطاعات واسعة من أبناء المنطقة امتداداً لنهج مركزي لطالما فشل في تحقيق الاستقرار، لأنه تعامل مع المجتمع ككتلة يجب ضبطها، لا كشريك يجب إشراكه في القرار.
في ظل هذا الواقع، برزت مخاوف جدية من أن يؤدي استمرار هذا النهج إلى نتائج أمنية واجتماعية أكثر خطورة. فالإحساس المتزايد بالتهميش، خاصةً في أوساط الشباب، خلق بيئة قابلة للتطرف وإعادة إنتاج العنف بأشكال جديدة. ومع غياب قنوات تواصل فعالة، وعدم وجود آليات واضحة لمعالجة الشكاوى، بدأ بعض الفاعلين المحليين بالبحث عن وسائل ضغط خارج الأطر الرسمية، ما ينذر بتفككٍ إضافي في بنية الضبط الاجتماعي.
التجربة التاريخية لدير الزور، كما لسوريا عموماً، تشير إلى أن تجاهل المطالب المحلية لا يؤدي إلى إخضاع المجتمع، بل إلى دفعه نحو خيارات قسرية. وفي محافظة تشكّل العشائر أحد أعمدة الاستقرار فيها، فإن تهميش هذا الدور يفتح المجال أمام فراغ تُملأ عادةً بقوى غير منضبطة، سواء كانت مجموعات مرتزقة، أو شبكات مصالح تعمل خارج أي إطار قانوني.
حتى الآن، لا تظهر مؤشرات على تحوّل حقيقي في طريقة إدارة الأزمة، ما يعزز القلق من أن تكون دير الزور مقبلة على مرحلة أكثر هشاشة. فغياب مقاربة شاملة تعالج جذور التوتر، وتعيد الاعتبار للعقد الاجتماعي المحلي، يجعل من الفوضى احتمالاً واقعياً، لا مجرّد سيناريو نظري، في منطقة أنهكتها سنوات طويلة من الصراع والانقسام.
فرصة الإنقاذ الأخيرة
تقف دير الزور اليوم عند مفترق بالغ الحساسية، حيث لم يعد ممكناً تحميل المسؤولية لطرف واحد أو اختزال الأزمة في أخطاء السلطة وحدها، فالمسار الذي تشكّل منذ دخول الحكومة السورية المؤقتة إلى دير الزور كشف عن شبكة معقّدة من الإخفاقات المتبادلة، تشارك فيها السلطة من جهة، وفاعلون اجتماعيون وعشائريون من جهة أخرى، ضمن بيئة هشّة سرعان ما تحوّلت إلى ساحة صراع على النفوذ والموارد.
لقد أظهرت التجربة السورية خلال خمسة عشر عاماً أن إدارة المناطق بالقوة أو عبر ترتيبات ضيقة لا تنتج استقراراً، لكن التجربة ذاتها أثبتت أيضاً أن البنى العشائرية، حين تتحوّل إلى أدوات صراع داخلي أو أذرع نفوذ متنافسة، تسهم بدورها في تعميق الفوضى بدل احتوائها. وفي دير الزور تحديداً، تداخلت الحسابات السياسية مع الطموحات المحلية، ففقدت معايير الضبط الاجتماعي فعاليتها، وتراجعت القدرة على إنتاج موقف جامع يضع مصلحة المجتمع فوق المصالح الجزئية.
المعضلة الأساسية اليوم لا تتعلق فقط بشكل الحكم، بل بطبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع، وبكيفية إدارة الخلاف داخل المجتمع نفسه، فغياب قواعد واضحة للشراكة، يقابله في الوقت ذاته غياب مسؤولية جماعية لدى بعض الفاعلين المحليين الذين لجأوا إلى السلاح أو التحالفات الضيقة كوسيلة لتحصيل مكاسب آنية، ما ساهم في تفكيك النسيج الاجتماعي وإضعاف فرص الاستقرار.
دير الزور، بتاريخها وتركيبتها المعقّدة، لا تحتمل استمرار هذا المسار المزدوج من الإقصاء من جهة، والانقسام من جهة أخرى، فالخروج من دائرة العنف يتطلب مراجعة شاملة، لا تعفي الحكومة من مسؤولية تغيير سياساتها، ولا تُبرّئ الفاعلين العشائريين من أدوارهم السلبية في تغذية الصراع. وحدها مقاربة تقوم على إعادة ضبط العلاقة بين السلطة والمجتمع، وعلى كبح منطق الغلبة داخل المجتمع نفسه، يمكن أن تفتح نافذة أمل حقيقية.
حتى الآن، لم تُلتقط هذه اللحظة بما يكفي من الجدية. ومع كل يوم يمر دون معالجة جذور الأزمة، تضيق مساحة الإنقاذ، وتتقدّم سيناريوهات الانفلات خطوة إضافية.
No Result
View All Result