حمزة حرب
في اللحظة التي أُعلن فيها سقوط آخر جيب لمرتزقة داعش في شمال وشرق سوريا، لم تنتهِ الحرب كما تخيل كثيرون إنما انتهى شكلها العسكري المفتوح فقط، بينما بدأ شكل آخر أكثر تعقيداً وخطورة، حرب صامتة تديرها خلايا نائمة تزعزع الأمن والاستقرار لتحرر متزعميها خلف الجدران الإسمنتية العالية، في مراكز احتجاز واظبت قوات سوريا الديمقراطية على حمايتها وحماية العالم من الشر الكامن في داخلها لسنواتٍ وسنوات بعد أن تحول ملف معتقلي مرتزقة تنظيم داعش الإرهابي إلى عقدة أمنية دولية، بينما قوات سوريا الديمقراطية حملت العبء منفردة بعد أن وجدت نفسها أمام أخطر إرث خلّفه داعش متمثلاً بآلاف المرتزقة المتشددين الذين خسروا “خلافتهم المزعومة” لكنهم لم يخسروا أيديولوجيتهم الخطيرة ولا استعدادهم للقتل.
لم تكن قسد تبحث عن هذا الدور، ولم تُنشأ لتكون حارساً لمرتزقة داعش الذي يعتبر من أكثر التنظيمات دموية في العصر الحديث. لكنها، بفعل الفراغ الدولي والتردّد السياسي للدول التي ينتمي إليها أولئك المرتزقة، تحوّلت إلى خط الدفاع الأخير بين عالم أنهكته هجمات مرتزقة داعش، وبين تنظيم كان ينتظر لحظة واحدة فقط ليعود من جديد هنا تبدأ القصة، لا بوصفها قصة سجون، بل بوصفها قصة قنبلة موقوتة جرى احتواؤها بصعوبة، وبكلفة بشرية وأمنية دفعتها قوة محلية متمثلة بقسد نيابة عن العالم برمته.
داعش جمر تحت رماد مراكز الاحتجاز
في داخل تلك السجون ومراكز الاحتجاز لم يكن السكون يعني الاستسلام على العكس ظلّ الفكر الداعشي حياً، يتنقّل همساً بين الزنازين، ويعيد ترتيب نفسه وفق منطق التنظيم السري الذي أتقنه أفراده منذ سنوات المطاردة فكثيرون من المحتجزين لم يكونوا مجرد عناصر عاديين، بل متزعمين أمنيين وشرعيين خبروا إدارة التنظيم الإرهابي السابقة، وحفظوا تفاصيل العمل التنظيمي كما تحفظ أسماءهم فهؤلاء لم يروا في الاعتقال نهاية، بل مرحلة انتظار.
قوات سوريا الديمقراطية “قسد” التي خرجت من معارك مدمّرة وطاحنة منتصرة ضد مرتزقة داعش وجدت نفسها فجأة مسؤولة عن احتجاز عشرات الآلاف من المرتزقة وأفراد عائلاتهم، من جنسيات لا تُحصى في ظل إمكانيات محدودة وبنية تحتية لم تُصمّم لهذا الحجم ولا لهذا النوع من التهديد فلم تكن هذه السجون مثالية، ولم تدّعِ قسد يوماً الكمال، لكنها كانت الخيار الوحيد المتاح في عالم اختار أن يدير ظهره للمشكلة بدل مواجهتها. ففي كل زنزانة تقريباً كان هناك تاريخ دموي لم يُغلق ملفه بعض السجناء شاركوا في مجازر وبعضهم خطّط لهجمات عابرة للحدود وبعضهم قاتل في صفوف مرتزقة داعش منذ أيامه الأولى ومع ذلك ظلّوا لسنواتٍ بلا محاكمات دولية بلا آلية واضحة للمحاسبة، وبلا رغبة حقيقية من الدول التي يحملون جنسياتها لاستعادتهم وهكذا تحوّلت السجون من أماكن احتجاز مؤقت إلى مساحات اشتباك خفي بين فكرين، الأول فكر يحاول إعادة إنتاج العنف، والثاني قوة محلية تحاول منع الانفجار بأدوات محدودة. فأخطر ما في هذه السجون لم يكن فقط وجود هذا العدد الكبير من الإرهابيين، بل قدرتهم المستمرة على التنظيم من الداخل فالتحقيقات التي أُجريت بعد محاولات الهروب العديدة كشفت عن شبكات داخلية ومحاكم “شرعية” سرية، وأوامر تصدر من قيادات معتقلة إلى عناصر أصغر سناً، في مشهد يعكس أن داعش، حتى وهو خلف القضبان لم يتخلَ عن بنيته الهرمية ولا عن منطقه القائم على الطاعة المطلقة.
وهذا ما تمت ترجمته عندما وقع الهجوم الكبير على سجن الصناعة في الحسكة، حيث بدا المشهد كأنه كابوس يتحقق فمئات المرتزقة حاولوا كسر الجدران، وخلايا نائمة في الخارج تحرّكت بالتزامن مع تحرك المرتزقة من الداخل والهدف كان واضحاً وهو تحرير متزعمي التنظيم الإرهابي وإعادة إطلاق ماكينة الإرهاب من جديد.
هذا المخطط لو نجح حينها لكان العالم رأى ما الخطر المكنون داخل هذه المراكز وأثر ذلك لن ينحصر في شمال سوريا فقط، بل كان سيمتد إلى المنطقة والعالم فما حدث في الحسكة لم يكن حادثاً أمنياً عابراً، بل إنذار صريح لما يمكن أن يحدث إذا انهار هذا السد المنيع المتمثل بقوات سوريا الديمقراطية وهي التي دفعت ثمناً باهظاً في تلك المواجهة وغيرها من المواجهات والعمليات الأمنية للحفاظ على الأمن والاستقرار العالميين.
ولسنوات لم تسمح قسد لأبواب تلك المراكز بأن تُفتح ولم تسمح بعودة جماعية لداعش بل كان معظم مقاتلي قسد من أبناء المنطقة، يقاتلون ليس فقط دفاعاً عن مدنهم بل عن عواصم العالم برمتها بعد أن تركت هذه الدول قنبلة داعش كامنة خارج أراضيها وتكلفة سياسية صفرية. 
مخيم الهول… امتداد للإرهاب الكامن في مراكز الاحتجاز
الملف الأكثر حساسية كان ملف النساء والأطفال في مخيمات مرتبطة بهذه السجون وعلى رأسها مخيم الهول الذي احتوى على أخطر مجموعة بشرية على وجه الأرض وصِف بالقنبلة الموقوتة وبمثلث برمودا الإرهاب وبمنبع التطرف بعد أن نشأ جيل لم يعرف سوى فكر داعش، وتعلم لغته وشعاراته قبل أن يتعلّم القراءة والكتابة.
قسد حاولت بالتعاون مع منظمات إنسانية وسعت لسنوات تفكيك هذا الإرث لكن المهمة أكبر من قدرة أي قوة محلية حيث تُرك هؤلاء الأطفال بلا حل وهو ما كان تأجيل للأزمة لا أكثر وقنبلة موقوتة أخرى تنتظر ظروفاً مناسبة للانفجار في وجه العالم الذي ستُفرض عليه دفع فاتورة التخاذل تجاه هذا الملف فيما بعد.
فلم يكن مخيم الهول مجرد مساحة إنسانية مكتظة بالخيام ولا محطة مؤقتة للنازحين واللاجئين كما حاولت بعض التقارير اختصاره فمنذ اللحظة التي تجمعت فيه آلاف العائلات المرتبطة بمرتزقة داعش، تحول المخيم إلى أكثر من ذلك بكثير تحول إلى عقدة أمنية مفتوحة، وإلى مختبر خطير لإعادة إنتاج أحد أكثر الأيديولوجيات تطرفاً في العالم، تحت أنظار مجتمع دولي يعرف حجم التهديد، لكنه يفضل تسميته “أزمة إنسانية” بدل الاعتراف بأنه خطر عابر للحدود. ففي الهول لم تنتهِ دولة الخلافة المزعومة لداعش كما انتهت على الخرائط لأن داعش خسر الأرض، لكنه احتفظ بشيء أخطر ألا وهو النساء المتمسكات بأيديولوجيا داعش، والأطفال الذين لم يعرفوا من العالم سوى رايات سوداء، وأناشيد عن القتل، وقصص بطولة زائفة عن عالم يقاتل ممن يسمونهم بـ”الكفار”، فهذا المخيم بات كمدرسة من قبل النساء للأطفال ومختبر لتكاثر المتطرفين، حيث انتقلت المعركة من الجبهات المفتوحة إلى العقول، ومن السلاح إلى التربية اليومية.
قوات سوريا الديمقراطية لم تكن تملك ترف الاختيار فبعد أن حررت مناطقها عسكرياً وجدت نفسها مسؤولة عن ملف الهول الذي لم يكن مشروعاً أمنياً مخطَّطً له، بل نتيجة مباشرة لانهيار داعش ورفض دول العالم استعادة رعاياها هكذا بات المخيم إلى مساحة معلّقة بين القانون والواقع، بين الإنسانية والخطر وبين ما يجب فعله وما يُترك عمداً دون حل من قِبل مجتمعٍ دولي متخاذل. لكن؛ داخل المخيم وعلى مرأى ومسمع من العالم أجمع كانت تتشكّل بنية موازية لداعش، فالنساء لعبن دور ما يسمى بـ “الحسبة”، أجريت المحاكم السرية لفرض اللباس والسلوك الداعشي، تهديدات بالقتل لكل من تحاول الخروج عن الخط التنظيم الإرهابي، وجرائم ترتكب ليلاً ثم تبرز نهاراً والفاعل هو نساء داعش اللاتي شكلن بنيتهن التنظيمية.
الأخطر من ذلك كان الأطفال، آلاف منهم نشأوا في بيئة مغلقة، تُعيد إنتاج خطاب التطرف يومياً في غياب حلول دولية حقيقية، حيث تحول المخيم إلى مدرسة غير معلنة للتطرف والمعلمات هنَّ نساء داعش اللاتي يلقنَّ الأطفال كل ما تعلمنه من المرتزقة القابعين في مراكز الاحتجاز، حيث يتعلّم الطفل من محيطه قبل أن يتعلم من أي منهج رسمي فكثير من هؤلاء لا يحملون فقط ذاكرة داعش، بل يحملون هويته بوصفها الهوية الوحيدة التي عرفوها.
ومهما حاولت قسد بعمليات أمنية عديدة تفكيك هذه الشبكات التي نُسجت داخل المخيم إلا إن ذلك لم يكن إلا ضبط أمني مرحلي في ظل فقدان أي أفق لحل جذري فنفذت العديد من العمليات الأمنية والحملات داخل المخيم، نسّقت مع منظمات إنسانية، وحذّرت مراراً من أن ترك الهول على هذا النحو هو تهديد مباشر للأمن الإقليمي والدولي لكن الرسائل غالباً ما كانت تصطدم بجدار بارد من التردد السياسي، وكأن العالم قرر أن يُبقي المشكلة حيث هي، طالما لا تطرق أبوابه مباشرةً.
تحوّل خطير
عندما انتقلت السيطرة على السجون والمخيمات من يدٍ كانت تدير الخطر بمنطق الاحتواء الصعب، إلى يد الحكومة المؤقتة وقعت الكارثة الكبرى خصوصاً مع تصوير هؤلاء الإرهابيين والعوائل على إنهم مدنيين وحمائم سلام مضطهدين داخل مراكز الاحتجاز وفي المخيمات علماً ان توثيقات أممية ودولية تبين حقيقتهم وخطرهم للعالم أجمع.
فبين الخطاب السياسي الذي أراد إظهار موقف الحكومة المؤقتة من داعش والتصرف على الأرض الذي خلق بين الحكومة وداعش قطيعة سريعة مع مرحلة سابقة بات هؤلاء أو جزء منهم لا يستهان به طلقاء يشكلون نواة لخطر داهم وقادم لا محال في ظل واقع أمني هش يخلو من أي معايير أمنية وحافل بالشعارات البراقة وهو ما فتح فجوة واسعة عاد منها الخطر يتسلّل بهدوء، ثم بجرأة متزايدة، إلى المشهد الإقليمي من جديد.
لم تتعامل الحكومة المؤقتة مع هذا الملف بوصفه أخطر إرث أمني في المنطقة، بل بوصفه عبثاً سياسياً يمكن احتواءه فالسجون ومراكز الاحتجاز التي كانت تضم عناصر شديدة الخطورة، والمخيمات التي احتوت شبكات فكرية متطرفة قابلة لإعادة التشكل، جرى النظر إليها كأرقام يجب غض النظر عنها، لا كقنابل موقوتة تحتاج إلى تفكيك دقيق فهكذا، بدأت سلسلة قرارات اتُخذت باسم المظلومية لهؤلاء الذين عاثوا فساداً وخاضوا في دماء السوريين حتى ارتووا.
فمعايير التحرير الحقيقية التي تتحدث عنها الحكومة لا تنطبق إلا على هؤلاء المرتزقة وعوائلهم اللذين فعلاً باتوا طلقاء بل ويحملون السلاح تحت عباءة الدولة وبدعمٍ دولي ضد من خلص العالم من خطرهم ودحرهم عسكرياً فالإفراجات لم تكن نتيجة محاكمات شفافة أو برامج تأهيل مدروسة، بل جاءت في كثير من الأحيان عامة، متسرعة، ومفتوحة على احتمالات خطيرة.
خرج أفراد لم يُراجع تاريخهم بشكلٍ جدي بل تم تصويرهم على إنهم ضحايا ولم يُقيّم مستوى تطرّفهم رغم وضوح الأدلة التي تدينهم ولم تُوضع آليات رقابة تضمن عدم عودتهم إلى الشبكات القديمة بل بات الدعم المطلق لهم وضمهم إلى صفوف “الجيش والأمن” في لحظة واحدة، هنا تحول ما كان خطراً مُداراً داخل أسوار، إلى خطر حر الحركة، يعرف الأرض، ويعرف كيف يختفي ويتماهى داخل صفوف الدولة وعباءتها ويعرف أن الزمن يعمل لصالحه.
اليوم المجتمع الدولي ونتيجة لصفقاتٍ سياسية مشبوهة بات أمام معضلة حقيقية وخطرٍ داهم لا محال بعد أن ساهم في عدم تفكيك البنية الفكرية التي تشكّلت عبر سنوات، بل وجرى تفريغ المراكز والمخيمات دون معالجة، وكأن إخراج الناس من المكان يعني إخراج الأفكار من عقولهم.
نساء حملن خطاب داعش، وأطفال تشبّعوا بثقافة العنف، وجدوا أنفسهم فجأةً خارج المخيم، بلا برامج تأهيل جادة وبلا متابعة نفسية أو اجتماعية وهذا ما بدا كخطوةٍ يتم تصويرها على إنها إنسانية لكن في حقيقتها عملية ممنهجة لإعادة إنتاج ونشر التطرف في بيئاتٍ هشة أصلاً.
فالحكومة المؤقتة تناست أو غفلت عن أن كل من حاولت تصويره على إنه مدني مظلوم قابع في السجون أو المخيمات كان تحت إشراف غير مباشر من التحالف الدولي وكذلك الزيارات الشبه دورية للصليب الأحمر الدولي واليونيسف ومنظمات دولية أخرى معنية بحقوق الإنسان مثل منظمة save the cheldrin, وهيومن رايتس ووتش، وأصدرت هذه المنظمات تقارير عدة تقر بوجود أطفال وتطرقت إلى أحوالهم ووضعت آليات لإعادة تأهيلهم وإعادتهم إلى المجتمع.
فهذه المخاطر بينت وفق التجربة القريبة أن مرتزقة تنظيم داعش لا يحتاجون إلى جغرافيا ليعودوا، بل إلى فراغ أمني، وتساهل سياسي، وسوء تقدير وما حدث من عملية إرهابية في تدمر السورية راح ضحيته مواطنون وجنود أمريكان من مرافقة خاصة لهم ومن المسافة صفر تثبت بما لا يدع مجالاً للشك إن مرتزقة داعش سينفذون مخططاتهم بعباءات مختلفة وفي ظروفٍ مغايرة وملائمة لهم ومع ذلك، بدا أن الرغبة في تسجيل إنجاز سريع للولايات المتحدة والدول الداعمة للحكومة غلبت على أي قراءة عميقة لتجربة السنوات السابقة.
ما إن بدأت عمليات الإفراج، حتى عادت المؤشرات المقلقة إلى الظهور خصوصاً في الرقة ودير الزور فالخطاب المتطرف عاد إلى التداول، وشعور عام بأن ما تم احتواؤه بالقوة والتضحيات، أُعيد فتحه بلا ضوابط والمنطقة التي عاشت سنوات من المواجهة مع الإرهاب، وجدت نفسها فجأةً أمام شبحه من جديد، لكن هذه المرة من دون أسوار، ومن دون اعتراف رسمي بحجم الخطأ.
وهذه المرة الحكومة المؤقتة ساهمت بشكلٍ كبير في إنتاج واقع أكثر خطورة فالأمن الذي لا يستند إلى عدالة خطير، لكن العدالة التي لا تستند إلى فهم أمني عميق ليست عدالة بل مقامرة وفي هذا الملف تحديداً كانت المقامرة أكبر من أن تُحتمل في المستقبل وأكبر بكثير من أن يدفع العالم فاتورة أخطاء اُقترفت لتحقيق مصالح ضيقة.




