No Result
View All Result
محمد عيسى
لم يكن رفعُ العلم الأسود عند مدخل مدينة الرقة مجرد حادثة عابرة أو استفزاز بصري في مدينةٍ أنهكها الخراب والحروب فيما خلا ومن ثم غدت من أكثر المدن أماناً بعد تحريرها على يد قوات سوريا الديمقراطية، بل كان رسالة سياسية وأمنية مكتملة الأركان، أعادت إلى الذاكرة الجماعية واحدة من أكثر الفترات ظلاماً في تاريخ سوريا الحديث. الرقة، التي تحوّلت بين عامي 2014 و2017 إلى “عاصمة الخلافة” المزعومة لمرتزقة داعش، تعود اليوم لتظهر في المشهد الإقليمي بوصفها نقطة ارتكاز جديدة لسؤال بالغ الخطورة: هل يعود داعش الإرهابي، وبأي غطاء، ومن يفتح له الطريق؟
خلال الأيام الماضية، تداولت منصات إعلامية وناشطون مقاطع مصوّرة وصوراً تؤكد رفع علم مرتزقة داعش ـ الراية السوداء التي ارتبطت بالمجازر، السبي، الإعدامات، وتدمير النسيج الاجتماعي ـ عند مدخل مدينة الرقة. مشهد لم يأتِ من فراغ، ولم يكن منفصلاً عن تحولات ميدانية وأمنية متسارعة شهدتها مناطق الرقة والطبقة ودير الزور، منذ انسحاب قوات سوريا الديمقراطية من بعض النقاط، وتسليمها إدارة الملف الأمني والعسكري لما يُعرف بـ”الحكومة السورية المؤقتة”، التي تغيّر اسمها وخطابها، لكنها لم تغيّر جوهرها الفكري ولا بنيتها الفعلية على الأرض.
ثمن تحرير العالم من داعش
حين دخلت قوات سوريا الديمقراطية مدينة الرقة في خريف عام 2017، لم يكن ذلك مجرد تحوّل عسكري في خريطة الصراع السوري، بل لحظة فاصلة في المسار العالمي لمواجهة الإرهاب. تلك المعركة لم تُخَض دفاعاً عن مدينة منهكة فقط، بل عن فكرة أوسع تتعلّق بوقف تمدّد أحد أكثر التنظيمات ظلاماً في التاريخ الحديث. آلاف المقاتلين والمقاتلات من صفوف قوات سوريا الديمقراطية من الكرد والعرب والسريان، تقدّموا نحو مدينة كانت مفخخة بالحقد والموت، وواجهوا آلة قتل لا تعرف سوى الإبادة؛ ليُمنَع العالم من الانزلاق إلى كابوسٍ أوسع.
تحوّلت الرقة، بعد تحريرها، إلى شاهد حيّ على ثمن دحر داعش، وإلى رمز لتضحياتٍ لم تُقايَض بمكاسب سياسية ولا بنفوذ، بل دُفعت من لحم ودم. وعلى امتداد السنوات اللاحقة، حاولت الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية ترميم ما دمّره داعش: إعادة بناء مؤسسات محلية من تحت الركام، إحياء مجالس مدنية في مجتمع محطّم، وإطلاق محاولات شاقة لإعادة الثقة إلى نسيج اجتماعي مزّقته سياسات التطرف، التخويف، والانتقام الجماعي. لم تكن تلك الجهود مثالية، لكنها شكّلت قطيعة واضحة مع نهج داعش القائم على الرعب والإلغاء.
اليوم، ومع عودة الراية السوداء لتطلّ عند مداخل المدينة، لا يبدو المشهد وكأنه مجرد استفزاز رمزي، بل إشارة مقلقة إلى انهيارٍ أمني متعمّد. رفع علم داعش في الرقة لا يُعد إساءة لضحايا المدينة فحسب، بل طعنة مباشرة لتضحيات آلاف الشهداء الذين قاتلوا كي لا يُعاد إنتاج هذا الكابوس.
ولا يمكن قراءة ما يجري في الرقة بمعزل عن الامتداد الجغرافي الأوسع، من الطبقة إلى دير الزور. هذه المناطق، التي شكّلت العمود الفقري لـ”دولة الخلافة” المزعومة، لم تخضع يوماً لمعالجة فكرية واجتماعية جذرية، بل اقتصر الأمر على هزيمة عسكرية تركت الشبكات الاقتصادية والعقائدية لداعش قائمة في الظل. في دير الزور، حيث الحدود المفتوحة والعشائر والتهريب، ظلت خلايا داعش كامنة تنتظر اللحظة المناسبة، بينما فشلت الطبقة، رغم فداحة معركة تحريرها، في تحصين نفسها أمنياً. ومع انسحاب قوات سوريا الديمقراطية لحماية مناطقها الأساسية، وترك فراغ أمني واضح، بدأت الاغتيالات، والتهديدات، والرايات السوداء بالظهور من جديد، في مشهد لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة مباشرة لسوء إدارة وتغاضٍ ممنهج من قبل ما يُعرف بقوات الحكومة السورية المؤقتة.
تغيير الاسم لا يغيّر العقيدة
في امتداد هذا المشهد الملتبس، لا يمكن تجاهل الدور الذي لعبته الحكومة السورية المؤقتة، رغم ما رافق ظهورها من تغيير في المسميات ومحاولات مكثفة لتسويق صورة “سلطة جديدة” منفصلة عن إرث التطرف. غير أن الوقائع الميدانية، كما تكشّفت تباعاً في الرقة ودير الزور والطبقة ومنبج ومحيطها، تؤكد أن هذا التغيير بقي شكلياً، وأن البنية الفكرية والعملية التي أنتجت داعش لم تُفكَّك، بل أُعيد تدويرها تحت عناوين مختلفة. فعدد غير قليل من المجموعات المنضوية تحت مظلة هذه الحكومة يحمل سجلاً حافلاً بالانتهاكات، وارتباطات مباشرة أو غير مباشرة مع التنظيمات المتطرفة، سواء من حيث الخطاب العقائدي، أو من حيث أنماط السلوك الأمني والعسكري على الأرض.
بعد انسحاب قوات سوريا الديمقراطية من بعض المناطق، لم تُظهِر الحكومة المؤقتة أي توجّه حقيقي نحو تثبيت الأمن أو حماية المجتمع المحلي. على العكس، بدأت تلك المناطق تشهد تفككاً متسارعاً في بنيتها الإدارية والاجتماعية. جرى تهميش المؤسسات التي كانت قائمة، وإقصاء شخصيات مجتمعية لعبت دوراً في حفظ الحد الأدنى من الاستقرار، في مقابل صعود مجموعات مسلّحة غير منضبطة، تُرك لها السلاح والنفوذ دون رقابة فعلية. بالتوازي، ظهرت تقارير عن إطلاق سراح مشتبهين بالانتماء إلى داعش، أو التغاضي عن تحركاتهم، ما فتح الباب أمام إعادة تنشيط الخلايا النائمة.
هذه الفوضى لم تكن نتاج ضعف إداري أو نقص في الإمكانات، بل بدت، في كثير من جوانبها، سياسة مقصودة. سياسة تقوم على ترك الساحة مشرّعة أمام الفوضى والإرهاب، بما يسمح لداعش بالتحرك بحرية، واستعادة حضوره الرمزي والأمني، واستخدامه لاحقاً كورقة ضغط في معادلات إقليمية ودولية معقّدة. في هذا السياق، لا يبدو رفع علم داعش عند مدخل الرقة حدثاً معزولاً أو تصرّفاً فردياً، بل نتيجة طبيعية لمسار طويل من غضّ الطرف، وربما التشجيع غير المعلن، على عودة هذه المرتزقة إلى واجهة المشهد.
وهكذا، تتكامل الصورة: فراغ أمني متعمّد، سلطة عاجزة أو متواطئة، ومرتزقة تنتظر اللحظة المناسبة للخروج من الظل. ما يجري اليوم ليس انحرافاً طارئاً، بل حلقة جديدة في سلسلة إعادة إنتاج الخطر ذاته، بأدوات مختلفة، لكن بالنتائج الكارثية نفسها.
من شريك في التحرير إلى شاهد صامت
في ظل هذا المشهد المعقّد، يبرز سؤال لا يمكن القفز فوقه: أين يقف التحالف الدولي اليوم مما يجري في الرقة ودير الزور والمدن التي حولها ومحيطها؟ التحالف الذي كان شريكاً مباشراً في معركة إسقاط “الخلافة” المزعومة، وقاد واحدة من أوسع الحملات الجوية ضد مرتزقة داعش، يبدو اليوم وقد تراجع من موقع الفاعل إلى موقع الشاهد الصامت. صمت لا يمكن تفسيره فقط بالإرهاق السياسي أو تغيّر الأولويات، بل يفتح الباب أمام قراءات أكثر خطورة تتعلق بإعادة تعريف التهديد الداعشي في حسابات القوى الكبرى.
رفع علم داعش في مدن قُدِّمت لسنوات كنموذج لـ”التحرير الناجح” كان يفترض أن يشكّل إنذاراً فورياً لعواصم القرار في واشنطن وباريس ولندن. فالرقة ودير الزور لم يكونون مدنًا عادية في سردية الحرب على الإرهاب، بل رمزاً لانكسار المرتزقة عسكرياً، ودليلاً على إمكانية هزيمته عندما تتوافر الإرادة والشراكة الميدانية الفعلية. ومع ذلك، جاءت ردود الفعل، إن وُجدت، باهتة ومحدودة، خالية من أي إجراءات ملموسة تعكس خطورة الحدث أو تداعياته الاستراتيجية.
هذا الصمت لا يبدو محايداً. بل يثير مخاوف متزايدة من أن التحالف الدولي بات ينظر إلى داعش بوصفه ملفاً قابلاً للإدارة لا خطراً يجب استئصاله. في لحظات سابقة من تاريخ الصراع السوري، جرى توظيف المرتزقة – بشكل مباشر أو غير مباشر – لإعادة ترتيب خرائط النفوذ، أو للضغط على أطراف محلية وإقليمية. واليوم، ومع عودة الرايات السوداء، يعود السؤال القديم بصيغة جديدة: هل يُترك داعش يتحرك ضمن هوامش محسوبة، طالما أنه يخدم توازنات معينة؟
التجربة السابقة تؤكد أن سياسة التغاضي لم تكن يوماً بلا ثمن. في كل مرة أُهمل فيها خطر داعش، عاد بأشكال أكثر عنفاً، وضرب ليس فقط المدن السورية، بل مدناً في العراق وأوروبا والعالم. من هنا، فإن صمت التحالف لا يهدد سوريا وحدها، بل يعيد فتح الباب أمام دورة جديدة من الفوضى العابرة للحدود.
في السياق ذاته، يصبح غياب موقف حازم من التحالف مكمّلاً للفوضى التي خلّفتها الحكومة السورية المؤقتة، وفراغاً سياسياً وأمنياً يسمح لداعش بإعادة تقديم نفسه لاعباً قادراً على استثمار الانهيارات. هكذا، تتقاطع المصالح، ويتحوّل الصمت الدولي من موقف سلبي إلى عامل فاعل في إعادة إنتاج الخطر، في وقت تبدو فيه المنطقة بأسرها أقرب إلى تكرار سيناريوهات ظنّ العالم أنه تجاوزها.
حين فُتح الباب للفوضى
لم يكن انسحاب قوات سوريا الديمقراطية من بعض مناطق الرقة ودير الزور قراراً عشوائياً أو تراجعاً ميدانياً فرضته الهزيمة، بل جاء في سياق ضغوط سياسية وعسكرية متشابكة، وفي ظل أولويات فرضتها حماية مناطقها الأساسية، ولا سيما المناطق الكردية التي واجهت تهديدات مباشرة ومتزامنة. غير أن ما أعقب هذا الانسحاب كشف سريعاً عن هشاشة مقصودة، وعن فراغ أمني لم يكن وليد الصدفة، بل نتاج إدارة فاشلة أو متعمَّدة للفوضى من قبل الحكومة السورية المؤقتة.
فبدلاً من الانتقال السريع لملء الفراغ وترسيخ حدّ أدنى من الاستقرار، تُركت مفاصل أمنية حساسة من دون رقابة فعلية. السجون فقدت السيطرة الصارمة التي كانت مفروضة سابقاً، الحواجز الأمنية أُزيلت أو تحوّلت إلى نقاط شكلية، والمجتمع المحلي تُرك مكشوفاً أمام حالة خوف عامة، غذّتها الشائعات والاغتيالات والتهديدات المباشرة. في هذا المناخ المرتبك، تحركت خلايا داعش بسهولة لافتة، أعادت وصل ما انقطع من شبكاتها، وبدأت بإظهار حضورها تدريجياً، ليس عبر هجمات واسعة، بل من خلال استعراض رمزي محسوب، تمثّل في الرايات السوداء والرسائل المبطّنة.
ما يجري هنا لا يمكن قراءته كفشل أمني عابر، بل كنهج قائم على استخدام الفوضى كأداة. أداة لإعادة إنتاج داعش بوصفه لاعباً قابلاً للتوظيف، وكفزّاعة تُستخدم في معادلات التفاوض، أو في إعادة ترتيب خرائط النفوذ على حساب أمن المجتمعات المحلية. هذا النهج يمنح داعش مساحة للحركة، ويمنح الجهات المتحكمة بالملف ورقة ضغط جاهزة عند الحاجة.
الخطورة في هذا المسار لا تكمن فقط في تهديده للرقة أو دير الزور، بل في طبيعته العابرة للحدود. داعش مرتزقة لا تعرف الجغرافيا المغلقة، وأي موطئ قدم جديد لها في سوريا يعني بالضرورة إعادة تنشيط شبكاتها الإقليمية، من العراق إلى تركيا، وصولاً إلى دوائر أبعد في أوروبا. من هنا، فإن رفع الرايات السوداء في بعض المدن السورية لا يُعد حدثاً محلياً محدود الأثر، بل إنذاراً مبكراً لمسار قد يتوسع بسرعة إذا استمر التغاضي عنه.
اليوم، يبدو العالم واقفاً عند مفترق طرق حاسم: إما التعامل مع عودة هذا الخطر بجدية، عبر دعم القوى التي واجهته فعلياً وقدّمت آلاف الشهداء لوقف تمدده، أو تكرار أخطاء الماضي، وترك “السواد” يعيد بناء نفسه بهدوء، إلى أن يضرب الجميع، دون استثناء.
No Result
View All Result