No Result
View All Result
حمزة حرب
في الحروب الطويلة، لا تبقى الأسماء عناوين تنظيمية، بل تتحول إلى عقد سياسية وأمنية واجتماعية، ففي سوريا حيث امتد النزاع وتحول إلى عقد متتالية من الجبهات والولاءات، برزت أسماء كثيرة لمجموعات وفصائل بعضها وُلد من رحم اللحظة، وبعضها استعار أسماء أقدم أو حمل إرثاً عابراً للحدود بمشاريع لا تمت للواقع السوري ولا للنسيج السوري بصلة قط إنما تنفذ أجندات أوسع، بعضها إقليمي والآخر دولي مرتبط بتنظيمات لا تلتزم ولا تعترف ولا تعير اهتماماً للحدود الوطنية وليس لديها أي التزام بمعايير الدولة بل تحاربها وتحاول جر البقعة الجغرافية إلى مفهوم أيديولوجي قائم على العنف والتشرذم بغية الوصول إلى أهدافها المصطنعة.
برزت أسماء عدة على الساحة السورية طيلة سنوات الأزمة التي تركت خلفها ترسباتٍ عديدة على رأسها المجموعات المرتزقة التي شتت النسيج السوري ومن هذه المجموعات؛ “أنصار السنة” و”الحزب الإسلامي التركستاني” مجموعتان تشكلان دليلاً دامغاً في السلوك والممارسات لواقع سوريا المعاش اليوم بوصفهما مثالين مختلفين في الشكل والوظيفة والتأثير، لكنهما يلتقيان عند نقطة واحدة وهو الأيديولوجيا العابرة للحدود والإرث التاريخي المتطرف الذي نخر في جسد سوريا مع تفتت النسيج السوري.
من هم مرتزقة “أنصار السنة”؟
ارتبط اسم “أنصار السنة” منذ بدايات القرن العشرين بجماعات سلفية دعوية في مصر وغيرها، ركّزت على التعليم الشرعي ونشر ما تراه أيديولوجياً منهجاً سلفياً معتمداً لديها مع تباينات كبيرة في الموقف من العمل السياسي والمسلح فهذا الاستيراد للاسم جعله مفتوح الدلالة، قابلاً للاستخدام في سياقات مختلفة، دون أن يعني ذلك وجود تنظيم واحد متماسك يحمل الاسم أينما وُجد.
في سوريا، ومع تفكك النظام السابق وفتح المجال أمام التنظيمات الراديكالية للدخول إلى هذا البلد من شتى أصقاع العالم ونشره في مناطق واسعة خلال سنوات النزاع الأولى، ظهرت تشكيلات محلية صغيرة حملت اسم “أنصار السنة” بعضها لأسباب أيديولوجية، وبعضها لأسباب رمزية أو دعوية، وبعضها الآخر كعنوان فضفاض يجمع أفراداً دون بنية تنظيمية صلبة.
مع عسكرة الاحتجاجات وتحولها إلى صراع مسلح، دخلت السلفية بمختلف أطيافها إلى المشهد في هذا المناخ لم يكن غريباً أن يظهر اسم “أنصار السنة” على لافتات مجموعات محلية تتلقى دعماً خارجياً على رأسه الدعم المقدم من بعض دول الخليج الممول لهذا المنهج الأيديولوجي الضيق.
برز ظهور هذه المجموعات السلفية المتطرفة التي باتت مسلحة لفرض أيديولوجيتها في مناطق ريفية أو هامشية، حيث تتداخل الدعوة بالقتال، ويغيب الفصل الواضح بين النشاط الديني والعمل العسكري وتسهل السيطرة على المجتمعات التي تركت تصارع واقعها بعد أن تخلى عنها النظام السابق وشدد اهتمامه في مراكز المدن الكبرى ما جعل الريف ساحات فارغة تملؤها هذه المجموعات المرتزقة.
ومع بدء الأزمة السورية دخلت هذه المجموعات إلى سوريا، وبدت التشكّلات أقرب إلى مجموعات ظرفية، تتشكل ثم تتفكك أو تندمج في فصائل أكبر تبعاً لتطورات الجبهة والتمويل والتحالفات.
خلال ذروة النزاع التحقت بعض هذه المجموعات بتحالفات عسكرية أوسع أحيانًا بدافع حماية ذاتها وأحياناً بسبب نقص الموارد، حيث يتبين للعالم أجمع أن هذه المجموعات الإرهابية اعتمدت سياسة الذوبان داخل مجموعات أكثر تنظيماً ودعماً وعمدت إلى التخفي تدريجياً من المشهد الإعلامي لتصل درجة نسيان وجودها أحياناً.
هذا الذوبان جعل من الصعب تتبع أثر هذه المجموعات ككيان مستقل، وأدى إلى خلط شائع بين الاسم وبين سلوك مجموعات أخرى إرهابية كانت أو ولائية للخارج أو مسلحة لكنها أكثر حضوراً وتأثيراً، ومع تراجع حدّة المعارك في بعض المناطق، تحول من تبقى من هذه المجموعات إلى نشاطات دعوية محدودة أو انسحب من المشهد كلياً.
ومع تغير موازين السيطرة في عدة مناطق سورية، وانحسار نفوذ المجموعات المرتزقة الصغيرة لم يعد لاسم أنصار السنة حضور يُذكر كفاعل مستقل لكن هؤلاء العناصر الذين تم توزيعهم وإذابتهم في مجموعات وكيانات كبيرة لطالما ظهرت في حالات فردية أو مجموعات محدودة تمارس نشاطاً إرهابياً وتتبناه باسم “أنصار السنة” دون قدرة على فرض أجندة أو إدارة مناطق وهذا ما يفسر لنا سلوك أنصار السنة الإرهابي ومنهجيته في التعامل وربما يفسر لنا ما جرى في تدمر من تفجير طال قوات أمريكية واقع الحال لدى الحكومة المؤقتة التي انخراط عناصر يتبعون لهذا التنظيم الإرهابي في كيان الحكومة المؤقتة في دمشق.
الحزب التركستاني.. إرهابٌ عابر للحدود
نشأ في تسعينات القرن الماضي، متبنياً سردية مضادة للدولة الصينية، وساعيا لإقامة “إمارة إسلامية” في تركستان الشرقية، وبنى تحالفاته الأولى مع تنظيم القاعدة وطالبان في أفغانستان وهو ما يفسر قربه حينها من جبهة النصرة الجناح السوري لتنظيم القاعدة، خصوصاً بعد أن مثلت الحرب السورية فرصة فريدة لإعادة تموضعه.
عمليا فإن انتقال التنظيمات المتطرفة من الهامش إلى المركز يتم غالبا في لحظات فراغ سياسي، وهذا ما حدث في سوريا بعد عام 2011، فلم يكن التحاق الحزب الإسلامي التركستاني بساحة القتال مجرد دعم لأطراف الثورة، بل ترجمة لاستراتيجية ما تسمى بـ”الجهاد العالمي” بصيغته العنيفة، القائمة على استثمار الصراعات المحلية لإعادة تدوير المشاريع العابرة للحدود.
وعلى النقيض من تنظيم أنصار السنة الإرهابي يتمتع الحزب التركستاني الإرهابي بهوية أوضح وبنية تنظيمية أكثر تعقيداً تعود جذوره إلى أوساط من الإيغور في إقليم شينجيانغ “تركستان الشرقية”، حيث تشكلت حركات ذات طابع ديني ـ سياسي، تبنّى بعضها لاحقاً خطاباً متطرفاً عابراً للحدود.
وجد هذه المجموعة المرتزقة في أفغانستان وباكستان، ثم لاحقاً وبدعمٍ تركي كبير في سوريا، بيئات مناسبة لإعادة التموضع وبناء القوة والقدرة على التموضع والانتشار وتنفيذ المخططات الخبيثة التي تتسم بطابع الإرهاب سيما مع تحول البلاد إلى نقطة جذب لمسلحين أجانب من خلفيات متعددة. فبالنسبة للحزب التركستاني، مثّلت سوريا فرصة استراتيجية لاستقرار المجموعة في ساحة مفتوحة تضم تحالفات راديكالية من داعش إلى النصرة إلى هيئة تحرير الشام وغيرها من الأسماء المتطرفة خصوصاً مع تناغم وغطاء أيديولوجي يبرر القتال.
فمنذ عامي 2013 ـ 2014 بدأ حضور الحزب يتبلور في شمال غرب سوريا لا سيما في إدلب ومحيطها في جسر الشغور وغيرها من المناطق حيث ساهمت المناطق الجبلية في توفير البيئة الجغرافية المناسبة لهذه المجموعة في التخفي والتنظيم ولم يقتصر الوجود على إرهابيين أفراد، بل شمل عائلات كاملة، ما منح المجموعة طابعاً استيطانياً ممنهجاً وهو ما ساعدها على ترسيخ وجود طويل الأمد.
تماهى بالبدايات بتحالفات عدة منها تحالفه مع لواء “جيش الفتح” وجبهة النصرة، شارك “لواء تركستان” التابع للحزب في معارك بارزة مثل جسر الشغور 2015، ووجوده لم يقتصر على الجبهات، بل تجاوزها إلى إعادة تشكيل البنية السكانية والثقافية في مناطق مثل إدلب، وسهل الغاب، عبر مشاريع تهجير واستيطان طائفي موثقة.
المجموعة الإرهابية برزت بهيكلية تنظيمية واضحة ومتزعمين بارزين وخطاب إعلامي موجه لجمهوره بلغات متعددة لاستقطاب المزيد من العناصر لزجهم بهذه المجموعة كما تمكنت من المشاركة في معارك كبيرة، ومن التفاوض والتحالف مع مجموعات متطرفة أخرى أمثال داعش والنصرة وغيرها من المجموعات المتطرفة، مع الحفاظ على استقلاله النسبي.
العلاقة الوطيدة مع الحكومة المؤقتة
ما سلف من توصيف لهاتين المجموعتين المرتزقتين والإرهابيتين من حيث الفعل، والسياق، والارتباطات وطبيعة تشكلهم وما يحملانه من أيديولوجيا يبرهن فما لا يدع مجالاً للشك خطورة الواقع الذي تمر به البلاد خصوصاً مع وجود حكومة مؤقتة ترتكز إلى مثل هذه المجموعات والتنظيمات الراديكالية المتطرفة.
فمع مرور الوقت تتبدل الخريطة وتختفي أسماء وتبرز أخرى في سوريا يطفو على السطح نسبياً اسم أنصار السنة رغم ان كل عناصره تماهت مع تشكيلات الحكومة المؤقتة، وباتت تتبوأ مناصب عليا في هيكل الحكومة المؤقتة حتى وصل بها الحال لان تنفذ عمليات إجرامية متعددة دون حسيب أو رقيب منها تفجير الكنيسة في دمشق وحرق المسجد العلوي في ريف حمص وتفجير تدمر الذي طال قوات أمريكية.
وفي خضم هذا الواقع يستمر الحزب التركستاني الإرهابي كلاعب أمني مثير للقلق في الحسابات الإقليمية والدولية فرغم أن الحزب تأسس لأهداف انفصالية تتعلق بإقليم شينجيانغ الصيني، إلا أن دخوله إلى سوريا منذ عام 2011 أعاد تشكيل ملامحه، ووضعه في قلب المشهد الإرهابي العالمي، وما حدث بعد الثامن من كانون الأول 2024، أي بعد سقوط نظام بشار الأسد، قلب قواعد اللعبة، فالحزب الذي كان في طليعة التنظيمات السلفية الإرهابية أعلن حل نفسه واندماجه في وزارة الدفاع السورية الجديدة شكل عامل قلق مضاعف عن طبيعة الجيش المستقبلي وكيفية بناء عقيدته الوطنية مع وجود هؤلاء الذين ليس لهم أي صلة بسوريا ولا بتطلعاتها.
فباتت الخطوة مكشوفة للكثيرين وتبين حجم المراوغة التي تنتهجها هذه التنظيمات الراديكالية وفق لعبة “إعادة تدوير” الإرهاب تحت عباءة الدولة، ما يثير تساؤلات حادة حول مستقبل السلم الأهلي في سوريا، خصوصا أنه أعاد حل نفسه مرة أخرى في 18 أيار 2025، وأصبح الفرقة 88 مما أطلق عليه الجيش السوري.
مجموعة التركستاني الإرهابي وكونها مجموعة أجنبية واجهت تحديات في الاندماج المجتمعي السوري فحاولت تجاوز ذلك عبر إنشاء تجمعات خاصة بها باعتبارها جسماً غريباً في الجسد السوري فسارعت لتقديم خدمات محدودة لأسر عناصرها مع تجنب الاحتكاك المباشر مع المجتمع الأوسع إلا عند الضرورة كونها لا تثق أصلاً بالمجتمعات المحلية وتحاول البقاء على نفسها بالالتفاف حول ذاتها وهو ما برز في قضية مخيم حارم عندما تمت المشاحنة بين عناصر أجنبية تتبع للمجموعة والحكومة المؤقتة التي حلت الخلاف على عجل.
فبعد سقوط النظام وإدراك مجموعة التركستاني الإرهابي تغيّر موازين السيطرة فضلت البقاء في الشمال الغربي من سوريا، حيث اعتمد نهجاً براغماتياً منفعياً في العلاقة مع الحكومة المؤقتة بعد أن خفّفت من ظهورها الإعلامي، وفضّلت التنسيق الميداني على المواجهة المفتوحة، مع الحفاظ على قوتها العسكرية وفق قاعدة أساسية قائمة على “البقاء يتطلب المرونة”.
لكن ورغم هذا السلوك البراغماتي تبقى مجموعة التركستاني تحت وطأة التصنيف الإرهابي الواسع من دول وهيئات دولية حيث يستند هذا التصنيف إلى عدة عوامل أولها تبنّي خطاب متطرف عابر للحدود، المشاركة في أعمال قتالية منظمة، والارتباط بشبكات متطرفة حيث ينتمي الحزب إلى منظومة الإرهاب العالمي، وليس كفاعل محلي محدود، وهو ما يضعه تحت مجهر أمني دائم.
فوفقاً لما سلف من تقييم لواقع الحال الذي وصلت إليه سوريا اليوم يبقى السوريون مغيبون عن حقيقة من يتولى دفة إدارة المشهد في البلاد فبين التركستاني وأنصار السنة والنصرة وغيرها من الأسماء الكثيرة يبقى السوريون يواجهون الخطر الحقيقي في رسم معالم مستقبل بلادهم وكيفية الوصول إلى الحالة الوطنية الجامعة في ظل هذه التشكيلات والتنظيمات التي باتت تهيمن على صناعة القرار، وتشكل الدولة غطاءً لها ولأجندتها العابرة للحدود والمستوردة من الخارج تاركين آخر أولوياتهم الشعب السوري وتطلعاته في العيش بحرية وكرامة وعدالة.
No Result
View All Result