محمد عيسى
منذ الأسبوع الأول من كانون الثاني 2026، لم تعد سوريا والعراق مسرحين منفصلين لأزمات متجاورة، بل تحوّلا إلى ساحة واحدة مفتوحة، تُدار فيها معركة إقليمية كبرى، ذات طابع مذهبي واضح، وتحت رعاية غير معلنة من القوى الدولية المهيمنة، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية. ما يجري اليوم ليس انفلاتاً عشوائياً للأحداث، ولا نتيجة أخطاء محلية معزولة، بل هو مسار مدروس، تُحرّكه حسابات دقيقة، ويُنفّذ بأدوات معروفة، تبدأ من تفكيك الجيوش وإعادة تركيبها، ولا تنتهي عند فتح السجون وإطلاق أكثر العناصر تطرفاً إلى قلب الجغرافيا المنهكة.
ولادة المرحلة الدموية الجديدة
في 29 كانون الثاني 2025، دخل أحمد الشرع دمشق بوصفه رئيس الحكومة السورية المؤقتة، وسط صمت دولي ثقيل، وترحيب غربي حذر لم يرقَ إلى مستوى الدعم العلني. الدخول بحد ذاته لم يكن الحدث الأخطر، بل السياق السياسي ـ الأمني الذي رافقه، والذي كُتب له أن يشكّل نقطة الانطلاق لمسار دموي متدرّج. فخلال الفترة الممتدة بين تشرين الثاني 2025 وكانون الثاني 2026، جرى دمج ما بين 45 ألفاً و60 ألف مرتزق، بينهم مرتزقة أجانب، في ما سُمّي بـ«الجيش السوري الجديد»، دون أي آلية تدقيق أيديولوجي أو أمني حقيقية، ودون مراجعة لتاريخهم القتالي أو ارتباطاتهم السابقة. تقارير أمنية غربية، ولا سيما تلك الصادرة عن مراكز أبحاث مرتبطة مباشرة بدوائر القرار في البنتاغون، أشارت إلى أن ما لا يقل عن 35% من هؤلاء المرتزقة سبق أن قاتلوا ضمن مجموعات ذات خلفيات سلفية متطرفة، بعضها كان مدرجاً على لوائح الإرهاب الدولية حتى سنوات قليلة مضت. هذا الدمج المتسارع لم يكن خطأً إدارياً أو نتيجة ضعف مؤسساتي، بل خياراً سياسياً مقصوداً، هدفه تشكيل كتلة عسكرية سنّية ضخمة، عقائدية، قابلة للاشتعال عند الحاجة.
قبل أسابيع قليلة من دخول الشرع دمشق، وتحديداً في كانون الأول 2025، جرت سلسلة لقاءات غير معلنة بين ممثلين عن فريقه السياسي ومسؤولين في الإدارة الأمريكية الجديدة، التي عادت إلى البيت الأبيض بخطاب أكثر صدامية تجاه إيران ومحورها. جوهر هذه التفاهمات كان واضحاً: ضمان بقاء الشرع في السلطة مقابل الانخراط في مواجهة مباشرة، أو غير مباشرة، مع القوى الشيعية في الإقليم. منذ تلك اللحظة، بدأت دمشق تتحول تدريجياً من عاصمة “مرحلة انتقالية” إلى غرفة عمليات لصراع مذهبي مؤجل، أدرك الغرب مخاطره، لكنه اختار عدم التدخل، مفضّلاً إدارة الانفجار لاحقاً من الخارج.
المسار الميداني أكّد هذا التوجّه. ففي السادس من آذار 2025، اندلعت اشتباكات الساحل السوري عندما شنّت قوات الحكومة السورية المؤقتة هجوماً واسعاً على مناطق ذات غالبية علوية، في أول اختبار دموي لنهج السلطة الجديدة. لاحقاً، وفي 12 تموز 2025، انتقلت المواجهات إلى الجنوب، مع بدء هجوم عسكري على السويداء ذات الغالبية الدرزية، ما وسّع دائرة الاستهداف لتشمل الشعوب بأديانهم المتعددة.
في الثالث من كانون الثاني 2026، فتحت الحكومة السورية المؤقتة جبهة جديدة عبر مهاجمة مواقع سيطرة قوات سوريا الديمقراطية في شمال وشرق سوريا. وعلى هذا الأساس، وابتداءً من 13 كانون الثاني 2026، شنّت قوات الحكومة هجوماً متطرفاً مباشراً على المعابر الحدودية الشرقية، ولا سيما في البوكمال، وريف دير الزور الشرقي، وأطراف البادية السورية. هذا الهجوم لم يكن إجراءً دفاعياً، بل عملية عدوانية محسوبة استهدفت قطع الشريان اللوجستي الذي ربط العراق بسوريا لعقود، والذي اعتمدت عليه مجموعات الحشد الشعبي وحزب الله في مرحلة نظام الأسد الأب والابن. ما جرى كان تنفيذاً حرفياً لتفاهم أمريكي ـ سوري غير معلن، هدفه تفجير خطوط التماس المذهبي في الشرق السوري.
بالتوازي، وسّعت قوات الحكومة السورية المؤقتة من هجماتها لتشمل سجون داعش في شمال وشرق سوريا، الخاضعة لحماية قوات سوريا الديمقراطية. هذه الهجمات لم تستهدف مكافحة الإرهاب، بل جاءت في سياق تحرير عناصر مرتزقة داعش من أبناء الفكر المتطرف ذاته، عبر خلق فوضى أمنية مقصودة، ومحاولات كسر محيط السجون وإضعاف منظومة حمايتها. لم يكن ما حدث خطأً ميدانياً، بل جزءاً من خطة واعية لإعادة تدوير الإرهاب.
وفي الوقت نفسه، بدأت الولايات المتحدة إخلاءً تدريجياً لقواعدها العسكرية في العراق، ولا سيما في الأنبار ونينوى. هذا الإخلاء لم يكن انسحاباً بريئاً، بل إعادة تموضع مدروسة، تُركت فيها الساحة العراقية ـ السورية أمام سيناريو انفجار داخلي واسع، تُدار فيه المواجهات بأدوات محلية، فيما تبقى خيوط اللعبة الحقيقية بيد القوى المهيمنة.
المفتاح الخبيث لإعادة إشعال الحرب المذهبية
لم يكن ملف سجون داعش، منذ سقوط “الخلافة” المزعومة عام 2019 على يد قوات سوريا الديمقراطية، ملفاً إنسانياً أو أمنياً بحتاً، كما جرى تسويقه في الخطاب الدولي والأمريكي بحد سواء، بل تحوّل تدريجياً إلى أداة استراتيجية خطرة، تُدار بعناية من قبل القوى الكبرى، وتُستخدم عند الحاجة لإعادة تفجير الجغرافيا المذهبية في سوريا والعراق. السجون، التي تضم آلاف المقاتلين الأكثر تطرفاً وخبرةً في القتل والتنظيم، لم تُعامل يوماً كقنابل موقوتة يجب تفكيكها، بل كـمخزون بشري جاهز لإعادة التدوير.
في 21 كانون الثاني 2026، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية إطلاق مهمة جديدة لنقل معتقلي داعش من مناطق شمال وشرق سوريا إلى الأراضي العراقية. المرحلة الأولى من العملية شملت نقل 150 معتقلاً من أحد مراكز الاحتجاز في الحسكة، وسط خطة معلنة لنقل ما يصل إلى 7000 معتقل خلال الأشهر اللاحقة. الخطوة قُدّمت إعلامياً بوصفها إجراءً احترازياً لتخفيف الضغط عن السجون، لكنها في الواقع فتحت الباب أمام أخطر سيناريو أمني منذ سنوات.
الأخطر من عملية النقل نفسها، ما جرى بالتوازي وبعيداً عن الأضواء: تسريبات مؤكدة عن عمليات إفراج غير معلنة عن عشرات العناصر المتطرفة من سجون خاضعة لسيطرة الحكومة السورية المؤقتة، تحت ذرائع فضفاضة مثل “إعادة التأهيل” أو “نقص الأدلة”. هذه الإفراجات، التي وثّقتها مصادر محلية في دير الزور وتدمر، لم تكن حالات فردية، بل جزءاً من نمط متكرر، أتاح لعناصر شديدة الخطورة العودة إلى الميدان خلال أسابيع.
نتيجة ذلك، شهد مثلث الرقة – دير الزور – تدمر إعادة تنشيط سريعة للخلايا النائمة، مع تسجيل ارتفاع ملحوظ في عمليات الاغتيال، التحركات الليلية، وإعادة بناء شبكات التمويل والدعم اللوجستي. بدا واضحاً أن داعش لا “يعود” من تلقاء نفسه، بل يُعاد إطلاقه عمداً، وبوتيرة محسوبة.
إعادة ضخ داعش في المشهد لا تخدم داعش كغاية بحد ذاتها، بل تخدم السيناريو الأكبر: خلق عدو سنّي متطرف، يُستخدم لاحقاً لتبرير حرب شاملة، تُستنزف فيها البيئات السنية أولاً، وتُدفع إلى مواجهة مزدوجة وقاتلة؛ مواجهة مع داعش من جهة، ومع القوى الشيعية من جهة أخرى. هكذا تُفتح الطريق أمام حرب مذهبية طويلة، تُدار من الخارج، ويُترك الداخل ليحترق وحده.
التحشدات والذاكرة المفتوحة
العراق، الذي لم يلتئم جرحه منذ سقوط الموصل بيد مرتزقة داعش في العاشر من حزيران 2014، يجد نفسه اليوم أمام إعادة إنتاج شبه حرفية لذلك السيناريو. خلال الأسابيع الأخيرة من كانون الثاني 2026، رُصدت تحشدات عسكرية غير مسبوقة في الأنبار، صلاح الدين، أطراف نينوى، والمناطق المحاذية للحدود السورية. هذه التحركات، التي شملت مجموعات سنية مسلحة وأخرى مرتبطة بالحشد الشعبي، تعكس إدراكاً متزايداً بأن المواجهة القادمة لن تكون محدودة.
في هذا السياق، جاء الاتصال الذي أجراه رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني مع القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية الجنرال مظلوم عبدي في 20 كانون الثاني 2026. الاتصال لم يكن بروتوكولياً بل كان أمنياً بحتا، حمل رسالة واضحة: بغداد تخشى عودة داعش، وتخشى أكثر أن تُدفع مرة أخرى إلى حرب مذهبية مدمّرة، تُدار من الخارج.
السوداني، الذي يواجه ضغوطاً داخلية هائلة، يدرك أن أي انفجار في شمال وشرق سوريا سينعكس فوراً على غرب العراق، وأن فتح السجون أو غضّ الطرف عن تحركات المتطرفين سيعني تكرار مشهد 2014، ولكن بأدوات أشد فتكاً، وخبرة دموية أكبر.
السؤال الجوهري هنا لماذا تندلع الحرب؟ بل من المستفيد من استمرارها؟ الوقائع تشير بوضوح إلى أن الاستراتيجية الأمريكية لا تقوم على انتصار طرف مذهبي على آخر، بل على استنزاف الطرفين معاً. السنة يُدفعون إلى حروب داخلية مدمّرة، عبر تطرف مُعاد تدويره، والشيعة يُستنزفون عبر مواجهات مفتوحة، وعقوبات، وضغوط اقتصادية وأمنية. هذه الاستراتيجية ليست جديدة. منذ الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، كان إشعال التناقضات المذهبية أحد أدوات السيطرة. اليوم، تُعاد هذه السياسة ولكن على نطاق أوسع، يشمل سوريا والعراق ولبنان، ويُترك فيها اللاعبون المحليون ليحترقوا بأنفسهم.
فتح السجون، إعادة تدوير داعش، دمج المتطرفين في جيوش “نظامية”، وغضّ الطرف عن التحشدات، كلها أدوات في مخطط واحد: إبقاء الشرق الأوسط في حالة حرب دائمة، تمنع أي استقرار حقيقي، وتُبقي الحاجة قائمة للوجود العسكري والسياسي الدولي.
لماذا تبقى نيران الشرق الأوسط مشتعلة؟
بقاء نيران الحرب مشتعلة في الشرق الأوسط لم يعد نتيجة عجز دولي أو فشل متراكم في إدارة الأزمات، بل بات خياراً سياسياً واعياً تتبناه القوى المهيمنة على النظام العالمي. فالاستقرار، في حسابات هذه القوى، ليس قيمة بحد ذاته، بل تهديد مباشر لمعادلات السيطرة. منطقة مستقرة تعني دولاً تمتلك هامش قرار، واقتصادات قادرة على التعافي، وشعوباً تبدأ بطرح أسئلة السيادة والعدالة والثروة. أما منطقة غارقة في الصراعات، فهي مساحة قابلة للإدارة عن بُعد، تُحكم عبر الأزمات لا عبر الشراكات.
خلال العقدين الماضيين، تحوّل الشرق الأوسط إلى مختبر مفتوح لإدارة النزاعات طويلة الأمد. لا حروب فاصلة تُنهي الصراع، ولا سلام حقيقي يُغلق ملفاته، بل نزف متواصل يُعاد إشعاله كلما اقتربت أي دولة من استعادة توازنها. في هذا السياق، تُستخدم الانقسامات المذهبية والإثنية بوصفها وقوداً مثالياً: رخيصاً، متجدداً، وقادراً على تدمير المجتمعات من الداخل دون الحاجة إلى تدخل عسكري مباشر.
وفق تقديرات صادرة عن مراكز أبحاث غربية خلال الأشهر الأخيرة، فإن الإقليم يقف على حافة انفجار شامل خلال فترة لا تتجاوز اثني عشر شهراً. هذا الانفجار لن يأتي على شكل حرب تقليدية بين دول، بل كسلسلة انهيارات متتابعة: مدن تفقد السيطرة الأمنية، سجون تُفتح أو تُخترق، جماعات مرتزقة تعود للظهور بأسماء جديدة، ومجتمعات تُدفع قسراً إلى الاحتراب الداخلي. في مثل هذا المشهد، لا تعود الخريطة السياسية كما كانت، بل تُعاد كتابتها وفق موازين الدم لا وفق القانون.
ما يجري اليوم في سوريا والعراق ليس ارتباكاً في القرار، ولا نتاج ضعف محلي فقط، بل تعبير واضح عن سياسة إدارة الفوضى. فحين تُترك بؤر التوتر بلا حلول، وحين يُغذّى التطرف بشكل غير مباشر، يصبح العنف أداة وظيفية، لا ظاهرة طارئة. التاريخ القريب يعلّم أن الحروب التي يُقال إنها “اندلعت فجأة” تكون في الواقع قد نضجت طويلاً في الظل.
الشرق الأوسط يُعاد تشكيله اليوم بالقوة، لا عبر التسويات. والسؤال الحقيقي لم يعد متى تشتعل الحرائق، بل أي المجتمعات ستُترك بلا حماية، وأيها سيُسمح له بالنجاة، ومن سيدفع الثمن الأكبر في لعبة الأمم المستمرة.




