No Result
View All Result
حمزة حرب
التحولات الدراماتيكية التي طرأت في شمال وشرق سوريا وما رافقها من حالة فوضى متزامناً فتحت الباب على مشهد مؤلم للكثيرين وهي ظاهرة التعفيش والنهب والسلب التي طالت المؤسسات الإدارية والخدمية والاقتصادية خصوصاً في الرقة ودير الزور وريف الحسكة، حيث استفحلت هذه الظاهرة التي ألفها السوريون على زمن النظام السابق عندما كان يدخل كل مدينة أو منطقة.
تكرار الظاهرة دفع السكان الى التوجس خيفة كونها تضر بالمصلحة الوطنية العليا للمجتمع وتؤثر على النسيج الاجتماعي والاقتصاد المحلي، ففي دير الزور والرقة، عاد هذا المشهد بقوة، رغم الآمال التي علّقها السكان على المرحلة الانتقالية وأن يكون هناك مرحلة بناء جديدة لسوريا قائمة على التفاهمات بين الإدارة الذاتية والحكومة المؤقتة في دمشق لكن ما حدث خيب آمال الكثيرين وأعاد للأذهان سيناريوهات مقيتة سابقة.
التعفيش أو النهب.. ظاهرة مقيتة
في السياق السوري يشير مصطلح “التعفيش” إلى نهب الممتلكات بعد السيطرة العسكرية، سواء كانت منازل، ومؤسسات عامة، ومشافي، ومدارس، أو بنى تحتية وغالباً ما يتم ذلك بشكل علني وبحماية السلاح أو في ظل غياب الردع الأمني والقانوني اللازم لذلك، وهو نتاج طبيعي لحالة الفوضى المفرطة التي تفرض في بعض المناطق.
على مدى سنوات، خضعت دير الزور، والرقة لسلطات مختلفة ومجموعات متعددة لحين تحررت على يد قوات سوريا الديمقراطية “قسد” من مرتزقة داعش الإرهابي، وباشرت الإدارة الذاتية تشكيل المؤسسات المدنية والخدمية عبر هياكل محلية ما خلق شكلاً من أشكال الاستقرار الإداري والخدمي والأمني بقيت تسير أمور الحياة العامة في هذه المناطق، خصوصاً في إدارة البلديات والتعليم وبعض القطاعات الخدمية.
كان السكان قد اعتادوا على منظومة محددة بموظفين معروفين، ومؤسسات قائمة، وسجلات وأرشيفات إدارية، ما جعل أي تغيير مفاجئ في السلطة يحمل بالضرورة مخاطر الفراغ والفوضى، وهذا ما عمدت الحكومة المؤقتة على انتهاجه خصوصاً في الرقة ودير الزور، وكل ذلك للضغط على قسد. تمت السيطرة على المدينتين في ظل ظروف سياسية وأمنية معقدة، وبوتيرة متسارعة، دون الإعلان عن خطة انتقال واضحة لإدارة المؤسسات وحماية الممتلكات هذا الفراغ وفق شهادات محلية، شكّل البيئة المثالية لانتشار التعفيش، سواء من عناصر مسلحة غير منضبطة، أو مجموعات مدنية استغلت حالة الانفلات.
في الخطاب الرسمي، غالباً ما يُقدَّم التعفيش على أنه تجاوزات فردية أو “أفعال غير منضبطة” لا تمثل السلطة لكن في دير الزور والرقة، بدا المشهد أكثر تعقيداً من حوادث معزولة، فالتكرار والاتساع الجغرافي وتنوّع الأهداف من مؤسسات خدمية إلى ممتلكات عامة حوّل الظاهرة إلى عرضٍ لمرض أعمق غياب منظومة الضبط في لحظة انتقال حسّاسة.
تبعات خطيرة
الأخطر في ظاهرة التعفيش أنها لا تدمّر الممتلكات فقط، بل تستبيح فكرة الدولة ذاتها فحين يُنهب مقرّ خدمي أو تُفرّغ مؤسسة عامة، لا تُسرق أشياء مادية فحسب، بل يُنتزع من المواطنين إحساسهم بأن هناك “ملكية عامة” مصانة بالقانون.
في الرقة تحدّث شهود عيان عن مكاتب أُفرغت من الأرشيف، وعن أجهزة خدمية اختفت قبل أن يُعاد تشغيلها لم تكن هذه الأجهزة ملكًا شخصياً انما ملكاً عاماً وخدمياً وأدوات حياة يومية: كهرباء، مياه، سجلات، تجهيزات بلدية. لا يولد التعفيش في الفراغ، إنه ابن شرعي للفوضى، والفوضى في دير الزور والرقة لم تكن صدفة فالمرحلة الانتقالية بطبيعتها، هشّة، وتحتاج إلى انضباط مضاعف لا إلى تساهل لكن ما جرى كان العكس في وقت تتخذ فيه الحكومة المؤقتة قرارات متأخرة، تسلسل قيادة غير واضح، وتداخل بين العسكري والأمني والخدمي.
ولمدنيي دير الزور والرقة، لم تكن السيطرة العسكرية الأخيرة بداية لمرحلة استقرار، بل تحوّلت في أيامها الأولى إلى فصل جديد من المعاناة، فالحرب وإن خفّ صوت سلاحها، تركت خلفها فراغاً ملأته الفوضى، ومعها تمدّدت ظاهرة التعفيش لتصيب جوهر الحياة المدنية، لا أطرافها فقط.
التعفيش في جوهره ليس مجرد فعل سرقة، بل عملية تجريد جماعي للمدنيين من أدوات حياتهم حين تُنهب مستشفيات أو مراكز صحية أو مدارس أو شبكات خدمية، فإن الأثر لا يُقاس بقيمة المسروقات، بل بعدد الأرواح المتأثرة.
في الرقة، تعطّلت مرافق خدمية بعد فقدان تجهيزاتها وفي دير الزور واجهت أحياء كاملة صعوبة في الوصول إلى خدمات أساسية نتيجة نهب معدات أو مستودعات وهنا يتحوّل التعفيش من جريمة ضد الملكية إلى جريمة ضد الحياة اليومية.
وفي كل مراحل النزاع السوري، كان المدني هو الحلقة الأضعف، لكن ما ميّز مرحلة الفوضى الأخيرة هو أن الضرر جاءه من حيث لم يكن يتخيله فالمدني الذي صمد سنوات تحت تداعيات الأزمة السورية، ونعم بالاستقرار في حقبة الإدارة الذاتية، وجد نفسه عاجزاً أمام مجموعات تعبث بممتلكاته دون رادع ووسط حالة من الفوضى التي رافقت ذلك.
التبعات النفسية للفوضى والتعفيش لا تقل خطورة عن الخسائر المادية فالمجتمعات التي تعيش في حالة ترقّب دائم تفقد قدرتها على التخطيط، على العمل، وعلى إعادة البناء في الأحياء المتضررة أصبح الليل وقت قلق لا راحة، وبات الصمت مؤشراً للخطر لا للهدوء، وتحولت البيوت إلى أماكن هشّة لا ملاذاً آمناً هذا الضغط النفسي المستمر يُنتج مجتمعاً مُنهكاً، سريع الانفجار، ضعيف التماسك. فالفوضى والتعفيش ضربا الاقتصاد المحلي في مقتل فالمحلات التي نُهبت، والمستودعات التي أُفرغت، ورأس المال الصغير الذي اختفى، كلّها عوامل دفعت مزيد من العائلات إلى الفقر ما خلق واقعاً مريراً من بطالة متزايدة، هجرة داخلية وخارجية، واعتماد أكبر على المساعدات وهكذا، تتحول الفوضى من أزمة أمنية إلى أزمة معيشية شاملة.
النساء والأطفال.. معاناة مضاعفة
في حالات الفوضى، تكون النساء وكبار السن أول المتضررين فالخوف، وانعدام الخدمات، وفقدان الأمان، يضاعف معاناتهم ناهيك عن نساء فقدن مصادر رزقهن، وكبار سنّ عاجزون عن حماية ممتلكاتهم، وأسر أُجبرت على الصمت خوفاً من الانتقام أو الفوضى الأكبر.
وهنا يصبح التعفيش عاملاً في تفكيك البنية الاجتماعية فما جرى في دير الزور والرقة لا يمكن فصله عن مفهوم المصلحة الوطنية العليا فالدولة التي تسمح عجزاً أو تساهلاً بالفوضى والتعفيش، تضعف نفسها قبل أن تضعف مجتمعها. المصلحة الوطنية لا تتحقق بالسيطرة فقط، بل في حماية المدنيين، وحفظ الممتلكات العامة، وفرض القانون بعدل وسرعة وكل تأخير في ذلك، يُراكم خسائر يصعب ترميمها لاحقاً فما يحدث يبعث بمؤشرات أخطر وهي الفوضى التي لا تعتبر بقيمة ما نُهب، بل ما فُقد من ثقة في من لديه القدرة بإدارة شؤونه.
وهذا ما يهدد أي مشروع وطني جامع، لأن الدولة بلا ثقة مجتمعها، مجرد هيكل بلا روح فما حدث في دير الزور والرقة يثبت حقيقة واحدة أن النساء اللاتي كن يعملن في المؤسسات وكن عوناً لعوائلهن اليوم عدن لضغوط الحياة دون معيل او سند ما يفاقم معاناتهن وهذا ليس تفصيلًا في معادلة السلطة، بل جوهرها.
فالفوضى والتعفيش لم يكونا مجرد أخطاء مرحلة انتقالية، بل اختباراً حقيقياً لفكرة الدولة ذاتها إما أن تكون الدولة حامية للناس، أو تتحول بقصد أو بدونه إلى شاهد صامت على معاناتهم لأن الوطن ليس شعاراً يُرفع في الخطب، ولا مجرد حدود على الخريطة.
الوطن يجب أن ينعم الجميع به بالأمن والأمان والاستقرار يجب أن يكون هو حياة يومية يعيشها الناس في بالكرامة والعدالة وعندما تتصدّع هذه الحياة، يبدأ الوطن نفسه بالتآكل، حتى وإن بقي الاسم والراية، ففي المراحل الانتقالية التي تعيشها الدول الخارجة من الصراع، يصبح السؤال المصيري: كيف نحافظ على الوطن؟ وكيف نبنيه؟
هذا السؤال لا يخصّ السياسيين وحدهم، بل يمسّ كل مواطن، لأن بناء الدولة ليس حدثاً لحظياً، بل مساراً طويلاً يتطلّب وعياً جماعياً، وإرادة سياسية، ومؤسسات تحمي الجميع دون استثناء وهذا ما يجب ان يكون ابسط حقوق المواطنة في أي بلد بالعالم.
ولفرض واقع آمن للجميع يجب ألا يكون الوطن مبنياً على الإقصاء فالمجتمعات المتنوعة لا تستقر إلا عبر عقد اجتماعي جامع يعترف بالجميع دون تمييز وينطلق من المصالحة الوطنية التي لا تعني تبرئة المجرمين، بل تعني إشراك كل من لم تتلطخ يداه بالدماء في بناء المستقبل واحترام التعدد السياسي والاجتماعي، ورفض منطق الغالب والمغلوب.
الدولة التي تُقصي جزءاً من شعبها، تزرع بذور انقسامها القادم لذا فإن الحفاظ على الوطن ليس مسؤولية السلطة وحدها فالمواطن شريك في البناء عبر احترام القانون، حماية الممتلكات العامة، والمشاركة في الشأن العام بوعي وسلمية.
لأنه عندما يتحول المواطن من متفرج إلى شريك، تصبح الدولة أقوى من أي تهديد وبالتالي الحفاظ على الوطن وبناء الدولة لأنهما ليسا حدثاً ينتهي بإعلان حكومة، بل مشروعاً دائماً يحتاج إلى شجاعة في الاعتراف بالأخطاء، وإرادة في الإصلاح، وصبر على البناء.
No Result
View All Result