No Result
View All Result
محمد عيسى
في لحظة سورية مشحونة بالدم والرماد، ومع تصاعد العمليات العدوانية التي تنفذها مرتزقة الحكومة المؤقتة ضد مناطق شمال وشرق سوريا، تعود واحدة من أخطر الملفات الأمنية في العالم إلى الواجهة: ملف سجون مرتزقة داعش. هذا الملف، الذي لم يكن يوماً محلياً أو إقليمياً فحسب، بل ظلّ لعقد كامل ملفاً دولياً عابراً للحدود، بات اليوم مهدداً بالانفجار الكامل، في ظل هجمات مباشرة، وتراخٍ دولي مريب، وتقاطعات إقليمية تعيد طرح السؤال الأخطر: هل نحن أمام مشروع واعٍ لإعادة توليد داعش بنسخ جديدة؟
تحذيرات قوات سوريا الديمقراطية لم تأتِ من العدم. فالمشهد الميداني منذ مطلع كانون الثاني 2026 يكشف عن انتقال الصراع من خطوط التماس العسكرية إلى عمق البنية الأمنية التي تشكّل آخر سدٍّ في وجه عودة الإرهاب: السجون والمخيمات. ومع كل قذيفة تسقط قرب أسوار السجون، ومع كل هجوم يُشنّ على منشأة احتجاز تضم آلاف الدواعش، تتآكل سنوات من التضحيات، ويقترب شبح الفوضى من إعادة إنتاج نفسه، لا في سوريا وحدها، بل في الإقليم والعالم.
حين دخل الإرهاب قلب المعركة
في 19 كانون الثاني 2026، انتقلت التحذيرات من خانة التنبيه السياسي إلى مستوى الإعلان الصريح عن انهيار خطير في واحدة من أكثر الجبهات حساسية في ملف مكافحة الإرهاب. ففي ذلك اليوم، أكدت قوات سوريا الديمقراطية أن سجن الشدادي، الذي يُعدّ من أخطر وأكبر مراكز احتجاز عناصر داعش في شمال وشرق سوريا، خرج فعلياً عن سيطرتها عقب سلسلة هجمات منظمة ومتكررة نفذتها مجموعات تابعة للحكومة المؤقتة. لم يكن الإعلان توصيفاً عابراً لحدث أمني، بل إقراراً بتحوّل ميداني ثقيل الدلالة، يضع المنطقة برمّتها أمام مرحلة جديدة من الفوضى المحتملة.
ووفق البيان الصادر عن المركز الإعلامي لقسد، بدأت الهجمات منذ ساعات الصباح الأولى، واتسمت بكثافة نارية عالية، حيث استُخدمت المدفعية الثقيلة والدبابات في استهداف مباشر لمحيط السجن، في مشهد غير مسبوق ضد منشأة احتجاز يُفترض أنها محمية بموجب قواعد القانون الدولي الإنساني واتفاقيات مكافحة الإرهاب. وتكرار الهجمات على مدار اليوم ذاته، وبالوتيرة نفسها، كشف بوضوح أن ما جرى لم يكن ردّ فعل ميدانياً أو اشتباكاً عارضاً، بل محاولة اقتحام مدروسة، سعت إلى إرباك الدفاعات وخلق ثغرات تسمح بانفلات أمني واسع.
الخطورة الاستثنائية في هذا التطور لا تكمن في طبيعة الهجوم فحسب، بل في المكان والسياق. فسجن الشدادي يقع على بُعد نحو كيلومترين فقط من قاعدة للتحالف الدولي، ومع ذلك، لم تُسجَّل أي استجابة رغم النداءات المتكررة التي أطلقتها قوات قسد. هذا الغياب، الذي يصعب تفسيره بالقصور أو التأخير التقني، أثار أسئلة عميقة حول طبيعة الدور الدولي وحدوده، وحول ما إذا كان الصمت جزءاً من توازنات سياسية وأمنية تتجاوز السجن نفسه.
وقبل ساعات قليلة من هذا الإعلان، كشفت قسد أيضاً عن قصف سجن الأقطان شمال مدينة الرقة بدبابات ومدفعية مرتزقة الحكومة المؤقتة، في ثالث محاولة اقتحام خلال اليوم ذاته. هذا التزامن الزمني بين استهداف سجنين يضمان عناصر داعش لا يمكن فصله عن سياق أوسع، يُظهر أن المعركة تجاوزت كونها اشتباكاً محلياً، لتتحول إلى تهديد مباشر لمنظومة الأمن الدولي. ومع كل شهيد ارتقى دفاعاً عن أسوار السجون، بات واضحاً أن ما يُخاض اليوم ليس معركة على منشأة احتجاز، بل مواجهة مفتوحة مع مشروع فوضى إرهابي قد يعيد العالم سنوات إلى الوراء.
أرقام تشرح حجم الكارثة
لا يمكن فهم خطورة ما جرى في سجن الشدادي بمعزل عن الخريطة الكاملة لمنظومة سجون داعش في مناطق شمال وشرق سوريا، وهي منظومة شديدة التعقيد والحساسية، تضم اليوم تسعة سجون رئيسية تؤوي مجموعها ما يقارب 12 ألف سجين من عناصر داعش، ينحدرون من 70 جنسية مختلفة، تتصدرهم الجنسيات السورية والعراقية، إلى جانب مئات من الجنسيات الآسيوية والأوروبية والعربية. هذه الأرقام، في حد ذاتها، تفسّر لماذا يشكّل أي اختلال أمني في هذه المنطقة تهديداً يتجاوز حدود سوريا، ويمسّ الأمن الإقليمي والدولي بصورة مباشرة.
غير أن الخطر لا يكمن في العدد وحده، بل في التوزيع الجغرافي وطبيعة هذه السجون. ففي مدينة الحسكة وحدها، يبرز سجن غويران بوصفه أخطر هذه المنشآت، إذ يُعدّ أكبر سجن في العالم يضم عناصر داعش، ويحتجز نحو خمسة آلاف من أخطر قادة وعناصر المرتزقة الإرهابية، معظمهم من أصحاب الخبرة القتالية والتنظيمية العالية. هذا السجن، الذي كان منشأة حكومية قبل الحرب، تحوّل بعد سقوط آخر معاقل داعش في الباغوز في آذار 2019 إلى مركز احتجاز مركزي، وأصبح منذ ذلك الحين هدفاً دائماً لمحاولات التمرّد والاقتحام.
إلى جانبه، يقع سجن الصناعة داخل نسيج سكني مكتظ في الحسكة، وهو ما يضاعف من خطورته. هذا السجن، الذي كان في الأصل مدرسة “الثانوية الصناعية”، يضم أكثر من ألف داعشي، ويجعل أي هجوم عليه تهديداً مباشراً للمدنيين قبل أن يكون تهديداً أمنياً. أما شرق الشدادي، فيقع سجن كامبا البلغار، الذي يضم نحو خمسة آلاف عنصر من داعش، في منطقة عسكرية محصنة قرب قاعدة أمريكية، ما يجعل أي استهداف له ذا دلالات سياسية وأمنية بالغة الحساسية، خاصة في ضوء الصمت الدولي الذي رافق هجمات كانون الثاني 2026.
وفي ريف الحسكة الشمالي، يوجد سجن ديرك (دارك)، وهو سجن تحت الأرض يضم مئات من عناصر داعش، بينما يحتجز سجن الكسرة في ريف دير الزور الغربي نحو 500 داعشي من القيادات البارزة. ويُضاف إلى ذلك سجون رميلان ونافكر في قامشلو، التي تضم مئات السجناء الآخرين. هذا الانتشار الواسع، المرتبط بإمكانات محدودة لقوات قسد، يجعل أي تصعيد عسكري – كما حدث في الشدادي والرقة – كارثة أمنية محتملة، قادرة على إعادة المنطقة إلى نقطة الصفر، وفتح أبواب السجون أمام فوضى لا يمكن ضبطها بسهولة.
الهول بؤرة الإرهاب الاخطر
لا يكتمل مشهد الخطر الذي انكشف مع سقوط السيطرة على سجن الشدادي واستهداف سجون الحسكة والرقة، دون التوقف عند الوجه الآخر من المعادلة الأمنية في شمال وشرق سوريا، والمتمثّل في مخيمات عوائل مرتزقة داعش، وفي مقدمتها مخيم الهول. فإلى جانب آلاف السجناء المحتجزين خلف الأسوار، يعيش في هذه المخيمات عشرات الآلاف من النساء والأطفال المرتبطين بعناصر المرتزقة، في فضاءات مغلقة تحوّلت، على مدى السنوات الماضية، إلى بيئات شديدة الهشاشة، تُعاد فيها إنتاج العقيدة الجهادية بصورة بطيئة ومنهجية، بعيداً عن أعين العالم.
مخيم الهول، الذي أُقيم بوصفه حلاً إنسانياً مؤقتاً بعد هزيمة داعش عسكرياً في آذار 2019، تحوّل مع الوقت إلى مختبر أيديولوجي، تُمارَس فيه أشكال مختلفة من الترهيب الفكري والاجتماعي، وتُفرض فيه قوانين غير معلنة على القاطنين، خصوصاً من قبل النساء المتشددات المواليات للمرتزقة. وفي ظل غياب حلول دولية جذرية لإعادة هؤلاء إلى بلدانهم الأصلية، بات المخيم أشبه بقنبلة موقوتة، لا تقل خطورة عن السجون نفسها.
ومع تصاعد هجمات مرتزقة الحكومة المؤقتة، المدعومة من دولة الاحتلال التركي، تتشكّل معادلة أكثر خطورة: داعش في السجون، وداعش في المخيمات. الأول يمتلك الخبرة القتالية والتنظيمية، والثاني يُعاد تشكيله عقائدياً ونفسياً، في دورة مغلقة تعيد إنتاج الإرهاب بأشكال جديدة. أي خرق أمني، سواء عبر اقتحام السجون أو تفكك الطوق الأمني حول المخيمات، يعني فتح الباب أمام موجة جديدة من التطرف العنيف، قد لا تتطابق في شكلها مع داعش 2014، لكنها تحمل الجوهر ذاته، والعداء ذاته للعالم.
الأكثر إثارة للقلق في هذا السياق هو طبيعة القوى المنخرطة في الهجمات الأخيرة. فداخل بنية الحكومة الانتقالية نفسها، توجد مجموعات وتنظيمات كانت في السابق مرتبطة بتنظيم القاعدة أو خرجت من عباءته الفكرية. تغيّر المسميات، وارتداء بدلات جديدة، لا يلغي الحقيقة الأساسية: الفكر المتطرف ما زال حاضراً وفاعلاً. هذه المجموعات المرتزقة تنظر إلى سجون داعش ومخيماته ليس بوصفها عبئاً أمنياً، بل باعتبارها خزّاناً بشرياً قابلاً لإعادة التوظيف في اللحظة المناسبة.
من هنا، يصبح توصيف ما يجري على أنه “أخطاء ميدانية” أو “تجاوزات فردية” توصيفاً مضللاً. فالمشهد العام، المرتبط بما سبق من استهداف السجون وانتشار الصمت الدولي، يشير إلى تحرير مقنّع، أو على الأقل إلى خلق بيئة فوضوية تسمح بانفجار السجون والمخيمات معاً، في توقيت يخدم إعادة تدوير الإرهاب، ويهدد المنطقة بأكملها بالانزلاق نحو مرحلة أكثر ظلاماً.
سوريا “أفغانستان ثانية“
لا يمكن قراءة ما يجري في شمال وشرق سوريا، من استهدافٍ ممنهج للسجون والمخيمات، بمعزل عن السياق الإقليمي والدولي الأوسع، فالمعادلة لا تتوقف عند الحدود السورية، ولا عند لحظة عسكرية عابرة. ووفق قراءات أمنية متقاطعة، فإن المشهد الراهن يعيد إلى الأذهان، بدرجة مقلقة، السيناريو الأفغاني بكل عناصره: سجون مكتظة بآلاف المتطرفين، مخيمات تتحول إلى حواضن فكرية مغلقة، تنظيمات متطرفة تتبدل أسماؤها ولا تتغير بنيتها، فراغ أمني متعمّد، وصمت دولي يرقى إلى مستوى التواطؤ. هذه العناصر مجتمعة لا تُنتج استقراراً، بل تُعيد إنتاج الفوضى بوصفها أداة سياسية وأمنية.
في هذا السياق، لا يبدو مستبعداً أن نشهد خلال السنوات المقبلة ظهور نسخ جديدة من مرتزقة داعش، لا تنطلق بالضرورة من الجغرافيا السورية وحدها، بل تُصدَّر إليها وتُستثمر فيها وفق الحاجة. في اليمن، قد تظهر هذه النسخ كأدوات تُستخدم ضمن صراعات إقليمية معقّدة، تختلط فيها الحسابات الأمنية بالاستقطابات المذهبية. وفي العراق، يمكن أن يُعاد توظيفها كوسيلة ضغط أمني وسياسي، تُستدعى عند كل مفصل حساس أو تفاوضي. وربما في ساحات أخرى، حيث يجري تدوير الإرهاب بما يخدم مصالح قوى كبرى وإقليمية، بينها الولايات المتحدة وتركيا، كلٌّ وفق أجندته وأولوياته، فيما يبقى الإرهاب ذاته قابلاً لإعادة التشكيل والاستخدام.
ضمن هذه المعادلة، تتحول سوريا إلى ما يشبه مختبراً مفتوحاً للفوضى، تُختبر فيه نماذج التفكيك الأمني، ويُعاد فيه إنتاج المجموعات والتنظيمات المتطرفة تحت مسميات جديدة، بينما يُدفع المجتمع السوري، والكردي على وجه الخصوص، إلى دفع الثمن الأكبر، إنسانياً وأمنياً وسياسياً. فالثمن لا يُقاس بعدد الضحايا وحدهم، بل بضياع فرص الاستقرار، وبترسيخ العنف كحالة دائمة.
من هنا، فإن تحذيرات قوات سوريا الديمقراطية من تداعيات التصعيد العسكري على سجون داعش لا يمكن اختزالها في إطار الدفاع عن نفوذ أو موقع ميداني، بل يجب قراءتها بوصفها جرس إنذار أخير. سقوط السيطرة على سجن الشدادي، وقصف سجون الرقة، واستهداف منشآت الاحتجاز، يقابلها صمت دولي ثقيل، يبعث برسائل خطيرة مفادها أن المنطقة تُترك عمداً على حافة الانفجار. إن ترك هذا الملف دون معالجة جذرية، ودون مظلة حماية دولية حقيقية، يعني دفع سوريا نحو مصير أفغانستان ثانية، لا في الجغرافيا فحسب، بل في الدور والوظيفة: بلدٌ تُدار فيه الفوضى، ويُعاد فيه تدوير الإرهاب جيلاً بعد جيل. والسؤال الذي يبقى معلّقاً في ختام هذا المشهد القاتم: هل سيتحرّك العالم قبل أن تُفتح أبواب السجون على مصراعيها؟ أم أن الكارثة القادمة باتت، فعلاً، جزءاً من الخطة؟
No Result
View All Result