No Result
View All Result
آهين علي
إلى كل الشعوب التي تؤمن بالسلام والعدالة، وفي مقدمتها الشعب الأمريكي، أكتب هذه الشهادة من شمال وشرق سوريا، لا بصفتي ضحية حرب، بل كامرأة ترى في الحياة مسؤولية، وفي السلام فعلًا يجب حمايته. أكتب بروح الأمهات اللواتي دافعن عن أبنائهن لا بالسلاح فقط، بل بالإصرار على مستقبل أكثر عدلًا، وبروح نساء هذه المنطقة اللواتي ربطْنَ تحرر المرأة بحرية الشعوب وكرامتها.
لم تكن الكتابة يومًا خيارًا سهلًا لمن وُلد في جغرافيا تتقاطع فيها الهويات مع المصالح، وتُختبر فيها إنسانية الإنسان كل يوم، ككردية من شمال وشرق سوريا، أجد نفسي مضطرة للكتابة ليس بدافع الشكوى، بل بدافع الشهادة؛ الشهادة على مرحلة مفصلية من تاريخ هذه المنطقة، وعلى مفارقة أخلاقية يعيشها العالم اليوم بصمت مريب.
اعتاد الكردي، عبر تاريخه، أن يُنظر إليه بوصفه “قضية مؤجلة” أو “تفصيلًا قابلًا للتجاهل”. وكأن وجوده ذاته قابل للمساومة، وحقه في الحياة مرتبط بمدى انسجامه مع خرائط رُسمت دون استشارته. ومع ذلك، لم يكن الضعف يومًا خيارنا. كل محاولة لمحو الكرد كانت تقابل بإصرار على البقاء، لا بالكراهية، بل بالتشبث بالحياة.
نحن شعب ذو تاريخ، مهما حاولت السياسات أن تُعيد كتابته أو إنكاره. نعيش اليوم على أجزاء مجزأة من وطن قُسّم بقرارات دولية، لكن هذه الحدود لم تُقسّم ذاكرتنا ولا انتماءنا. من شمال كردستان إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها، بقي الشعور بالهوية أقوى من أي خط على الخريطة. في شمال وشرق سوريا، لم تكن معركتنا مع داعش معركة محلية أو دفاعًا عن بقعة جغرافية محددة. كانت معركة عن العالم بأسره. حين تمدد داعش الإرهابي وهدد الأمن الإقليمي والدولي، كانت هذه المنطقة من أولى الجبهات التي واجهته. قدّمنا آلاف الشهداء ودُمرت مدن بأكملها، لكننا لم نتراجع.
تحولت كوباني، المدينة الصغيرة المحاصرة، إلى رمز عالمي للمقاومة. هناك، راهن كثيرون على سقوطنا، لكن ما حدث كان العكس، صمدنا، ليس لأننا كنا نمتلك تفوقًا عسكريًا، بل لأننا كنا نؤمن بعدالة معركتنا. في تلك اللحظة، تحرك العالم، وبدأ يدرك أن هذه المعركة ليست معركة الكرد وحدهم، بل معركة القيم الإنسانية في مواجهة أكثر أشكال التطرف ظلامية.
جاء الدعم من أبناء الشعب الكردي في مختلف المناطق، ومن قوات البيشمركة، ومن أطراف دولية رأت في صمود كوباني نقطة تحول. وبفضل هذا التكاتف، هُزم داعش، ودُوّن فصل مُشرف في تاريخ مقاومة الإرهاب. فصل كان من المفترض أن يشكل أساسًا لعلاقة قائمة على الاحترام والشراكة، لكن ما حدث بعد ذلك يطرح سؤالًا أخلاقيًا صعبًا: كيف يُترك من واجه الإرهاب نيابة عن العالم ليواجه مصيره وحده؟
اليوم، تتعرض مناطق شمال وشرق سوريا لهجمات متكررة، وسط صمت دولي، وحسابات سياسية تُقدَّم على حياة المدنيين. ما نشهده ليس نزاعًا عسكريًا تقليديًا، بل سياسة استنزاف ممنهجة، تستهدف البنية التحتية، وتدفع السكان إلى التهجير، وتزرع الخوف بدل الاستقرار.
تركيا، بصفتها دولة عضوًا في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، لعبت دورًا مباشرًا في هذه الهجمات. ما جرى في عفرين، وكري سبي، وسري كانيه، ليس مجرد “عمليات أمنية” كما يُروَّج لها، بل وقائع موثقة من تهجير قسري، وتدمير للمدن، وانتهاكات لحقوق الإنسان، دفعت عشرات الآلاف إلى ترك بيوتهم.
المفارقة المؤلمة أن هذا يحدث بسلاح دولة يفترض أنها شريك في منظومة دولية تقول إنها تقوم على حماية الأمن والسلم. نحن لا نطلب عداءً مع جيراننا، ولا نسعى إلى حرب مفتوحة. على العكس، نريد أن نعيش بسلام، وأن نعود إلى بيوتنا، وأن نعمل في حقولنا، وأن يشعر أطفالنا بالأمان الذي حُرموا منه طويلًا.
السلام لا يُصنع بالشعارات ولا بالخطب الرنانة، بل بالالتزام الفعلي بحماية المدنيين، وبوقف سياسات العقاب الجماعي، وبمحاسبة من ينتهك القانون الدولي. إن التغاضي عما يحدث اليوم في شمال وشرق سوريا لا يهدد الكرد وحدهم، بل يرسل رسالة خطيرة مفادها أن من يحارب الإرهاب يمكن التخلي عنه متى انتهت الحاجة إليه
هذه ليست دعوة للشفقة، بل نداء للمسؤولية. فالعالم الذي استفاد من تضحيات هذه المنطقة في مواجهة داعش، مُطالب اليوم بألا يدير ظهره لها؛ لأن الصمت، في مثل هذه اللحظات، ليس حيادًا، بل موقفًا له ثمنه الإنساني والسياسي.
No Result
View All Result