No Result
View All Result
سلافا أحمد
في تاريخ الشعب الكردي، لا تقاس البطولات بعدد البنادق والمقاتلين، بل بعمق الإيمان بالقضية وإرادتهم الصلبة، هكذا ولدت أسطورة درويش عفدي، وهكذا كُتبت ملحمة الشهيد زياد حلب في مقاومة الشيخ مقصود والأشرفية بمدينة حلب، ليؤكد التاريخ مرةً أخرى أن الإرادة، حين تكون على حق، تصبح أقوى من الجيوش.
يشتهر الكرد منذ القدم بتاريخ عريق حافل بالمقاومة والنضالات التي خُلدت في صفحات التاريخ، تاريخ كُتب بدماء المناضلين وصمودهم في وجه الظلم ومحاولات القضاء على الوجود الكردي، لم تكن مقاومة الكرد حدثاً عابراً، بل مساراً متواصلاً شكّل هوية شعب رفض الاستسلام عبر الزمن، وجعل من الدفاع عن كرامته ووجوده حقاً لا يقبل المساومة.
ومن بين تلك الملاحم الخالدة، برزت ملحمة درويش عفدي كإحدى أبرز رموز المقاومة الكردية، حين واجه مع 12 مقاتلاً كردياً من المقاتلين قوة تفوقه عدداً وعدة، مؤكدين أن الإرادة الصلبة والإيمان بالقضية وحب الأرض والوطن قادرين على صنع التاريخ، حيث تحولت تلك الملحمة إلى ذاكرة خالدة في تاريخ الشعب الكردي، ودرساً قوياً يُذكر كلما حاول الطغاة كسر إرادة الشعوب، وبات اسم درويش عفدي رمزاً للتحدي والصمود لجميع الأعداء والمتربصين بالقضية الكردية.
وتواصلت هذه الروح النضالية عبر الأجيال، لتؤكد أن المقاومة لدى الكرد ليست رد فعل راهن، بل ثقافة متجذرة وإرثاً وطنياً ينتقل من زمن إلى آخر، حاملاً معه رسالة واضحة: إن الشعوب التي تدافع عن حريتها وكرامتها لا تهزم، وإن ارتقى أبناؤها شهداء.
دوريش عفدي محلمة دوِّنت في تاريخ المقاومة
ناضل درويش عفدي من أجل كرامة الشعب الكردي، من أجل ألا تُمحى الهوية، ولا يكسر الصوت، ولا تتحول الأرض إلى شاهدٍ صامت على الظلم، مع إثني عشر مقاتلاً فقط، واجه قوة هائلة تفوقه عدداً وعدة، بإرادة لا تعرف الانكسار، لم يكن يسعى لنصر عسكري تقليدي، بل لقول الحقيقة في وجه المحتلين: إن الحرية لا توهب، وأن الاستسلام موت بلا معنى.
قاوم حتى اللحظة الأخيرة، واستشهد، لكن نضاله لم ينته، بل تحول إلى ذاكرة خالدة، وإلى درس يتكرر كلما ظن الطغاة أن القمع يصنع نهاية. وفي السادس من كانون الثاني الجاري، حاول الطغاة والمحتلين مرةً أخرى بإعادة ذاك المشهد إلى التاريخ، في حيين بمدينة حلب “الشيخ مقصود والأشرفية”، حيث تجمع الهمجيون والإرهابيون عليهم، بمشاركة 43 ألف مرتزق من الحكومة المؤقتة والتابعين للاحتلال التركي، بعتاد وأسلحة طائلة، إلى جانب طائرات مُسيّرة، وبمخططات دولية بشعة، لتحارب 300 عضو في قوى الأمن الداخلي لحيين وشعبه، في سعياً منهم النيل من الوجود الكردي والقضاء عليه في الشيخ مقصود والأشرفية.
هنا عاد التاريخ ليرتدي وجهاً جديداً في حيي الشيخ مقصود والأشرفية بمدينة حلب، ليعلن البطل الخالد زياد حلب مع رفاق دربه وشعبه في الحيين قرار الصمود والمقاومة وعدم الخنوع للمرتزقة، واقفاً بروحه النضالية أمام دولتين بجيشهما وعتادهما، لم تكن معركة عابرة بل معركة وجود واللاوجود.
الشهيد زياد.. الأسطورة التي سُطِّرت في حلب
الشهيد زياد حلب؛ لم يكن قائداً يبحث عن المجد، بل مناضلاً اختار الوقوف، حيث يكون الخطر أكبر، وحيث يحتاج من هم حوله إلى من يقول: لن نسمح لهم بالعبور إلا على رفاتنا، متخذاً من مقولة “الموت ولا الاستسلام” أساساً له.
دافع بكل بسالة عن أهله وكرامتهم وأحيائهم، في وجه من حاول كسر إرادتهم بالجوع والحصار والقصف، رافضاً الاستسلام أو التراجع، ثابتاً حتى اللحظة الأخيرة، ليبلغ بدمه الطاهر مرتبة الشهادة، ويُخلد اسمه رمزاً للصمود والمقاومة.
لم تكن بسالته موقفاً عابراً، بل نهجاً اختاره عن قناعة، فواجه الموت بعين مفتوحة وقلب مفعم بالإيمان بالنصر، تقدم في الصفوف حين تراجع عن الاستسلام، وحوّل الحصار إلى فعل مقاومة، والألم إلى قوة، وبقى صامداً في وجه آلة الدكتاتورين، مدافعاً عن أهله وأرضه حتى آخر نفس، ليكتب بدمه فصلاً جديداً في سجل البطولات، ويؤكد أن الشهادة ليست نهاية الطريق، بل ذروة النضال وامتداد الحياة في ذاكرة الشعب الكردي.
رغم فدائه بروحه وجسده من أجل شعبه، لم يرَ الشهيد زياد حلب نفسه بطلاً فوق النقد، بل مناضلاً يخضع لمسؤولية الكلمة والموقف، استشهد وهو يحمل وعياً عميقاً بالمحاسبة الذاتية، مطالباً بأن يقدم هو ورفاقه أنفسهم أمام شعبهم للنقد الذاتي، في كلماته الأخيرة، إيماناً منه بأن الثورة لا تكتمل دون الصدق مع شعبه، مشدداً على أن المقاومة ليست فعلاً معصوماً عن الخطأ، بل مساراً أخلاقياً يتطلب مراجعة دائمة، وأن الشعب هو المرجعية الأولى والأخيرة، تقاوم باسمه وتحاسب أمامه.
هكذا ارتقى شهيداً، لا فقط بسلاحه، بل بوعيه، مقدماً نموذجاً نادراً للمناضل الذي جمع بين الشجاعة والتواضع، وبين الفداء والالتزام الأخلاقي.
التاريخ حين يُكرر دروسه
ما بين درويش عفدي وزياد حلب، مسافة زمنية طويلة، لكن المسافة المعنوية تكاد تكون معدومة، درويش عفدي حارب ليحفظ هوية شعبه وزياد حلب حارب ليحمي كرامة أهله وشعبه، كلاهما كان للهدف نفسه، وبوجه نفس الطغاة والمتربصين والمخططات، والوجود الكردي كان نُصب أعين الأعداء. الأول واجه قوةً هائلةً بقلة من المقاتلين، والثاني وقف في وجه جيوش متوحشة بثبات أسطوري، كلاهما فهم أن المقاومة خيار أساسي في صون هوية وإرادة وتاريخ شعبه من الإبادة.
استشهد زياد حلب كما استشهد درويش عفدي من قبله، لكن الشهادة لم تكن نهاية الحكاية، بل ذروتها، فكما تحول درويش عفدي إلى أسطورة خالدة في ذاكرة الشعب الكردي عبر الأجيال، أصبح زياد حلب رمزاً للمقاومة المعاصرة، ودليلاً على أن الروح التي قاتلت بالأمس ما زالت خالدة في التاريخ. فذلك الخط الممتد من درويش عفدي إلى الشهيد زياد حلب لم يكن صدفة تاريخية، بل مساراً نضالياً تشكل من وعي مجتمعي يرى في المقاومة حق وواجب، في كل محطة، حيث الروح المناضلة والمؤمنة بشعبها وقضيتها كانت كفيلة لإسقاط هيبة القوة الغاشمة، وكسر وهم التفوق العسكري، حين تتقدم الإرادة على السلاح، والحق على الطغيان.
بهذا المعنى، لم يكن استشهادهم نهاية الحكاية، بل لحظة تحولها من الميدان إلى الوجدان، ومن الحدث إلى المعنى، فالشهداء لا يغيبون، بل يتحولون إلى وعي حي، وإلى نبض متجدد يرافق الأجيال، ويُذكرها بأن طريق الحرية قد يكون شاقاً، لكنه الطريق الوحيد الذي يستحق أن يُسلك. هكذا يُكتب التاريخ الحقيقي لهذا الشعب الكردي، وهكذا يولد الشهداء، لا كأسماء في الذاكرة، بل كبوصلة لا تزال تشير إلى طريق الحرية.
No Result
View All Result