No Result
View All Result
دجوار أحمد آغا
المرأة الثائرة كانت ولا تزال رمزاً للنضال والمقاومة في مواجهة الظلم والعبودية، تحمل في قلبها شجاعة التغيير وتصميماً على تحقيق العدالة. ومع كل خطوة تخطوها في سبيل الحرية، تواجه العديد من التحديات والاعتداءات التي تستهدف كسر إرادتها وكتم صوتها. المرأة الثائرة لا تواجه الظروف الاجتماعية والسياسية فقط، بل تواجه تهديدات الحياة والموت نتيجة لمواقفها الثابتة في وجه الأنظمة القمعية.
مجزرة باريس الأولى بحق الناشطات الكرديات مثال واضح على هذا النوع من العنف الموجه ضد المرأة الثائرة. ففي 9 كانون الثاني 2013، اغتيلت ثلاث ناشطات كرديات في باريس، لتكون هذه الجريمة نقطة تحول في تسليط الضوء على حجم القمع الممارس ضد النساء في الحركة الكردية. كانت هذه الحادثة إشارة واضحة لما يمكن أن يتعرض له أولئك الذين يرفعون راية النضال في سبيل حقوق الشعوب والنساء.
جريمة سياسية في قلب أوروبا
ليلة 9 كانون الثاني عام 2013، هزّت العاصمة الفرنسية باريس الكرد في أوروبا والعالم، بعد العثور على جثث ثلاث ناشطات كرديات سياسيات (ساكينة جانسيز، ليلى شايلمز، وفيدان دوغان)، وقد أُطلقت عليهن رصاصات في الرأس داخل مقر “مركز الإعلام الكردي” في شارع Rue La Fayette في الحي العاشر من المدينة.
تُعد هذه الجريمة واحدة من أكثر اغتيالات الكوادر النسائية تأثير في تاريخ النضال الكردي الحديث، لما حملته من رمزية سياسية وإنسانية، وموقعها داخل سياق مفاوضات السلام التي كانت تجري في تلك الأثناء بين الدولة التركية وحزب العمال الكردستاني. أثارت الجريمة الكرد في مختلف أنحاء العالم باعتبار المجزرة كانت ضد نساء مدنيات، ناشطات في مجال حقوق المرأة والمجتمع الكردي ويناضلن بشكل قانوني ونظامي.
لنتعرف على الشهيدات ولو بشكل مختصر
ساكنة جانسيز
إحدى مؤسسي حزب العمال الكردستاني PKK الى جانب القائد عبد الله أوجلان، والكوادر الأولى أمثال كمال بير، مظلوم دوغان، خيري دورموش. ولدت ساكنة جانسيز في منطقة ديرسم الجبلية الوعرة سنة 1958 حيث درست هناك وبعد إنهاء الدراسة التحقت بالرفاق في حزب العمال الكردستاني وكانت من المشاركين في المؤتمر التأسيسي في 27 تشرين الثاني 1978. بعد انقلاب 12 أيلول 1980 الدموي، اعتقلت ساكينة مثل بقية كوادر الحزب وتعرضت الى تعذيب وحشي من جانب ضابط سجن آمد العسكري “أسعد أوكتاي” وقضت في السجن 10 سنوات. بعد الخروج من السجن توجهت الى ساحة أوروبا للنضال في المجال السياسي إلى لحظة الاغتيال.
فيدان دوغان
ناشطة كردية من منطقة إلبستان في باكور كردستان ولدت سنة 1982 وانتقلت العائلة الى أوروبا. نشأت فيدان في فرنسا وانخرطت في العمل السياسي والاجتماعي ضمن الجالية الكردية في فرنسا باكراً. أصبحت عضوة في المؤتمر القومي الكردستاني KNK ومن ثم أصبحت ممثلة له في فرنسا كانت تعمل في مركز الاعلام الكردي في باريس الى لحظة اغتيالها.
ليلى شايلمز
ولدت في مرسين 1989، كانت ما تزال طفلة في بداية التسعينيات من القرن الماضي عندما التجأت أسرتها الى ألمانيا بعيداً عن الإرهاب التركي. أكملت دراستها في ألمانيا وسجلت في الجامعة كلية الهندسة المعمارية لكنها لم تكمل دراستها بل انخرطت في العمل الثوري وترأست منظمة الشباب في أوروبا الى لحظة اغتيالها.
وقائع الجريمة البشعة
مساء التاسع من كانون الثاني 2013، كانت المناضلات الثائرات الثلاث داخل “مركز الإعلام الكردي” في باريس، الذي يعتبر مركز ومقر رئيسي للجمعيات الكردية في فرنسا حيث يتم عقد ندوات سياسية وبعض الأنشطة الثقافية الكردية. بعد ظهر ذلك اليوم، لم يتمكن من أصدقاء ورفاق المناضلات من التواصل معهن، الأمر الذي دفع بالصديق الذي كان على موعد معهن، ومن المفترض أن يلتقي بهن نهاية اليوم، إلى التوجه للمركز. قرع الباب عدة مرات دون جدوى الأمر الذي دفع به إلى إخبار الشرطة الفرنسة التي أتت وقامت بكسر باب المركز حيث شاهد الجميع الجريمة البشعة وسط ذهول تام. الإصابات كانت من مسافة قريبة في الرأس والرقبة، ولم يلاحظ أي آثار للعنف أو المقاومة، الأمر الذي يشير إلى تعرفهن على القاتل وفتح الباب له بدون خوف أو شك فيه.
القضاء الفرنسي والتحقيق
بعد اكتشاف الجريمة، تم نقل جثث المناضلات الثلاث الى المشفى وباشرت الشرطة الفرنسية بالتحقيقات فوراً. أظهرت كاميرات المراقبة في المبنى المدعو “عمر غوناي” من الجنسية التركية وجوده تلك الليلة في المبنى. تم إلقاء القبض عليه فوراً وسجنه، ومن ثم توجيه تهمة الاغتيال بدوافع إرهابية له. مات عمر غوناي في السجن عام 2016 قبل بدء محاكمته، ما أدى إلى إغلاق الملف القضائي بحقه دون إدانة نهائية.
رغم أن التحقيقات الفرنسية أشارت الى إمكانية تورط أجهزة استخبارات أجنبية في الإعداد للعملية، والتي نشرتها العديد من وسائل الإعلام الفرنسية والعربية، إلا أن القضية أغلقت. الوثائق أثارت في ملف القضية شكوك حول تورّط جهاز الاستخبارات التركية MIT في التخطيط والتحريض على الاغتيالات. لكن بسبب موت عمر غوناني وعدم توفر الأدلة المباشرة بشكل قاطع أمام القضاء الفرنسي، أغلقت القضية.
توقيت الاغتيال
وقت وقوع الجريمة لم يكن صدفة على الإطلاق، بل كان قد تم اختياره بدقة وفي وقت حساس، متزامن مع بداية محادثات السلام بين الدولة التركية وحزب العمال الكردستاني، الأمر الذي دفع بالكثير من المراقبين إلى اعتبار الاغتيال محاولة لعرقلة مسار الحل السياسي.
مفاوضات السلام التي بدأت في أواخر 2012 بين القائد والمفكر عبد الله أوجلان والدولة التركية كانت تسير بشكل جيد بهدف إنهاء الصراع المستمر منذ عقود والوصول إلى حل سلمي وجذري للقضية الكردية والديمقراطية في تركيا. جاءت عملية الاغتيال في هذا التوقيت سعياً لإرباك المفاوضين وخلق حالة من عدم الثقة بين الطرفين.
التداعيات وردود الأفعال
الجريمة كانت بشعة ووحشية بشكل كبير، أن تقوم باستهداف ثلاث نساء مدنيات ناشطات في مجال حقوق المرأة والحياة الحرة، تعتبر رسالة إلى كل النساء وخاصة المرأة الكردية. لذا أثارت الجريمة موجة احتجاجات واسعة في باريس والعديد من المدن الأوروبية. خرج مئات الآلاف من الكرد بمختلف انتماءاتهم السياسية ومعهم أصدقائهم في تظاهرات عمت شوارع كبرى المدن الفرنسية باريس، ستراسبورغ، مرسيليا، ليون، وغيرها بالإضافة إلى العوام الأوروبية بلجيكا، برلين، أمستردام، فيينا، روما، ومدن فرانكفورت، هامبورغ، دوسلدورف، كولن، وغيرها حول العالم مطالبين بالحقيقة والعدالة. تحولت الشهيدات الثلاث إلى رموز لنضال المرأة الحرة والشعب الكردي. ذكرت منظمة اعتبرت منظمات حقوقية، بينها أمنستي إنترناشيونال أن التحقيقات في قضية الاغتيال لا بد أن تكون شفافة وتكشف عن المسؤولين بكل وضوح.
وأخيراً نقول بأن بعد مرور عقد من الزمن على هذه المجزرة دونما تحقيق عادل وشفاف ينهي القضية ويحقق العدالة في بلد يُفترض به أن يكون فيه تحقيق العدالة قانون، تم ارتكاب مجزرة ثانية في باريس بتاريخ 23 كانون الأول 2022. لو تم محاسبة من اغتال المناضلات ساكينة جانسيز، ليلى شايلمز، وفيدان دوغان، لما تجرأ القتلة مرة أخرى على القيام بعملية اغتيال جديدة بحق أفين كوي، ميرو برور، عبد الرحمن كزل.
ستبقى هذه القضية مفتوحة في الذاكرة المجتمعية، كونها تمثل نموذج صارخ للاغتيالات السياسية العابرة للحدود، ذات دلالات سياسية عميقة في زمن المفاوضات من أجل السلام. عدالة لم تكتمل، وأسئلة ما زالت بلا إجابة في واحدة من أخطر الجرائم السياسية التي شهدتها أوروبا المعاصرة.
No Result
View All Result