No Result
View All Result
محمد عيسى
يمثل الصراع المتصاعد بين الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً والمجلس الانتقالي الجنوبي إحدى أخطر لحظات الانعطاف في المسار اليمني منذ اندلاع الحرب عام 2014، ليس فقط لأنه يفتح جبهة داخلية جديدة في معسكر يفترض أنه يقاتل عدواً واحداً هو جماعة الحوثيين، بل لأنه يعيد إنتاج سؤال الدولة اليمنية من جذوره، ويدفع به من خانة الأزمة السياسية القابلة للإدارة إلى خانة التفكك البنيوي طويل الأمد. فمع دخول كانون الأول 2025، لم يعد النزاع محصوراً في البيانات السياسية أو المناوشات المحدودة، بل أخذ طابع السيطرة الميدانية الصريحة، وقرارات سيادية غير مسبوقة، واصطفافات إقليمية تعكس هشاشة التوازن الذي حكم اليمن خلال السنوات الماضية.
ما جرى في حضرموت والمهرة خلال الأيام الأولى من كانون الأول 2025 لا يمكن قراءته كحادثة أمنية معزولة، بل كحلقة متقدمة في مسار طويل من الصراع المؤجل بين مشروعين متناقضين: مشروع دولة يمنية موحدة تحاول البقاء على قيد الحياة وسط حرب مدمرة، ومشروع سياسي جنوبي يرى في لحظة الانهيار فرصة تاريخية لتكريس الانفصال كأمر واقع. وبين هذين المشروعين، يقف المجتمع اليمني منهكاً، واقتصاد شبه منهار، ومؤسسات دولة تعمل بنصف طاقتها أو أقل، فيما تتداخل الحسابات المحلية بالإقليمية على نحو يجعل كل خطوة داخلية انعكاساً لصراع أوسع.
الجذور التاريخية للأزمة الجنوبية
لا يمكن فهم اندفاع المجلس الانتقالي الجنوبي نحو السيطرة العسكرية على محافظات استراتيجية مثل حضرموت والمهرة دون العودة إلى المسار التاريخي للعلاقة بين شمال اليمن وجنوبه منذ إعلان الوحدة في 22 أيار1990. فهذه الوحدة، التي رُوّج لها آنذاك بوصفها تتويجاً لحلم قومي يمني، قامت عملياً على توازنات هشة بين نخب سياسية وعسكرية أكثر مما قامت على اندماج مؤسسي حقيقي. ومع اندلاع حرب صيف 1994، وما تبعها من حسم عسكري لصالح صنعاء، بدأ شعور متزايد في الجنوب بأن الوحدة تحولت من شراكة سياسية إلى علاقة هيمنة، تُدار عبر الإقصاء السياسي والاستحواذ على الموارد.
خلال العقدين التاليين، تكرس هذا الشعور بسياسات مركزية شديدة، وغياب التنمية المتوازنة، وتهميش قطاعات واسعة من الكوادر الجنوبية، وهو ما تجسد بوضوح في انطلاق الحراك الجنوبي عام 2007، الذي طالب بداية بإصلاحات وحقوق، قبل أن يتحول تدريجياً إلى خطاب انفصالي صريح. ومع انهيار الدولة بعد 2014، وسيطرة الحوثيين على صنعاء في 21 أيلول من ذلك العام، دخل اليمن مرحلة جديدة فقدت فيها المؤسسات المركزية قدرتها على ضبط المجال العام، وبرز الفاعلون المسلحون المحليون كقوى أمر واقع.
في هذا السياق، وجد المشروع الجنوبي المنظم فرصة تاريخية للانتقال من الهامش إلى مركز الفعل، مستفيداً من الدعم الإقليمي، ومن الفراغ الأمني، ومن ضعف الحكومة الشرعية التي انشغلت بإدارة حرب متعددة الجبهات. وبحلول عام 2017، مع إعلان تشكيل المجلس الانتقالي الجنوبي، بات الجنوب يمتلك إطاراً سياسياً وعسكرياً يسعى بوضوح إلى إعادة رسم خريطة اليمن، مستنداً إلى سردية مظلومية تاريخية، وإلى واقع ميداني متغير.
لحظة تخطي الخطوط الحمراء
مع مطلع كانون الأول 2025، انتقل الصراع بين الحكومة الشرعية والمجلس الانتقالي من مرحلة الاحتواء الهش إلى مرحلة الصدام المكشوف. ففي الأيام الأولى من الشهر، نفذت قوات المجلس الانتقالي تحركات عسكرية مفاجئة في محافظتي حضرموت والمهرة، وهما من أكثر المناطق حساسية من حيث الموقع الجغرافي والثقل الاقتصادي. حضرموت، التي تشكل نحو 36% من مساحة اليمن، وتحتوي على جزء كبير من ثروته النفطية، والمهرة، التي تمثل بوابة اليمن الشرقية وحدوده مع سلطنة عمان، ليستا مجرد محافظتين عاديتين، بل ركيزتين لأي تصور مستقبلي للدولة اليمنية.
إعلان المجلس الانتقالي سيطرته على مواقع ومعسكرات في المحافظتين شكّل تحدياً مباشراً لسلطة مجلس القيادة الرئاسي، وأثار مخاوف إقليمية من تحول الصراع الداخلي إلى مواجهة مفتوحة. ورغم الدعوات المحلية والإقليمية التي طالبت بالانسحاب وضبط النفس، أصر المجلس الانتقالي على تثبيت وجوده، معتبراً أن تحركاته تأتي في إطار “حماية الجنوب” و”تصحيح مسار الشراكة”.
غير أن هذه الخطوة لم تمر دون رد. ففي 30 كانون الأول 2025، خرج رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بخطاب متلفز أعلن فيه سلسلة قرارات غير مسبوقة، مطالباً القوات الإماراتية بمغادرة الأراضي اليمنية خلال 24 ساعة، ومعلناً حالة الطوارئ في عموم الجمهورية لمدة 90 يوماً، ابتداءً من تاريخ الخطاب. كما أعلن إلغاء اتفاقية الدفاع المشترك مع دولة الإمارات، وفرض حظر جوي وبري على الموانئ والمنافذ لمدة 72 ساعة، في خطوة تعكس حجم التصعيد السياسي والعسكري.
خطاب العليمي في 30 كانون الأول 2025 لم يكن مجرد رد فعل سياسي، بل محاولة لإعادة تعريف مركز السلطة في لحظة تهديد وجودي. فإعلان حالة الطوارئ لثلاثة أشهر يعكس إدراك القيادة اليمنية لخطورة اللحظة، ولإمكانية انزلاق البلاد إلى صراع داخلي واسع. كما أن إلغاء اتفاقية الدفاع المشترك مع الإمارات يشير إلى وصول التوتر مع أحد أبرز أطراف التحالف العربي إلى مستوى غير مسبوق منذ بدء التدخل العسكري في آذار 2015.
وبرر العليمي هذه القرارات بما وصفه “حماية المدنيين والمركز القانوني للدولة”، مشيراً إلى معلومات مؤكدة عن شحن سفينتين محملتين بالسلاح من ميناء الفجيرة إلى ميناء المكلا، في الثالث والرابع من كانون الأول، دون تصاريح رسمية. ووفقاً لما أعلنه، فإن هذه الشحنات كانت تهدف إلى دعم قوات المجلس الانتقالي وتأجيج الصراع.
في موازاة ذلك، دعا العليمي قيادة المجلس الانتقالي إلى “تحكيم العقل” والانسحاب من حضرموت والمهرة، ووجه قوات “درع الوطن” بالتحرك لتسلم المعسكرات والمواقع العسكرية في المحافظتين، كما أعلن تشكيل لجنة تواصل من قيادة الدولة والمكونات السياسية لاحتواء التصعيد، في محاولة لفتح نافذة سياسية وسط العاصفة.
تدخل التحالف العربي
التصعيد السياسي ترافق سريعاً مع تطورات ميدانية. فقد أفادت وكالة الأنباء السعودية بأن تحالف دعم الشرعية طلب من المدنيين الإخلاء الفوري لميناء المكلا حتى إشعار آخر، في خطوة نادرة تعكس اقتراب العمل العسكري. وبعد ساعات، أعلنت قيادة القوات المشتركة للتحالف تنفيذ ضربة جوية محدودة استهدفت “دعماً عسكرياً خارجياً” في ميناء المكلا، مؤكدة عدم وقوع إصابات بشرية أو أضرار جانبية.
ووفق بيان التحالف، تم رصد السفينتين القادمتين من الفجيرة وقد قامتا بتعطيل أنظمة التتبع، وإنزال أسلحة لدعم قوات المجلس الانتقالي. وفي الثالث من كانون الأول، كان التحالف قد أعلن رسمياً قراره التحرك عسكرياً ضد “انتهاكات المجلس الانتقالي” في حضرموت، استجابة لطلب مباشر من رئيس المجلس الرئاسي.
الدعم الجوي الذي قدمه التحالف لقوات “درع الوطن” التابعة للحكومة مكّن هذه القوات من استعادة السيطرة على محافظة حضرموت بالكامل خلال فترة زمنية قصيرة، في تطور ميداني أعاد خلط الأوراق، لكنه لم ينهِ جذور الأزمة. وفي محاولة لاحتواء التداعيات السياسية، دعت السعودية إلى لقاء تشاوري في الرياض يضم مختلف الشعوب الجنوبية، غير أن غياب رئيس المجلس الانتقالي عيدروس الزبيدي عن اللقاء عكس عمق الفجوة، وحدود القدرة على فرض تسوية سريعة.
اليوم ما يجري في اليمن لا يقتصر تأثيره على الداخل، بل يمتد مباشرة إلى الإقليم. فاليمن غير المستقر يشكل تهديداً مستمراً لأمن الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن، وهي ممرات يمر عبرها نحو 12% من التجارة العالمية. كما أن استمرار الصراع يفتح الباب أمام تصاعد الهجرة غير النظامية، وتنامي نشاط الجماعات المسلحة، وتحول البلاد إلى ساحة تنافس إقليمي ودولي مفتوح.
اقتصادياً، يفاقم الصراع الداخلي من الانهيار القائم. فاليمن، الذي خسر منذ 2015 أكثر من 90 مليار دولار من ناتجه المحلي الإجمالي وفق تقديرات أممية، لا يحتمل جبهة جديدة تستنزف موارده المحدودة. ومع تراجع الخدمات الأساسية، وارتفاع معدلات الفقر التي تجاوزت 80% من السكان، يصبح أي صدام إضافي عبئاً مباشراً على المجتمع، ويقوض فرص التعافي.
إن استمرار الصراع بين الحكومة الشرعية والمجلس الانتقالي لا يخدم سوى منطق التفكك. فهو يضعف الدولة، ويمنح الحوثيين فرصة لتعزيز مواقعهم، ويحول دون بناء جبهة وطنية موحدة قادرة على التفاوض أو الحسم. كما أنه يضع الفاعلين الإقليميين أمام معادلة خاسرة، حيث يؤدي التنافس غير المنسق إلى إطالة أمد الحرب بدل إنهائها.
بين منطق الغلبة وحتمية التسوية
تُظهر التجربة اليمنية خلال السنوات العشر الأخيرة أن الرهان على الحسم العسكري لم يفضِ إلى بناء دولة قابلة للحياة، بل أسهم في تدوير الصراع وإعادة إنتاجه بأدوات أكثر تعقيداً وكلفة. فكل جولة مواجهة كانت تنتهي بتآكل إضافي في مؤسسات الدولة، واتساع رقعة الفاعلين المسلحين، وتعميق الانقسامات السياسية والجغرافية، دون أن تُحسم الأسئلة الجوهرية المتعلقة بشكل الدولة وطبيعة عقدها الاجتماعي. وفي هذا السياق، يبرز الصراع القائم بين الحكومة الشرعية والمجلس الانتقالي الجنوبي بوصفه اختباراً مصيرياً لمستقبل اليمن، إذ لم يعد خلافاً عابراً حول النفوذ أو تقاسم السلطة، بل بات مفترقاً حاسماً بين مسارين متناقضين: مسار تسوية سياسية شاملة تعيد تعريف الدولة على أسس توافقية، ومسار تفكك تدريجي قد يتحول إلى واقع دائم يصعب التراجع عنه.
إن خطورة اللحظة الراهنة تكمن في أن استمرار الصراع الداخلي لا يهدد وحدة اليمن فحسب، بل يقوّض ما تبقى من قدرة الدولة على أداء وظائفها الأساسية، ويفتح المجال أمام مزيد من التدخلات الخارجية، ويمنح القوى المسلحة غير الدولتية هامشاً أوسع لترسيخ حضورها. كما أن الانزلاق نحو تفكك طويل الأمد ستكون له تداعيات مباشرة على الإقليم، سواء من حيث الأمن البحري، أو الاستقرار الحدودي، أو تصاعد الأزمات الإنسانية والاقتصادية العابرة للحدود، ما يجعل كلفة الفشل أكبر بكثير من حدود الجغرافيا اليمنية.
من هنا، فإن أي أفق واقعي للخروج من المأزق الراهن يفترض أولاً انتقال الدور الإقليمي من منطق إدارة التوازنات الهشة إلى منطق بناء تسوية مستدامة، وفي مقدمة ذلك تنسيق سعودي ـ إماراتي صريح يعيد الاعتبار لمؤسسات الدولة اليمنية، ويضع حداً للرهانات الأحادية التي أثبتت محدوديتها. فغياب هذا التنسيق لا يؤدي إلا إلى إطالة أمد الصراع وتعقيد مسارات الحل، فيما يشكل توحيد الرؤية الإقليمية شرطاً أساسياً لخلق بيئة سياسية أقل استقطاباً وأكثر قابلية للتسوية.
بالتوازي مع ذلك، يظل الحوار السياسي الشامل الركيزة التي لا غنى عنها لإعادة بناء الدولة، على أن يكون حواراً يتجاوز منطق النخب المتصارعة، ويتناول بجدية قضايا تقاسم السلطة والثروة، وشكل الدولة، ومستوى اللامركزية، وضمانات المشاركة العادلة لمختلف الشعوب. فاليمن يقف اليوم أمام لحظة تاريخية فارقة: إما أن تتحول الأزمة الحالية إلى فرصة لإعادة التفكير في الدولة بوصفها إطاراً جامعاً، أو أن تصبح محطة إضافية في مسار تفكك سيحدد ملامح البلاد، وربما الإقليم بأسره، لسنوات طويلة مقبلة.
No Result
View All Result