No Result
View All Result
كوباني/ سلافا أحمد – بعد مرور أعوام على اغتيال المناضلات ساكينة جانسز وفيدان دوغان وليلى شايلمز في باريس، ما تزال الجريمة السياسية بلا محاسبة، رغم الدلائل على استهداف رموز نسوية لعبن أدواراً محورية في النضال الكردي. وتبقى ذكراهن حاضرة بوصفها شاهداً على استهداف مشروع تحرر المرأة، وذاكرة مقاومة لا تُغتال.
بعد مرور ثلاثة عشر عاماً على مجزرة باريس التي وقعت في التاسع من كانون الثاني 2013، ما تزال قضية اغتيال ثلاث مناضلات كرديات بارزات، هنّ الشهيدات ساكينة جانسز “سارا”، فيدان دوغان “روجبين”، وليلى شايلمز “روناهي”، مفتوحة دون محاسبة قانونية أو سياسية حقيقية. جريمة وُصفت منذ لحظتها الأولى بأنها اغتيال سياسي منظم، استهدف رموزاً نسوية لعبن أدواراً محورية في مسار النضال الكردي، ولا سيما في مشروع تحرر المرأة، وسط اتهامات متواصلة بتورط أجهزة تابعة للدولة التركية، يقابلها صمت دولي وانتقادات واسعة لأداء القضاء الفرنسي.
لم تكن مجزرة باريس حدثاً معزولاً أو طارئاً، بل جاءت في سياق سلسلة طويلة من عمليات الاستهداف الممنهجة للقيادات والكوادر الكردية في الخارج. اختيار الشهيدات الثلاث لم يكن عشوائياً؛ إذ مثّلت كل واحدة منهن بعداً أساسياً من أبعاد النضال الكردي: التنظيمي، الدبلوماسي، والشبابي، ما عكس رسالة سياسية واضحة مفادها استهداف مشروع تحرر المرأة والشعب الكردي معاً.
سيرة ثائرة صنعت تحولاً تاريخياً
وُلدت ساكينة جانسز عام 1958 في مدينة ديرسم “تونجلي” في باكور كردستان، وهي مدينة ارتبط اسمها بالمجازر التي ارتكبتها الدولة التركية، ولا سيما مجزرة ديرسم عامي 1938 ـ 1939، التي راح ضحيتها آلاف المدنيين، معظمهم من النساء والأطفال وكبار السن. في هذا السياق التاريخي المأساوي، تشكّل وعي ساكينة السياسي المبكر، وتحولت ذاكرة القمع إلى دافع أساسي لانخراطها في مسار نضالي طويل.
في أواخر سبعينات القرن الماضي، كانت ساكينة جانسز من أوائل النساء اللواتي التحقن بحركة التحرر الكردستانية، وشاركت عام 1978 في المؤتمر التأسيسي لحزب العمال الكردستاني في قرية فيس، إلى جانب 22 مناضلاً، بقيادة عبد الله أوجلان. هذا الحضور النسائي المبكر شكّل سابقة في بيئة سياسية واجتماعية كانت تهيمن عليها الذهنية الذكورية.
عرفت ساكينة جانسز بشخصيتها الثورية الصلبة، ودورها الريادي في بلورة نضال المرأة الكردية، حيث لم تنظر إلى قضية المرأة بوصفها مسألة ثانوية، بل باعتبارها محوراً أساسياً لأي مشروع تحرري. وقد أسهمت تجربتها العملية والفكرية في تطوير الخطاب النسوي الكردي، وربط تحرر المرأة بتحرر المجتمع ككل.
السجن… من مكان للعقاب إلى ساحة للمقاومة
بعد انقلاب 12 أيلول 1980 في تركيا، اعتُقلت ساكينة جانسز وحُكم عليها بالسجن عشر سنوات. إلا أن السجن لم يكن نهاية النضال لها، بل شكّل مرحلة جديدة من المقاومة. فقد كانت أول امرأة كردية تقدم دفاعاً سياسياً علنياً أمام المحاكم التركية، وبرزت قائدة بين السجناء، محافظة على روح التحدي رغم ما تعرضت له من تعذيب جسدي ونفسي قاسٍ.
شاركت ساكينة في فعاليات الإضراب عن الطعام، بعضها حتى الموت، احتجاجاً على سياسات القمع داخل السجون، مؤكدة أن الإرادة الحرة قادرة على تحويل الزنازين إلى منابر نضال. وأصبحت تجربتها في المعتقل نموذجاً يُحتذى به في أدبيات الحركة النسوية الكردية.
أُفرج عنها عام 1991، لتواصل نشاطها السياسي والتنظيمي، متنقلة بين عدة مناطق، قبل أن تتوجه إلى أوروبا، حيث اضطلعت بدور بارز في تنظيم الحركة النسائية الكردية، ونشر فكر وفلسفة عبد الله أوجلان، مع تركيز خاص على تحرير المرأة وتعريفها بحقوقها السياسية والاجتماعية.
إلا أنها وفي آذار 2007، وبناءً على طلب تركيا، أُدرج اسمها على اللائحة الحمراء للإنتربول، واعتقلت في فرنسا لنحو شهر ونصف، قبل أن يطلق سراحها.
شهادة نضالية موثقة
وثّقت ساكينة جانسز مسيرتها في كتابها الشهير “حياتي كلها صراع”، الذي يُعد من أبرز الشهادات النضالية في تاريخ الحركة الكردية. لا يكتفي الكتاب بسرد السيرة الذاتية، بل يقدم قراءة معمقة لتجربة المقاومة، ويؤكد أن تحرر المرأة هو الأساس لأي ثورة حقيقية. تصف ساكينة السجن بوصفه “مدرسة قاسية” صقلت وعيها الثوري، وتروي تجربتها كامرأة واجهت قمع السلطة والذهنية الذكورية في آن واحد.
أما الدبلوماسية فيدان دوغان التي نقلت القضية إلى العالم إذ برزت “روجبين” كإحدى الوجوه الدبلوماسية البارزة للقضية الكردية في أوروبا. شغلت منصب ممثلة المؤتمر الوطني الكردستاني في فرنسا، وشاركت في العديد من الندوات والاجتماعات الدولية، كما مثّلت الشعب الكردي في البرلمان الأوروبي والمجلس الأوروبي. لعبت دوراً مهماً في إيصال معاناة الكرد إلى الرأي العام الدولي، وبناء شبكات تضامن سياسية وحقوقية.
أما ليلى شايلمز “روناهي”، فكانت من الناشطات الشابات في حركة الشباب الكردي في أوروبا. تميزت بحيويتها وإيمانها العميق بحرية المرأة، وأسهمت في تنظيم الشباب وحثهم على الانخراط في العمل السياسي والنضالي. مثّلت ليلى الجيل الجديد من المناضلات اللواتي جمعن بين الوعي السياسي والطموح التغييري.
جريمة بلا محاسبة
في التاسع من كانون الثاني 2013، اغتيلت المناضلات الثلاث داخل مكتب مركز المعلومات الكردستاني في باريس. ورغم التحقيقات التي أظهرت مؤشرات واضحة على الطابع السياسي للجريمة، ورغم الأدلة التي ربطت الجاني بأجهزة استخباراتية، لم تُفضِ القضية إلى محاسبة المسؤولين الحقيقيين، ما أثار انتقادات واسعة لمنظمات حقوق الإنسان والحركة النسائية الكردية.
لم يؤدِ اغتيال ساكينة جانسز ورفيقتيها إلى كسر إرادة النساء، بل شكّل حافزاً لمواصلة النضال. فقد تحولت ذكراهن إلى رمز للمقاومة، وأصبحت قضيتهن جزءاً من الذاكرة الجماعية للشعب الكردي، وشاهداً على استهداف مشروع تحرر المرأة.
اليوم، وبعد أكثر من عقد على المجزرة، ما يزال الملف مفتوحاً في الوعي العام، ليس بوصفه حدثاً ماضياً، بل كقضية عدالة وحرية. ومع كل عام يمر، تتجدد المطالبة بالحقيقة والمحاسبة، تأكيداً على أن الذاكرة الحية شكل من أشكال المقاومة، وأن النضال الذي حملته ساكينة جانسز وفيدان دوغان وليلى شايلمز لا يمكن اغتياله.
No Result
View All Result