No Result
View All Result
محمد عيسى
منذ أكثر من عقدٍ، وفي واحدة من أكثر الجغرافية السوريّة تعقيداً من حيث التعدد القومي والديني، تبلورت تجربة الإدارة الذاتية الديمقراطية في شمال وشرق سوريا بوصفها استجابة تاريخية لفراغ الدولة، وانهيار المنظومات السلطوية، وتراكم عقود طويلة من القمع والإقصاء. لم تولد هذه التجربة من فراغ، ولم تكن نتاج لحظة سياسية عابرة، بل جاءت كحصيلةٍ لمسار نضالي طويل، بدأ قبل اندلاع الثورة السوريّة بسنوات، وتحوّل مع ثورة التاسع عشر من تموز 2012 إلى مشروع متكامل يسعى لإعادة تعريف الدولة، والسلطة، والمجتمع، على أسس الديمقراطية التشاركية، والعدالة الاجتماعية، واحترام التعدد.
من التهميش التاريخي إلى لحظة التاسع عشر من تموز
على مدى عقود طويلة، خضعت مناطق شمال وشرق سوريا لسياسات إقصاء ممنهجة صاغها نظام حزب البعث منذ إحكام قبضته على السلطة عام 1963. لم تكن هذه السياسات نتاج أخطاء عابرة أو ممارسات فردية، بل جاءت ضمن مشروع أمني ـ سياسي متكامل سعى إلى إعادة تشكيل المجتمع السوري وفق نموذج أحادي، يقوم على المركزية الصارمة، وإلغاء التعدد القومي والثقافي والديني. في هذا السياق، جرى التعامل مع التنوع بوصفه تهديداً، لا ثراءً، ما فتح الباب أمام عقود من القمع المنظم والتهميش المتعمد.
كان الكرد في صدارة الفئات المستهدفة، حيث حُرم عشرات الآلاف منهم من الجنسية السوريّة بموجب إحصاء استثنائي، فوجدوا أنفسهم خارج إطار المواطنة القانونية، بلا حقوق سياسية أو اجتماعية، ومحرومين من العمل، والتعليم، والتملك. في المقابل، لم يكن حال السريان والآشوريين وبقية الشعوب أفضل، إذ تعرضوا لتضييق ثقافي وديني طال لغاتهم، ومؤسساتهم التعليمية، ورموزهم التاريخية، في محاولة لطمس هوياتهم ودمجهم قسراً في خطاب قومي واحد. هذه السياسات، التي تراكمت على مدى نصف قرن، خلقت شعوراً عميقاً بالغبن، ورسخت فجوة واسعة بين الدولة والمجتمع.
مع اندلاع الثورة السوريّة عام 2011، بدأت ملامح هذا البناء السلطوي بالتصدع. انسحبت مؤسسات النظام الأمنية والإدارية تدريجياً من مناطق واسعة في شمال وشرق البلاد، تاركةً فراغاً سياسياً وأمنياً كان مرشحاً لأن يتحول إلى فوضى شاملة. غير أن ما ميّز هذه المناطق عن غيرها، هو قدرة المجتمع المحلي على التقاط اللحظة التاريخية، وتحويل الفراغ إلى فرصة. بدلاً من الانزلاق نحو الاقتتال الداخلي أو سيطرة المجموعات المتطرفة، بدأت قوى مجتمعية وسياسية بتنظيم نفسها، مستندةً إلى تجربة نضالية طويلة، وشعور جماعي بالحاجة إلى نموذجٍ مختلف.
في التاسع عشر من تموز 2012، انطلقت شرارة التحول من كوباني، معلنةً بداية مسار جديد لم يكتفِ برفض الاستبداد، بل سعى إلى طرح بديل عملي عنه. لم يكن السؤال المطروح آنذاك فقط كيف نُسقط منظومة القمع، بل كيف نبني إدارة تعبّر عن المجتمع، وتحمي تنوعه، وتمنحه القدرة على تقرير مصيره بعيداً عن الهيمنة المركزية. من هنا، بدأت تتشكل ملامح تجربة سياسية واجتماعية ستغيّر وجه شمال وشرق سوريا، وتضع أسس مشروع لا يزال يتبلور حتى اليوم.
من الدفاع الذاتي إلى قوة تحرير
من تلك اللحظة المفصلية التي انطلقت فيها شرارة التاسع عشر من تموز عام 2012، لم يقتصر التغيير على كسر قبضة السلطة القديمة، بل اتجه نحو بلورة مشروع بديل يجيب عملياً عن السؤال الذي طرحه المجتمع: كيف يمكن إدارة هذه الجغرافيا المتنوعة بعيداً عن منطق الدولة المركزية التي أنتجت الإقصاء؟ في هذا السياق، لم يكن الإعلان عن الإدارات الذاتية في الجزيرة وكوباني وعفرين خطوةً إدارية عابرة، بل جاء كتعبيرٍ مباشر عن رؤية فكرية وسياسية متكاملة، استندت إلى مفهوم “الأمة الديمقراطية” بوصفه إطاراً يعترف بالتعدد القومي والديني، ويعيد توزيع السلطة من المركز إلى القاعدة المجتمعية. هذا الطرح، الذي تبلور عبر سنوات طويلة من النقد للتجربة القومية الصلبة في المنطقة، وجد في شمال وشرق سوريا بيئة مناسبة للتجسد، بحكم تنوعها الاجتماعي، وإرثها النضالي ضد التهميش.
في تشرين الثاني 2013، بدأت ملامح هذا المشروع تتخذ شكلاً مؤسساتياً واضحاً، مع الإعلان عن أولى هياكل الإدارة الذاتية. شُيّدت المجالس المحلية والهيئات التنفيذية والتشريعية على أسس مختلفة عما عرفته سوريا سابقاً، حيث جرى كسر احتكار السلطة، واعتماد آليات تشاركية تضمن تمثيل جميع الشعوب دون إقصاء. لم يكن الهدف إنتاج سلطة بديلة بوجوه جديدة، بل تأسيس نموذج إدارة يعكس المجتمع نفسه، من خلال نظام الرئاسة المشتركة، والتوازن في التمثيل، وربط القرار السياسي بالحاجات الفعلية للناس. ومع اتساع رقعة المناطق التي خرجت من سيطرة مرتزقة داعش لاحقاً، برزت الحاجة إلى إطار جامع يوحّد هذه التجارب، وهو ما تُوّج بإعلان الإدارة الذاتية الديمقراطية لشمال وشرق سوريا في السادس من أيلول 2018.
غير أن هذا البناء السياسي والاجتماعي لم يكن ليصمد في ظل واحدة من أعنف المراحل التي شهدتها المنطقة، لولا وجود قوة قادرة على حمايته. فمع صعود مرتزقة داعش وتحوله إلى تهديد وجودي، لم تعد مسألة الدفاع خياراً، بل ضرورة. من هنا، تشكّلت قوات سوريا الديمقراطية عام 2015، كتحالف عسكري غير مسبوق في سوريا، جمع تحت رايته مقاتلين من مختلف الشعوب، على أساس الدفاع المشترك عن الأرض والإنسان. لم تُؤسس هذه القوات على منطق الهيمنة أو العقيدة المغلقة، بل على حماية التعايش، وهو ما انعكس في معاركها المفصلية من كوباني إلى الرقة ودير الزور. هذا المسار أثبت أن مشروع الإدارة الذاتية لم يكن هشاً أو مؤقتاً، بل قادراً على الدفاع عن نفسه، والتحول إلى عامل استقرار في واحدة من أكثر ساحات الصراع تعقيداً.
الانتصار على داعش… أبعاد إنسانية وسياسية
بعد انحسار الوجود الجغرافي لمرتزقة داعش وسقوط آخر معاقله في دير الزور عام 2019، لم تُغلق صفحة الحرب بقدر ما فُتح فصل جديد أكثر تعقيداً، تتداخل فيه التحديات الإنسانية مع الأسئلة السياسية العميقة. تحرير الرقة، التي حوّلها المرتزقة إلى رمزٍ لسلطته الدموية، لم يكن مجرد انتصار عسكري يُضاف إلى سجل المعارك، بل لحظة فاصلة أعادت لمجتمع كامل حقه في الحياة. المدينة التي خرجت من تحت الركام لم تكن بحاجة إلى الأمن وحده، بل إلى إدارة قادرة على إعادة ترميم النسيج الاجتماعي، وإعادة الثقة بين الأهالي، وهو ما حاولت الإدارة الذاتية إنجازه عبر تشكيل مجالس مدنية محلية، وإطلاق برامج لإعادة الإعمار، وتأمين عودة تدريجية للنازحين، رغم شح الإمكانيات وغياب دعم دولي يوازي حجم الدمار.
هذا التحول الميداني انعكس سياسياً بشكلٍ مباشر، إذ عزز من موقع الإدارة الذاتية كفاعلٍ لا يمكن تجاهله في معادلة شمال وشرق سوريا. لم يُعد يُنظر إليها كسلطة أمر واقع نشأت في ظروف استثنائية، بل كشريك أساسي في مواجهة الإرهاب، يمتلك القدرة على إدارة جغرافيا واسعة ومعقدة اجتماعياً وأمنياً. في الوقت نفسه، أثبتت مرحلة ما بعد داعش أن هزيمة التطرف لا تُختزل في كسر قوته العسكرية، بل في تفكيك بيئته الاجتماعية، عبر بناء نموذج يضمن الحقوق، ويؤسس لعدالة تمنع إعادة إنتاج الأسباب التي سمحت بتمدده.
في هذا السياق، برزت القاعدة الشعبية الواسعة للإدارة الذاتية كأحد أهم عناصر قوتها واستمراريتها. هذه التجربة لم تُفرض بقرارات فوقية، بل تشكّلت تدريجياً من القاعدة إلى القمة، عبر الكومينات والمجالس المحلية والمؤسسات المجتمعية، ما منح الناس شعوراً حقيقياً بالشراكة في القرار. المواطن في هذا النموذج ليس متلقياً سلبياً للسياسات، بل طرفاً فاعلاً في صياغتها، بغض النظر عن انتمائه القومي أو الديني، وهو ما أسس لعلاقة مختلفة بين المجتمع والسلطة.
ضمن هذا الإطار، شكّلت مشاركة المرأة إحدى أكثر سمات التجربة تحوّلاً وعمقاً ونجاحاً. لم تُعامل المرأة كرمز أو إضافة تجميلية، بل كعنصرٍ أساسي في بنية الحكم والدفاع. من الرئاسة المشتركة في المؤسسات المدنية، إلى دورها القتالي والتنظيمي في وحدات حماية المرأة، أعادت هذه المشاركة تعريف موقع المرأة في المجتمع. هذا التحول لم ينعكس على بنية السلطة فحسب، بل أحدث تغييراً اجتماعياً واسعاً، أسهم في بناء مجتمع أكثر توازناً، وأرسى أسس عدالة اجتماعية تُعد ركناً أساسياً في استقرار ما بعد الحرب.
الإدارة الذاتية كحلٍّ لسوريا المستقبل
رغم ما حققته الإدارة الذاتية من إنجازات سياسية وعسكرية واجتماعية لافتة، فإن مسيرتها لم تكن يوماً معزولة عن العواصف المحيطة بها. فمنذ سنواتها الأولى، وُضعت هذه التجربة في مرمى الهجمات العسكرية للاحتلال التركي، الذي سعى عبر التدخّل المباشر واستخدام المجموعات التابعة له إلى تقويض أي نموذج ديمقراطي بديل في سوريا. أسفرت هذه الهجمات عن احتلال عفرين عام 2018، ثم سري كانيه وكري سبي عام 2019، وما رافق ذلك من عمليات تهجير قسري، وتغيير ديمغرافي، وانتهاكات واسعة طالت المدنيين، خلّفت جراحاً إنسانية ما تزال آثارها حاضرة حتى اليوم. إلى جانب التهديد العسكري، واجهت المنطقة حصاراً اقتصادياً خانقاً، ونقصاً حاداً في الموارد، فضلاً عن حالة من التجاهل السياسي من قبل قوى دولية فاعلة، تعاملت مع التجربة بمنطق المصالح الضيقة لا بمنطق الحلول المستدامة.
ورغم هذه الظروف القاسية، لم يتحول المشروع إلى حالة دفاعية مغلقة، بل واصل مسار تطوير ذاته. عملت الإدارة الذاتية على تعزيز اقتصادها المجتمعي، والاعتماد على التعاونيات، وتنظيم الموارد المتاحة بما يخفف من آثار الحصار، بالتوازي مع تطوير مؤسساتها المدنية، وبناء هياكل أكثر مرونة وقدرة على الاستجابة للأزمات، هذا الإصرار على الاستمرار، رغم الاستهداف، عكس عمق الجذور الاجتماعية للمشروع، وقدرته على التكيّف مع واقع شديد التعقيد.
اليوم، ومع انسداد الأفق السياسي في سوريا، تُطرح تجربة الإدارة الذاتية بوصفها أحد أكثر النماذج واقعية للخروج من المأزق الوطني، فهي تقدّم تصوراً لسوريا لا مركزية، تقوم على توزيع عادل للسلطة، واحترام التعدد القومي والديني، وضمان حقوق جميع الشعوب دون إقصاء. في بلد أنهكته الحروب، ومزقته الصراعات الطائفية والمناطقية، تبدو هذه التجربة كخريطة طريق لإعادة بناء الدولة على أسس جديدة، يكون فيها المجتمع شريكاً فعلياً في القرار، لا مجرد تابع لمراكز القوة.
بهذا المعنى، تتجاوز الإدارة الذاتية حدود كونها تجربة محلية مرتبطة بجغرافيا محددة، لتتحول إلى مشروع وطني قابل للتعميم. إنها إشراقة أمل في زمن الانهيارات الكبرى، تؤكد أن البديل عن الاستبداد والفوضى ليس وهماً، بل خياراً ممكناً، حين تمتلك الشعوب الإرادة، والتنظيم، والرؤية لبناء مستقبلها بأيديها.
No Result
View All Result