No Result
View All Result
راما حسين
التاريخ هو ذاكرة الشعوب، لكن الحاقدين قادرون على تحريفه بما يخدم رؤاهم المظلمة، فينقلونه مشوهاً بلون عيونهم المليئة بالكراهية. فيما قد يتمكن البعض تحريف التاريخ البعيد لشح المراجع أو غياب الأدلة، إلا أن التشويه في التاريخ الحديث هو أكذوبة مكشوفة، لم تنطلي على العقول المتفتحة. تاريخنا القريب، الذي لا يزال حياً في ذاكرة من عاشوه، يشهد على أحداثٍ أسست لهذا الحاضر، فبعد نهاية الحرب العالمية الأولى (1914- 1918)، انتصر الحلفاء وتجرعت ألمانيا والدولة العثمانية مرارة الهزيمة، وبعد هذا الصراع الكبير، بدأ تقسيم الدول العربية، فأصبحت بعض البلدان تحت الانتداب الفرنسي (سوريا ولبنان)، وبعضها تحت الانتداب البريطاني والإيطالي والإسباني.
لكنها لم تكن مجرد فترة تسلط، بل كانت نقطة انطلاق ثورات شعبية. من أبرزها وأولها ثورة الشيخ صالح العلي ضد الفرنسيين، التي كانت الثورة الأولى في المنطقة، حيث كانت الجبال الوعرة سلاحهم الأهم في مواجهة المحتل. لم تكن تلك الحقبة أكثر رحمة من حكم العثمانيين، بل شهدت تغييرات مفصلية، كإلغاء اسم “النصيري” واستبداله بـ “العلوي” في محاولة لتوسيع الفجوة الطائفية، وزيادة الانقسام الاجتماعي الذي أثر في مستقبل المنطقة.
وقد عاشت سوريا في تلك الفترة أوضاعاً مأساوية، إذ عانى الشعب من الجوع والحرمان، بينما قدم لهم الفرنسيون معونات من الصليب الأحمر تحت شعار الرحمة، ولكنها كانت في الواقع محاولة للسيطرة على عقول الناس وكسب ولائهم، ثم بدأت فرنسا بتقسيم سوريا إلى دويلات، حيث تم إنشاء دولة الشام، ودولة حلب، ودولة العلويين، ودولة لبنان، ودولة الدروز.
وفي عام 1922، اجتمع ممثلون من هذه الدول في حلب، وقرروا الوحدة والاتحاد، وكان من أبرز الشخصيات المشاركة في هذا الحدث: محمد علي العابد، عطا الأيوبي، فارس الخوري، الشيخ طاهر الأتاسي، وراشد برازي من دولة الشام، وصبحي بركات، غالب إبراهيم باشا، رشيد مدرس، حسن إسماعيل من دولة حلب، وجابر العباس، إسماعيل الهواش، إسماعيل جنيد، إسحق نصري، وعبد الواحد هارون من دولة العلويين.
وبعد اتفاقهم على الاتحاد، تم انتخاب صبحي بركات كممثلٍ لهذا الاتحاد، وتوزعت المناصب على الأعضاء، حيث تولى محمد علي العابد حقيبة الاقتصاد، وحسين عزت الأشغال العامة، ونصري نحاس الخدمات المدنية، وعطا الأيوبي وزارة العدل، ومصطفى نعمت قيادة الشرطة والمخافر.
لكن مع مرور الوقت، بدأ صبحي بركات بتهميش العلويين، واستبعادهم من مجلس الاتحاد، ليقتصر تمثيل المجلس على دمشق وحلب فقط، بينما بقي العلويون خارج المعادلة، ما يعكس الصراع الداخلي والتحديات التي واجهها الشعب السوري في تلك الحقبة من تاريخهم المأساوي. ماذا حصل بعد استبعاد العلويين من المعادلة السوريّة في تلك الحقبة..؟
إبعاد شبح التقسيم إثر إعلان الاتحاد
بعد إعلان جابر العباس عن الاتحاد مع حكومة دمشق وحلب أبعدته فرنسا عن رئاسة دولة العلويين، وتم إسناد الرئاسة إلى إبراهيم الكنج، الذي ينتمي إلى سلالة المقدمين.
البعض اتهمه بالعمالة، لكنه كان نصيراً للاستقلال. لقد دفعته مظالم الأتراك وكذلك المظالم التي عانى منها العلويون مع شركائهم في الوطن إلى اتخاذ هذا الموقف. كان يعلم أن فرنسا تسعى لتحقيق مصالحها، وكان له هو الآخر مصالحه، ولكنه لم يرَ في ذلك عيباً. كان يطمع في تثبيت الاستقلال، حتى لو جاءت المساعدة من أيّة جهة كانت، كان يقول: “فرنسا ذاهبة، والاستقلال باقي”.
زيارة هاشم الأتاسي إلى فرنسا 1936
ترأس هاشم الأتاسي وفداً سورياً في عام 1936 إلى فرنسا للتفاوض حول مطالب الاستقلال، في المقابل، اجتمع زعماء العلويين في طرطوس ليتشاوروا حول ما إذا كانوا يرغبون في الاستقلال أم لا. اختلفت الآراء بين الحاضرين؛ منير عباس كان من أبرز من دعوا للوحدة من أجل الحفاظ على سوريا، بينما كان البعض الآخر يؤيد الاستقلال.
منير عباس قام بنشاطٍ كبير بين العلويين، وأقنعهم بفكرة الوحدة حفاظاً على سوريا. في الجهة المقابلة، نشط شوفلر، حاكم اللاذقية، وبتوجيه من المفوض السامي في بيروت، دفع أحد وجهاء العلويين إلى إرسال برقية إلى الحكومة الفرنسية يعلن فيها أن العلويين ليسوا عرباً ولا مسلمين ويرفضون الوحدة.
رد منير عباس
أربك هذا التصريح الوفد المفاوض باسم العلويين، فأرسل رئيس الوفد برقية إلى منير عباس يُخبره بما حدث ويطلب مساعدته. بدوره، تحرك منير عباس بسرعة، وأرسل ثلاث برقيات إلى وزارة الخارجية الفرنسية باسم الزعماء والشيوخ العلويين. كما أرسل برقية من الحاج أمين الحسيني، مفتي الديار الفلسطينية، لدعم موقف العلويين.
البرقية الأولى:
في تموز 1936، أعلن رجال الدين العلويين خطياً ما يلي:
-
“كل علوي هو مسلم يعتقد بالشهادتين ويُقيم أركان الإسلام الخمسة”.
-
“كل علوي لا يعترف بإسلاميته وينكر القرآن، فلا يعدُّ علويًا”.
وكان من أبرز الموقّعين على هذه البرقية:
“الشيخ صالح العلي، قائد الثورة، الشيخ صالح ناصر الحكيم، جابر العباس، علي محمد سلمان، جابر حرفوش، محسن حرفوش، علي شهاب، أحمد ديب الخير، خليل محمود ونوس، عبد الحميد صالح، علي محمد كامل، صالح محمود، مصطفى عمران، عبد الكريم عمران، محمد محمود مصطفى” وقد أرسل منير عباس هذه البرقية إلى وزارة الخارجية الفرنسية.
البرقية الثانية:
في تموز 1936، اجتمع العلويون في قرية القرداحة ورفعوا مذكرة هامة جاء فيها:
“إن العلويين ليسوا سوى أنصار الإمام علي، ابن عم الرسول وأول من آمن به، فليس الأرثوذكسي والكاثوليكي والبروتستانتي سوى مسيحيين، وكذلك العلوي والسني يعتبران مسلمين”.
كما أكدت المُذكرة إن القرآن الكريم هو كتاب العلويين، سواء كانوا يطالبون بالوحدة أو الانفصال، ومن كان القرآن كتابه فهو مسلم. وقد أرسل منير عباس هذه المذكّرة إلى وزارة الخارجية الفرنسية على شكل برقية.
البرقية الثالثة:
في 30 تموز 1936، أرسل مفتي الديار الفلسطينية، الحاج أمين الحسيني، برقية إلى وزارة الخارجية الفرنسية جاء فيها:
“إن هؤلاء العلويين مسلمين، ويجب على عامة المسلمين التعاون معهم على البر والتقوى.” وقد أُرسلت هذه البرقية إلى وزارة الخارجية الفرنسية.
المفاوضات والاتفاقية
اتفق الوفد السوري مع الحكومة الفرنسية بعد مفاوضات صعبة، وصفها أستاذ التاريخ عابدين حمادة بأنها كانت أدنى من المعاهدات التي وقّعها الملك فيصل مع الحكومة الفرنسية أثناء الحرب العالمية الأولى، والتي رفضتها سوريا.
عاد الوفد السوري إلى بلاده، ولكن شبح التقسيم ظل يُلوح في الأفق. تم انتخاب المجلس النيابي الذي اختار هاشم الأتاسي رئيساً للحكومة، بينما شكل جميل مردم الحكومة. ورغم ذلك، منحت المعاهدة المفوض السامي الفرنسي الحق في حل الحكومة وإقالة الرئيس.
إهمال تضحيات العلويين
من المعروف أن الحكومة الجديدة تنكرت لتضحيات العلويين، ورفضت تكليفهم بأي مسؤولية وطنية، وكأنهم لم يكونوا جزءاً أساسياً من النضال ضد الاحتلال. كان بعض القادة والحكام يتصرفون وكأن البلاد مزرعة لهم، وكأنهم هم وحدهم من حققوا الاستقلال.
كيف حكم رجالات الحزب الوطني..؟
في مرحلة حرجة من تاريخ سوريا، حين تولى رجال الحزب الوطني مقاليد الحكم، كان هناك الكثير من الظلم والتهميش، خصوصًا تجاه العلويين. خلال فترة حكم هاشم الأتاسي، ثم في عهد شكري القوتلي، سادت عقلية المزرعة التي استغلت خيرات البلاد لصالح القلة، ما أدى إلى انقلابات وهزات سياسية، وكان التدخل العسكري من قبل الجيش أمرًا متوقعًا.
لكن، في الوقت الذي كانت فيه سوريا تكافح لاستعادة سيادتها بعد الاحتلال الفرنسي، كان للمؤامرات الداخلية دور كبير في إعاقة التقدم. ففي عام ١٩٣٩، خسرت فرنسا الحرب أمام ألمانيا، وشكّل الجنرال ديغول الحكومة الفرنسية الحرة في الخارج، ثم جاء إلى سوريا ولبنان عام ١٩٤٣ ليعلن الاستقلال. ومع ذلك، كان الاستقلال الحقيقي لا يزال بعيد المنال للكثير من الفئات، خاصةً العلويين الذين عانوا من التهميش والظلم.
حين تولى شكري القوتلي رئاسة سوريا، حمل في قلبه مشاعر عميقة من الحقد والكراهية تجاه العلويين، هؤلاء الذين كانت لهم دائماً قصة مع التمييز والاضطهاد. في تلك الأيام، شكّل سعد الله جابري حكومة سوريا، وكانت نقمته على العلويين تعادل نقمة الأتراك، وكان يسعى لإقصائهم من الحياة السياسية والاجتماعية.
اتُهم العلويون بالكفر والإلحاد، وكان يتم استبعادهم من وظائف الدولة المهمة. بل وصل الأمر إلى اتهام سلمان المرشد بالخيانة العظمى، بينما كان الإعلام السوري يروج لهذه الاتهامات التي لم تكن سوى حملة تشويه لسمعة العلويين. وفي الوقت نفسه، تم إغفال تضحياتهم ونضالهم في سبيل الاستقلال، مثل توقيعهم على مذكرة مؤتمر القرداحة التي منعت تقسيم سوريا.
الغريب في الأمر أن الشعب كان مُغيّبًا تمامًا عن حقيقة العلويين، وكان الإعلام الموجه هو المصدر الوحيد للمعلومات، هذا الإعلام كان يعزز الصورة النمطية السلبية عن العلويين، ويحوّلهم إلى “آخر” بعيد عن الوطنية والمصداقية. لم يكن هذا هو الواقع، لكن أغلب الناس كانوا يصدقون ما يُعرض لهم.
في هذه الأجواء المشحونة، تقدم منير عباس إلى المجلس النيابي بمقترح لإلغاء تسمية “العلويين” واستعادة الاسم القديم لهم، لكن ما حدث أن معظم النواب وافقوا على استبعاد أي تسمية طائفية، وقرروا اختصار المجتمع إلى “مسلمين ومسيحيين”. ولكن وراء هذا القرار كان هدف خبيث: أن تُمنح كافة المقاعد لمن ينتمون للمذاهب الرئيسية، وبالتالي تُحرم الطوائف الأخرى من المشاركة الحقيقية في الحياة السياسية.
وفي عام ١٩٤٦، ظهرت دعوات لتسنين العلويين، حيث أرسلت الحكومة بعثات تبشيرية إلى الساحل السوري، وكانت حجتهم أن العلويين “كفار” ويجب أن “يُهتدوا”. وتدفق طلاب العلويين إلى المدارس الشرعية تحت هذه الضغوط، وتُرسل بعثات إلى الأزهر، في محاولة لتغيير هويتهم الدينية والثقافية. ولكن؛ عندما عاد هؤلاء الطلاب إلى سوريا، لم تُفتح لهم أبواب الوظائف الحكومية، رغم تفوقهم الدراسي.
كان من أبرز هذه القصص قصة محمد الفاضل، الذي تفوق في بعثة تعليمية لأجل دراسة الحقوق. على الرغم من تفوقه، إلا أن السلطة كانت ترى فيه تهديدًا حقيقيًا لسوريا. أرسل عادل العظمة، محافظ اللاذقية، كتابًا سريًا إلى وزير الأوقاف عادل أرسلان، يحذر فيه من أن عودة محمد الفاضل أستاذًا جامعيًا قد تشكل خطرًا على البلاد! هذا الكتاب كان تجسيدًا آخر للظلم الذي تعرض له العلويون: حتى بعد أن نالوا حقهم في التعليم والنجاح، كان لهم دائمًا عائقاً إضافياً: التمييز والرفض الاجتماعي.
لم يستسلم محمد الفاضل، بل تمسك بحقه في التعليم، وسافر ليُكمل دراسته وعاد ليكون من ألمع رجال القانون في سوريا. ولكن قصته لم تكن مجرد قصة شخصية، بل كانت تمثل نضال شعب بأسره ضد التهميش والاضطهاد.
كانت تلك الفترة مليئة بالتحديات، وكان العلويون يدفعون ثمنًا غاليًا من أجل الحصول على حقوقهم البسيطة في المواطنة. لقد كانت محاولات التهميش هذه بمثابة عقبة كبيرة أمام وحدة الوطن. وبالرغم من كل الصعوبات، استمر العلويون في النضال من أجل الحق والعدالة، وكانوا في كثير من الأحيان أكثر من مجرد ضحايا للنظام؛ كانوا رموزًا للثبات والإصرار على أن يكون لهم دور في بناء وطنهم.
…………………..
المراجع:
ـ العلويون ودولتهم المستقلة لـ محمد هواش.
ـ العلويون ومن هم وأين هم للأستاذ منير شريف.
ـ مجلة القبس الدمشقية.
ـ مذكرات الدكتور حسن الحسن للدكتور حسن الحسن.
No Result
View All Result