No Result
View All Result
جل آغا/ أمل محمد-في باريس حيث تُرفع شعارات الحرية على جدران التاريخ، ويُفترض أن يكون المنفى مساحةً للنجاة لا امتداداً للموت، وقعت مجزرةٌ أعادت فتح جرحٍ كرديٍّ قديم، جرحٍ لم يجفّ منذ أن سال دمه للمرة الأولى في المدينة نفسها، كانت مجزرة باريس الثانية أكثر من حادثة عنف عابر، كانت لحظة انكشافٍ قاسية لوهم الأمان، ورسالةً دامية تقول “إن الاغتيال قد يتقن لغة السفر”.
في الثالث والعشرين من كانون الأول 2022، اخترق الرصاص نهار باريس البارد في المركز الثقافي الكردي هناك، لم يكن المكان هدفاً عسكرياً ولا ساحة مواجهة، بل بيتاً للذاكرة الكردية، ومنبراً للفن والسياسة واللغة، ومرفأً لمن حملوا وطنهم جرحاً في قلوبهم، هناك سقطت ثلاث قامات كردية كبيرة، لا لشيء سوى لأنهم كانوا يمثلون حضوراً حياً لقضيةٍ لم تمت.
لم يكن الضحايا أشخاصاً عاديين، بل رموزاً ذات ثقلٍ معنوي وثقافي وسياسي داخل المجتمع الكردي، إحداهن مناضلة سياسية “أمينة كارا”، التي كرّست حياتها للدفاع عن قضية شعبها وحقوق المرأة الكردية، وحملت نضالها من الجبال إلى المنفى دون أن تتخلى عن إيمانها، والشخص الثاني، الفنان والمغني “مير برور” والذي جعل من صوته جسراً بين الذاكرة والمقاومة، أما الضحية الثالثة فكان النشاط السياسي “عبد الرحمن كزل”.
“تغيرت الوجوه والألم ذاته”
لم يكن اغتيال هذه الشخصيات صدفة، ولا موجهاً إلى أجسادهم وحدها، بل إلى ما يمثلونه “الوعي، والذاكرة، والهوية”، كان استهدافاً مباشراً للرمز الكردي في المنفى، ومحاولة لكسر الشعور بأن أوروبا ملاذٌ محايد، بعيد عن صراعات الشرق وقمعه، ولهذا سُمّيت بالمجزرة الثانية، لأنها جاءت امتداداً لجريمة 2013، وكأن باريس تحوّلت إلى مسرحٍ يتكرر فيه المشهد نفسه، مع تغيّر الوجوه وبقاء الألم.
وأحدثت المجزرة صدمةً عميقة في الأوساط الكردية داخل فرنسا وخارجها، لم يكن الحزن وحده سيد الموقف، بل الغضب أيضاً، غضبٌ من تكرار الاستهداف، ومن بطء العدالة، ومن الأسئلة التي بقيت بلا إجابات واضحة، خرجت التظاهرات، وارتفعت صور الشهداء، وتحولت الشوارع إلى مساحة حدادٍ جماعي، حيث اختلطت الدموع بالهتافات، والحداد بالمطالبة بالحقيقة.
وتبقى مجزرة باريس الثانية علامةً سوداء في ذاكرة الكرد، وشاهداً على أن الدم يمكن أن يسيل حتى في أكثر المدن ادعاءً للإنسانية، إنها ليست جريمة ضد أفراد فحسب، بل ضد حق شعبٍ في أن يعيش ممثلوه الكبار أحياء وأن يحلموا وأن يغنوا ويناضلوا دون أن يدفعوا حياتهم ثمناً لذلك، سُرق اللحن واُغتيلت الكلمة وسقطت الحرية التي يتغنون بها بين جدران باردة بعيدة عن الوطن.
جرح يعاد واغتيال عابر للحدود
باريس تفعلها مجدداً، تلك المدينة التي طالما تغنّت بالحرية واحتضنت المنفيين والهاربين من القمع، تلطّخت شوارعها مرةً أخرى بدمٍ كرديٍّ أعزل، ليُفتح جرحٌ قديم لم يندمل منذ عقدٍ من الزمن، لم تكن مجزرة باريس الثانية حادثةً معزولة، بل صدى متأخر لمأساةٍ سابقة، ورسالةً قاتمة تقول إن الاغتيال يمكن أن يعبر الحدود، وإن المنفى لا يكون دائماً ملاذاً آمناً.
لم يكن المكان ثكنةً عسكرية ولا ساحة صراع، بل فضاءً ثقافياً واجتماعياً يجتمع فيه أبناء الجالية الكردية للحفاظ على لغتهم وذاكرتهم وهويتهم، بعيداً عن الحروب والاضطهاد الذي دفعهم إلى المنفى، هناك سقطت الحرية بجوار العدالة وعلى مقربةٍ منهم باتت المقاومة وحيدة.
ولم يكن الضحايا مجرد أرقام في بيان أمني، بل وجوهاً معروفة في أوساط الجالية الكردية، وأصواتاً حملت همّ شعبٍ مشرّد بين الجغرافيا والسياسة، اغتيالهم لم يكن استهدافاً لأشخاص بقدر ما كان محاولة لإسكات رموز، وكسر الذاكرة، وبثّ الخوف في قلوب من ظنّوا أن المنفى قد منحهم بعض الطمأنينة، سقط العود من يد “مير برور” ونزف جسد “أمينة كارا” دماءً طاهرة، وأُغمضت عينا “عبد الرحمن كزل” للأبد.
غضب شعبي
خرج الكردي، داخل الوطن وخارجه يعبر عن سخطه ويطالب بالعدالة لدماء الشهداء، حيث ارتفعت صور الضحايا، وتعالت الهتافات المطالِبة بالحقيقة والعدالة، لم يكن الحزن صامتاً هذه المرة، كان مشوباً بالغضب، وبإحساسٍ عميق بأن العدالة ما تزال قاصرة عن حماية المستهدفين بسبب هويتهم السياسية أو القومية.
ولم تتحقق العدالة في مجزرة باريس الأولى حتى تبعته المجزرة الثانية، دماء ساكينة اختلطت بدماء أمينة، والمجرم في المجزرتين واحد والضحية واحدة، المجرم من حارب الحرية دوماً والضحية من قاتل من أجلها، تركيا من ترى في الحرية تهديداً لسيادتها وباريس من كانت شاهدة على هذه الفاجعة، تبنت تركيا الهجوم ورفضت باريس الإدلاء بشاهدة الحق، وشهدائنا رحلوا في سبيل قضية أوطانهم.
فمجزرة باريس الأولى والثانية علامةً سوداء في سجل العنف السياسي ضد الكرد، ودليلاً مؤلماً على أن النضال من أجل العدالة لا ينتهي بمجرد عبور الحدود، إنها جريمة لا تخص الضحايا وحدهم، بل تمسّ الضمير الإنساني جمعاء، وتطرح سؤالاً أخلاقياً مفتوحاً: “إلى متى يُقتل الحالمون بالحرية، حتى في المدن التي بُنيت أسطورتها على شعارها الخالد: حرية، مساواة، أخوّة؟”.
No Result
View All Result