No Result
View All Result
محمد عيسى
منذ اللحظة الأولى لاندلاع الحرب السوريّة عام 2011، لم يكن حيّا الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب مجرد رقعتين جغرافيتين على خارطة الصراع، بل تحوّلا باكراً إلى معنى سياسي واجتماعي مكتمل الأركان. هنا، عند السفوح الشمالية لحلب، وعلى تماس مباشر مع أحياء المدينة القديمة والحديثة، تشكّلت واحدة من أطول وأعقد تجارب الصمود الشعبي في سوريا المعاصرة؛ تجربة لم تُكتب فصولها بالبيانات ولا بالوعود، بل بالجوع، والحصار، والدم، والتنظيم الذاتي، وإرادة مجتمع قرر أن لا يُهزم.
على امتداد أكثر من أربعة عشر عاماً، تعرّض الحيّان لعشرات الحملات العسكرية، ولسنوات متقطعة من الحصار الخانق، ولآلاف القذائف، ومع ذلك بقيا عصيّين على السقوط. لم تستطع قوات النظام السابق اقتحامهما، ولم تنجح فصائل المعارضة المتشددة في إخضاعهما، ولم تفلح سياسة التجويع في كسر إرادة سكانهما. وفي تشرين الأول 2025، وبعد سقوط النظام ووصول الحكومة السوريّة الانتقالية إلى السلطة، تكرّر المشهد ذاته: حصار جديد، تصعيد عسكري، ثم تراجع سياسي سريع تُوّج بلقاءٍ مباشر في دمشق بين قائد قوات سوريا الديمقراطية الجنرال مظلوم عبدي ووزير دفاع الحكومة الانتقالية، انتهى باتفاق وقف إطلاق نار. لم يكن ذلك صدفة، بل نتيجة مسار طويل من المقاومة البطولية.
الجغرافيا التي صنعت المعركة
لم يكن موقع حيّي الشيخ مقصود والأشرفية تفصيلاً جغرافياً عابراً في سياق الحرب السورية، بل شكّل منذ اللحظة الأولى عاملاً حاسماً في رسم مسار المواجهة داخل مدينة حلب. فتموضع الشيخ مقصود على تلة مرتفعة شمالي المدينة أتاح له إشرافاً مباشراً على عدد واسع من الأحياء الحيوية، فيما جاء حي الأشرفية متداخلاً معه كامتداد سكاني واقتصادي متصل بنبض المدينة اليومي. هذا التداخل جعل الحيّين نقطة ارتكاز استراتيجية لا يمكن تجاهلها عسكرياً أو سياسياً، خصوصاً مع تحوّل حلب في عام 2012 إلى مدينة منقسمة بين خطوط تماس متحركة وقوى متصارعة تسعى لفرض نفوذها بأي ثمن.
مع بداية صيف 2012، وتحديداً في شهري حزيران وتموز، بدأت ملامح الاستهداف المنهجي تظهر بوضوح. أُغلقت الطرق الرئيسية المؤدية إلى الحيّين، وتوقفت حركة الإمداد بشكلٍ شبه كامل، ما أدى خلال أسابيع قليلة إلى نقصٍ حاد في مادة الطحين وسائر المواد الغذائية الأساسية. في 24 تموز 2012، وفي محاولة لكسر هذا الطوق، نظم المجلس الشعبي المحلي قافلة شاحنات محملة بالطحين باتجاه إحدى المطاحن الواقعة شرق المدينة، ترافقها لجان حماية مدنية غير مسلحة. غير أن القافلة تعرّضت لإطلاق نار مباشر، أسفر عن استشهاد ثلاثة شبان وإصابة عشرة آخرين بجروح متفاوتة، هذا التاريخ شكّل منعطفاً حاسماً في وعي الأهالي، إذ أدركوا أن استهداف الغذاء ليس نتيجة جانبية للقتال، بل أداة ضغط مقصودة لإخضاع مجتمع كامل.
بعد ثلاثة أيام فقط، في 27 تموز 2012، جاء الرد سريعاً ومباشراً. شنت وحدات حماية الشعب عملية عسكرية ضد الحواجز المحيطة بالشيخ مقصود والأشرفية، وأسفرت العملية، وفق بيان رسمي صدر آنذاك، عن مقتل أكثر من 20 عنصراً من القوات الحكومية. لم يكن هذا الهجوم مجرد رد انتقامي، بل إعلان دخول مرحلة جديدة من الصراع، حيث تداخل الدفاع العسكري مع الإرادة الشعبية والتنظيم المجتمعي. منذ ذلك التاريخ، بدأت تتشكل معالم نهج مقاوم مختلف، قوامه أن الجغرافيا التي فُرضت عليها المعركة تحوّلت إلى مصدر قوة، وأن المجتمع المنظم قادر، بالأرقام والتواريخ، على قلب معادلات فرضت عليه بالقوة.
ولادة المقاومة الشعبية
بين عامي 2013 و2014، تعرّض الشيخ مقصود والأشرفية لسلسلة هجمات متقطعة، رافقها قصف عشوائي بالقذائف الصاروخية وقذائف الهاون. تشير إحصاءات محلية إلى سقوط مئات القذائف على الحيّين خلال هذه الفترة، أودت بحياة عشرات المدنيين، بينهم نساء وأطفال. ورغم ذلك، لم تشهد المنطقة موجات نزوح جماعية، بل على العكس، تحوّلت إلى ملاذ آمن لمئات العائلات الفارّة من الأحياء الشرقية لحلب.
في تلك السنوات، لم تعد المقاومة محصورة في المقاتلين، بل أصبحت مشروعاً مجتمعياً كاملاً. أنشئت لجان خدمية، ومجالس محلية، ونقاط طبية بدائية، وأفران جماعية. شارك الأرمن، والمسيحيون، والتركمان، والعرب، والكرد في إدارة هذه المؤسسات، ما جعل الحيّين نموذجاً مصغراً للتعايش السوري المفقود في بقية المناطق.
هذا النموذج كان صفعة مباشرة لسياسات النظام السابق، كما للفصائل المتشددة التي سعت إلى فرض منطق اللون الواحد. فبينما كانت خطوط التماس في حلب تُفرغ من سكانها، ظل الشيخ مقصود والأشرفية مكتظين بالحياة، رغم الجراح.
وفي أيلول 2015، دخل الحيّان واحدة من أقسى مراحل تاريخهما. فرضت بعض فصائل المعارضة المسلحة حصاراً خانقاً على حي الشيخ مقصود، ومنعت إدخال المواد الغذائية والطبية والمحروقات. استمر القصف العشوائي لأشهر، وسُجلت عشرات الإصابات في صفوف المدنيين. خلال تلك الفترة، قُطعت الكهرباء والمياه بشكل شبه كامل، وتوقفت معظم الأفران عن العمل.
ورغم شراسة الحصار، لم يسقط الحي. على العكس، ازدادت وتيرة التنظيم الذاتي، وظهرت مبادرات تكافل اجتماعي غير مسبوقة. كانت العائلات تتقاسم ما تملكه من خبز، وكان المقاتلون يوزعون حصصهم الغذائية على المدنيين. هذه التجربة رسّخت قناعة راسخة لدى السكان بأن الصمود ليس خياراً أخلاقياً فقط، بل ضرورة وجودية.
منذ ذلك التاريخ، أصبح الحصار «قصة متجددة» في الشيخ مقصود والأشرفية. حصارات قصيرة، وأخرى طويلة، لكن النتيجة واحدة: فشل سياسة الإخضاع.
حصار الفرقة الرابعة والموت البطيء
في شهر رمضان من عام 2022، دخل حيّا الشيخ مقصود والأشرفية واحدة من أكثر مراحلها قسوة منذ اندلاع الحرب السورية، حين فرضت الفرقة الرابعة التابعة لقوات النظام حصاراً محكماً حوّل الحياة اليومية إلى معركة بقاء مفتوحة. لم يكن الحصار مجرد إجراء أمني مؤقت، بل سياسة خنق مدروسة استهدفت أدق تفاصيل العيش؛ أُغلقت المداخل بشكل شبه كامل، ومُنع دخول الطحين والمحروقات والمواد الطبية، فيما سُمح أحياناً بمرور كميات رمزية بعد دفع إتاوات مرتفعة أو تعرّض الشحنات للسرقة على الحواجز، خلال أسابيع قليلة، توقفت جميع الأفران عن العمل، وتحول الخبز من مادة أساسية إلى حلمٍ يومي، فيما قفزت أسعار المواد الغذائية المتوفرة داخل الحيين إلى أضعاف مضاعفة، خارج أي قدرة شرائية لمعظم السكان.
مع امتداد الحصار لأكثر من خمسة أشهر، بدأت ملامح “الموت البطيء” تظهر بوضوح في آب 2022، سُجلت حالتي وفاة بين الأطفال نتيجة سوء التغذية ونقص وسائل التدفئة، في مؤشر خطير على حجم الكارثة الإنسانية التي كانت تتشكل بصمت. لم يعد البرد والجوع مجرد توصيف مجازي، بل واقعاً ملموساً دفع العائلات إلى حلولٍ قاسية؛ لجأ كثيرون إلى تكسير أثاث منازلهم لاستخدامه وقوداً للمدافئ البدائية، بينما توقفت غالبية الورش والمعامل الصغيرة التي كانت تشكل شرياناً اقتصادياً للحيين، ما ضاعف من معدلات الفقر والبطالة.
ورغم هذا المشهد القاتم، لم يستسلم السكان لمنطق الإخضاع. على العكس، تحوّل الحصار إلى دافع للاحتجاج الجماعي، فخرج آلاف الأهالي في مظاهرات سلمية عند حواجز الفرقة الرابعة، رافعين أصواتهم في وجه سياسة التجويع. كان المشهد لافتاً في تنوّعه وقوته؛ شيوخ يقفون إلى جانب النساء، أطفال يرددون الهتافات، ووجهاء عشائر من مختلف المكونات الكردية والعربية والتركمانية، جميعهم في صف واحد. لم تكن تلك الاحتجاجات مجرد رد فعل عاطفي، بل إعلاناً واضحاً بأن كرامة المجتمع أقوى من الحصار، وأن آلة التجويع، مهما اشتدت، عاجزة عن كسر إرادة شعب قرر أن يحيا واقفاً.
الحكومة الانتقالية في اختبار النار
بعد سقوط النظام السوري وتولي الحكومة السوريّة الانتقالية السلطة، اعتقد كثيرون أن مرحلة الحصار والنزاع انتهت، وأن أيام القمع العسكري والإغلاق القسري على الأحياء انتهت إلى غير رجعة. غير أن الواقع سرعان ما أثبت العكس، إذ في السادس من تشرين الأول 2025، شهد حيّا الشيخ مقصود والأشرفية في حلب تكرار سيناريو الحصار ولكن بوجوه جديدة، فقد قامت القوات التابعة للحكومة الانتقالية بإنشاء سواتر ترابية على المداخل المؤدية إلى الحيّين، وأغلقت الطرق، واستقدمت مصفحات ودبابات، في خرقٍ واضح لاتفاقية الأول من نيسان 2025 التي كان من المفترض أن تنهي جميع أشكال الحصار والتصعيد العسكري.
ردّ الأهالي على هذا التصعيد كان فورياً وسلمياً، حيث خرج المئات من السكان، شباناً ونساءً وأطفالاً، في مظاهرات متواصلة، حاملين شعارات المطالبة بسوريا موحدة تحفظ حقوق جميع مكوناتها، مؤكدين أن الحيّين لن يكونا ساحة لقمع الإرادة الشعبية. لكن السلطات واجهت هذه الاحتجاجات بقنابل الغاز المسيل للدموع أولاً، ثم بالرصاص الحي، ما أدى إلى مقتل اثنين من المتظاهرين وإصابة نحو 60 آخرين بجروح متفاوتة. في الأيام التالية، فُرض حظر كامل على الحركة، وقطعت المياه والكهرباء، ومنعت المواد الغذائية والوقود من الوصول، ما جعل الحياة اليومية أشبه بمحاولة النجاة في قلب أزمة إنسانية مكتملة الأركان.
ما لم تحسب له الحكومة الانتقالية، هو أن الشيخ مقصود والأشرفية ليسا حيّين عاديين؛ فقد صُنعا عبر سنوات من الحصار والقتال مدرسة للصمود والتنظيم المجتمعي. خلال أيام قليلة تحوّل الحصار إلى أزمة سياسية وطنية، وبدأت الأصوات تتعالى داخلياً وخارجياً محذرة من انفجار الوضع، ما دفع الحكومة إلى تعديل استراتيجيتها بسرعة. وفي السابع من تشرين الأول 2025، وبعد تصاعد المواجهات ووضوح فشل خيار القوة، بادرت الحكومة الانتقالية إلى فتح قنوات اتصال مباشرة مع قيادة قوات سوريا الديمقراطية، وأُطر لعقد لقاء في دمشق بين الجنرال مظلوم عبدي ووزير دفاع الحكومة الانتقالية، انتهى باتفاق وقف إطلاق نار.
هذا الاتفاق لم يكن مجرد لحظة عابرة، بل حصيلة مسار طويل من المقاومة البطولية التي امتدت على سنوات، مؤكدةً أن التنظيم المجتمعي والتكاتف بين المكونات، والدعم المتبادل بين الداخل والخارج، قادر على فرض معادلات سياسية جديدة، وأن إرادة المجتمع لا يمكن كسرها بالقوة العسكرية وحدها. اليوم، يقف حيّا الشيخ مقصود والأشرفية شاهدين على أن الحرية تبدأ من الأحياء، وأن الشعوب الموحدة تُجبر حتى أقوى السلطات على التفاوض والاعتراف بحقها في البقاء والعيش بكرامة.
No Result
View All Result