No Result
View All Result
محمد عيسى
في الثامن من كانون الأوّل، بينما كانت شوارع المدن السوريّة تمتلئ بمشاهد الفرح بسقوط نظام البعث، كانت سماء شمال وشرق سوريا تمتلئ بشيءٍ آخر تماماً: الطائرات الحربيّة والمسيّرات التركيّة. في ذلك اليوم، لم يكن المشهد احتفالياً عند ضفاف الفرات، بل كان إعلاناً غير معلن عن مرحلةٍ جديدة من الصراع، مرحلةٍ أرادت فيها دولة الاحتلال التركيّ أن تفرض وقائعها بالقوّة، مستغلّةً لحظة التحوّل التاريخيّ في سوريا، ومعتبرةً أن سقوط النظام المركزيّ يشكّل نافذة ذهبيّة لإعادة رسم الجغرافيا بالنار.
منذ ذلك التاريخ، تحوّل سد الشهداء “تشرين”، وجسر قرقوزاق، ومدينة منبج، ثم لاحقاً دير حافر، وحيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، وريفي الرقة ودير الزور، إلى مسارحَ مفتوحةٍ لهجماتٍ منظّمة، تداخل فيها العسكريّ بالإعلاميّ، والسياسيّ بالإنسانيّ، في محاولةٍ واضحةٍ لزعزعةِ الاستقرارِ، وكسر إرادة السكّان، وفرض معادلات جديدة على حساب الدم وتعطيل تطبيق اتفاق 10 آذار.
الفرات نبض الحياة والمقاومة الحرة
يُعدُّ سدّ تشرين واحداً من أكثر المنشآت الحيويّة في شمال وشرق سوريا. فمنذ إنشائه عام 1998، تحوّل إلى شريانٍ أساسيّ للحياة، يزوّد مناطق واسعة بالكهرباء والمياه، ويسيطر على جزءٍ بالغِ الحساسيّة من مجرى نهر الفرات. لهذا، لم يكن استهدافه عسكريّاً فقط، بل كان سياسيّاً واقتصادياً وإنسانيّاً بامتياز.
في 8 كانون الأوّل، شنّت دولة الاحتلال التركيّ هجمات واسعة على مدينة منبج، ومحيط جسر قرقوزاق، وسدّ تشرين، مستخدمةً الطائرات الحربيّة والمسيّرات، إضافةً إلى الدبابات والمدرّعات. تصدّى مقاتلو قوات سوريا الديمقراطيّة، ومقاتلات وحدات حماية المرأة، لهذه الهجمات التي حُشد لها ثقلاً عسكريّاً وإعلاميّاً غير مسبوق. ورغم شدّة القصف، فشلت جميع محاولات السيطرة.
في 14 كانون الأوّل 2024، روّج الإعلام التركيّ لما وصفه بـ«السيطرة على سدّ تشرين»، في حملةٍ دعائيّةٍ واسعةٍ. لكن الحقيقة كانت مختلفة تماماً. عدسات الصحفيَّين جيهان بلكين وناظم داشتان كانت حاضرة في المكان، ووثّقت بالصوتِ والصورةِ استمرارَ المقاومة، وكذّبتِ الروايةَ الرسميّة التركيّة. وبعد خمسة أيّام فقط، في 19 كانون الأوّل، شنّ الاحتلال هجوماً جديداً من ثلاثة محاور، مستخدماً الدبابات والطيران، وأطلق حملته الإعلاميّة الأوسع لتثبيتِ صورة «النصر». ومجدداً كشفت مشاهد جيهان وناظم زيفَ الادعاءات.
لم يتحمّل الاحتلال هذه الحقيقة، وأثناء عودة الصحفيَّين من محيط السد، استهدفتهما طائرة مسيّرة تركيّة بشكلٍ مباشر، ما أدّى إلى استشهادهما في 19 كانون الأوّل 2024. وكان اغتيالهما رسالةً واضحة: استهداف الحقيقة لا يقلّ أهميّة عن استهداف الأرض.
قضيّة شعب يؤمن بالحريّةِ
مع تصاعدِ الهجمات، لم يعد سدّ تشرين موقعاً عسكريّاً فقط، بل تحوّل إلى رمزٍ للمصير المشترك. عشرات الآلاف من أهالي شمال وشرق سوريا، من الكرد والعرب والسريان والتركمان والشركس، قرّروا أن يجعلوا من أجسادهم دروعاً تحمي السدّ.
في 8 كانون الثاني، وصلتِ القافلةُ الشعبيّة الأولى إلى موقع السدّ، قادمةً من كوباني، الطبقة، الرقة، دير الزور، الحسكة، تل تمر، الشدادي، قامشلو، ديرك، عامودا، وكركي لكي. كانت قافلة مدنيّة بامتياز، لكنّها تعرّضت لقصفٍ مباشرٍ من قبل الاحتلال التركيّ. ما أسفر القصف عن استشهاد ستة مواطنين: زوزان حمو، كرم أحمد الشهاب الحمد، آزاد فرحان محمد حسان، مصطفى عبدي، عثمان إبراهيم، وعلي عباس شاشو.
في 15 كانون الثاني، جدّد الاحتلال استهداف المناوبين على السد، ما أدّى إلى استشهاد المسعف عمر حسن، والزوجين أدهم مصطفى علي وهيزا محمد، إضافةً إلى عثمان إبراهيم، والطالبة رونيز محمد علي.
في 16 كانون الثاني، استشهد المواطن محمد قاسمو خلال قصفٍ استهدف قافلة مدنيّة متّجهة إلى السد.
في 17 كانون الثاني، استشهد المسعف ماهر جعفر محميد، ومحمد حسو، نتيجة قصفٍ مباشر لقافلة المدنيين.
وتواصل النزيف في 18 كانون الثاني، فاستشهد أكرم شيخوس، حسين رخو، والرياضي كيفو عثمان، والرئيسة المشتركة لمكتب حزب الاتحاد الديمقراطيّ في قامشلو منيجة حيدر، وعضوا مجلس مدينة قامشلو مظفر رمضان محمد وعبد القادر إبراهيم، والفنان المسرحي الكردستاني بافي طيار (جمعة إبراهيم خليل).
في 21 كانون الثاني، استشهد حزنه عبدي ومحي الدين حسين عمر.
في 22 كانون الثاني، استشهد محمد شفيق إسماعيل.
في 25 كانون الثاني، استشهد الشاب محمد خليل حمو.
وفي 26 كانون الثاني، استهدفت مسيّرة تركيّة المحتجّين، ما أدّى إلى إصابة أكثر من 34 مواطناً، بينهم سبعة صحفيين، إضافةً إلى سميرة حج علي، الرئيسة المشتركة لهيئة التربية والتعليم، وهمرين علي، نائبة الرئاسة المشتركة للمجلس التنفيذيّ لمقاطعة الجزيرة.
في 15 شباط، استُشهد الصحفي عكيد روج أثناء تغطيته مقاومة الأهالي، إثر هجومٍ بمسيّرة انتحاريّة. وبذلك، تحوّل سدّ تشرين إلى سد “الشهداء”، بسجلٍّ مفتوحٍ للأرقامِ: عشراتُ الشهداء، عشرات الجرحى، مئات الغارات، وآلاف المدنيين الذين قرّروا أن يكونوا جزءاً من المعركة.
التصعيد المتدرّج وحرب المسيّرات
في الخامس من تشرين الأوّل 2025، انتقلت شرارة التصعيدِ إلى محور دير حافر شرق حلب. اندلعت اشتباكات بين قوات الحكومة الانتقاليّة وقوات سوريا الديمقراطيّة، أسفرت عن إصابة سبعة مقاتلين من قسد. في اليوم ذاته، استُهدفت سيارة عسكريّة بطائرة انتحاريّة، ما أدّى إلى إصابة ثلاثة مقاتلين بجروح طفيفة، فيما أُصيب أربعة آخرون إثر استهداف دورية لقوى الأمن الداخلي بمسيّرة.
لم يقتصر القصفُ على المواقع العسكريّة، بل تعرضت الأحياء السكنيّة لقصفٍ مدفعيّ مباشر، وُصف بأنّه تهديدٌ لحياةِ المدنيين وبثٌّ للذعر. في 25 تشرين الثاني، أُصيبت طفلة تبلغ من العمر سبع سنوات إثر استهداف مسيّرة انتحاريّة لمقلع دير حافر.
خلال الفترة الممتدّة من مطلع آب وحتى 23 أيلول، شهدت دير حافر ومحيطها سلسلة هجمات متكرّرة:
– في 2 آب، قصفٌ بعشراتِ القذائف المدفعيّة.
ـ في 11 أيلول، إحباط محاولة تسلّل جنوب شرق المقاطعة.
ـ في 20 أيلول، هجومٌ بمسيّرة دون خسائر.
– في اليوم ذاته، قصف قرية أم تينا، ما أدّى إلى استشهاد ثمانية مدنيين، بينهم أطفال ونساء.
– في 23 أيلول، قصف قرية زبيدة، وإصابة أربعة أطفال.
ـ وفي 27 أيلول 2025، أغلقت قوات الحكومة الانتقاليّة طريق حلب ـ الرقة قرب دير حافر، وفرضت إتاوة قدرها 100 دولار على كلِّ آليّة عبور، في مشهدٍ أعاد إلى الأذهان ممارساتِ الفرقة الرابعة في عهد النظام البائد.
حصارٌ قديم بشكلٍ جديد
في الأول من نيسان الماضي تمّ توقيعُ اتفاقٍ خاص بوضعِ حيي الأشرفية والشيخ مقصود مع السلطاتِ المحليّة التابعة للحكومة الانتقاليّة، وذلك في سياق اتفاق 10 آذار الموقع بين القائد العام لقوات سوريا الديمقراطيّة مظلوم عبدي ورئيس السلطة الانتقاليّة أحمد الشرع.
في السادسِ من تشرين الأوّل، عادت أحياء الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب إلى واجهةِ الأحداثِ، مع اندلاع اشتباكاتٍ عنيفةٍ اُستخدمت فيها الأسلحةُ الثقيلة، لتتحوّل المنطقة مجدداً إلى ساحةِ توتّرٍ مفتوحٍ. وأُغلقت الطرق المؤدية إلى الحيّين بشكلٍ كاملٍ، وسُجّلت إصابات في صفوف المدنيين وعناصر الأمن، وسط حالة من الهلع دفعت إلى تحرّكاتٍ إسعافيّة عاجلةٍ لتأمين خروج عددٍ من العائلات، ولا سيما الأطفال وكبار السن، من دائرة الخطر المباشر. لم يكنِ المشهدُ جديداً على سكان الحيّين، بل بدا وكأنّه استعادة قسريّة لفصولٍ سابقة من الحصار والعزل.
ففي الأشهر الماضية، تصدّرت مقاومة أهالي الشيخ مقصود والأشرفية عناوين الصحف العربيّة والعالميّة، عقب إقدام الأمن العام التابع للحكومة الانتقاليّة على محاصرة الحيّين من جميع الجهات، وإغلاق الطرق المؤدية إليهما، في خطوةٍ أعادت إنتاج سياسة الخنق التدريجيّ. هذا الحصار فاقم من معاناة المدنيين، ومنع وصول المواد الغذائيّة والاحتياجات الأساسيّة والمساعدات الإنسانيّة، ما وضع عشرات الآلاف من السكان أمام أزمة معيشيّة خانقة، ترافقت مع ضغطٍ نفسيّ وأمنيّ متواصل.
إلا أنّ أهالي الحيّين لم يتعاملوا مع الحصار كقدرٍ مفروضٍ. فالهجماتُ العنيفةُ بالدبابات والمدرّعات، ومحاولات فرض الاستسلام بالقوة، دفعتهم إلى تنظيم أشكال متعدّدة من المقاومة، والتمسّك بحقّهم بالبقاء، في مشهدٍ أعاد إلى الواجهة سرديّة الصمود الشعبيّ في مواجهة سياسات الإخضاع، وهذا الرفض لم ينبع فقط من اللحظة الراهنة، بل من ذاكرةٍ جماعيّة مثقلةٍ بتجاربَ قاسيةٍ عاشها السكان على مدى سنوات.
لهذين الحيّين سجلاً حافلاً بالمقاومة والصمود وتحمّلِ الحصارِ بدأ منذ عام 2012، وتعرضا لمختلفِ أنواع القصف من قبل قواتِ النظام البائد والمرتزقة الموالية لأنقرة، كما شهدا محاولات عديدة للاقتحام بالقوة، وفرض النظام السوريّ السابق، وتحديداً حواجز الفرقة الرابعة بقيادة ماهر الأسد، إجراءات مشدّدة تمثّلت بمنع إدخال الطحين والوقود والدواء وحليب الأطفال والمواد الأساسيّة، واُعتقل عشراتُ المواطنين على الحواجزِ الأمنيّة في مداخل الحيين. ورغم قسوة تلك السياسات، لم يرضخ الأهالي في حيي الشيخ مقصود والأشرفية اللذين يضمّان أكثر من مئتي ألف مدنيّ يوماً، بل واجهوا محاولاتِ كسر إرادتهم بالصبر والتضامن والمقاومة اليومية.
اليوم، تتكرّر السياسة ذاتها بأدواتٍ مختلفةٍ، لكن الجوهر واحد: حصار، قصف، وضغط عسكريّ وأمني يستهدف المدنيين بالدرجة الأولى. وفي مواجهة ذلك، يواصل سكان الشيخ مقصود والأشرفية مقاومة مشاريع الإخضاع، في ظلّ اتهامات متزايدة للدولة التركيّة بدفع الحكومة الحالية نحو استهداف مكوّنات المجتمع السوريّ، خدمةً لأجندات التقسيم والاحتلال، عبر انتهاكاتٍ توصف بأنها غير إنسانيّة ولا أخلاقية بحق المدنيين العزّل.
حصيلة مفتوحة على النار
من كانون الأوّل 2024 وحتى تشرين الثاني 2025، لا تحتاج قراءة ما جرى في شمال وشرق سوريا إلى توصيفات إنشائيّة بقدر ما تحتاج إلى التوقّف أمام الأرقام، لأنّها وحدها قادرة على اختصار حجمِ العنف واتساع رقعة الاستهداف. خلال هذه الفترة، تحوّلت منشآتٌ حيويّةٌ، وفي مقدّمتها سدّ تشرين، إلى أهدافٍ مباشرةٍ لعشرات الغارات الجويّة والهجمات المتكرّرة، في مسعىً واضحٍ لإخضاع المنطقة عبر ضربِ شرايين الحياة الأساسيّة، وتهديد الأمن المائيّ وحرمان ملايين السكان من الكهرباء.
في محيط السدّ وحده، ارتقى أكثر من ثلاثين شهيداً من المدنيين والصحفيين والمسعفين، في وقائع موثّقة امتدّت من كانون الأوّل 2024 وحتى شباط 2025، عكست نمطاً ثابتاً من استهداف من هم خارج دائرة القتال. وبلغ هذا الاستهداف ذروته في السادس والعشرين من كانون الثاني، حين أُصيب أكثر من أربعة وثلاثين مدنيّاً في هجومٍ واحد، بينهم صحفيون ومسؤولون مدنيون، في مشهدٍ رسّخ حقيقة أنّ المدنيين باتوا في صلبِ بنكِ الأهداف.
وعلى امتدادِ جغرافيا أوسع، شهدت محاورُ دير حافر وريف الرقة ودير الزور عشرات الهجمات بالمسيّرات، بعضها انتحاري، استهدفت نقاطاً عسكريّة وأحياء سكنية ومعابر حيوية. وأسفرت هذه الهجمات عن استشهاد مقاتلين من قوات سوريا الديمقراطيّة وإصابة العشرات من عناصرها ومن قوى الأمن الداخلي، إلى جانب سقوط ضحايا مدنيين، بينهم أطفال، في خرقٍ متواصل لمبادئ وقف إطلاق النار والاتفاقات المعلنة.
لم يتوقّفِ التصعيدُ عند حدودِ القصف. فقد ترافق مع إغلاقِ طرق استراتيجيّة تربط بين مدينتي حلب والرقة ومناطق إقليم شمال وشرق سوريا، لفرض سياسة عزل المناطق وعرقلة مسار الحياة الطبيعيّة، ما أدّى إلى شللٍ في حركة المدنيين والبضائع، وفتح الباب أمام عمليات الاعتقال على الهوية وممارسات الابتزاز الماليّ وفرض الإتاوات على المارّين، وكلّ ذلك بالتوازي مع زيادة في نبرة خطابِ الكراهية وضخٍّ إعلاميّ لمعلوماتٍ مضللةٍ محرفة عن واقعِ الحياة في هذين الحيين، في إعادة إنتاجٍ لأساليب عرفها السوريّون في مراحلَ سابقةٍ من الصراعِ.
في حصيلةٍ نهائيّةٍ، لا يمكن النظر إلى هذه الأرقام بوصفها أحداثاً متفرّقة. فهي تشكّل معاً سجلاً زمنياً لسياسةٍ وأجندة متكاملةً لسياسةٍ ممنهجة تقوم على الضغط العسكريّ والأمنيّ، واستهداف المدنيين، وفرض الوقائع بالقوة. من سدّ الشهداء “تشرين” إلى منطقة دير حافر، ومن استهداف القوافل الشعبيّة إلى محاولة الاقتحام بالقوة لأحياء محاصرة، تقاطعتِ التواريخُ، وأضحت دماءُ الشهداء مداداً يوّثقُ سرديّةً واحدةً مفادها: أنّ سوريين متآلفين يواصلون الحياة محاطين بأسوارِ النارِ فيما تُقرع على مدارِ الوقت طبولُ الحرب وترتفع أصواتٌ بخطابِ الكراهيةِ، ولكن الحقيقة لا تُخفى بالدعايةِ، بل تُسطَّر بدمِ من ارتقوا على هذه الأرض.
No Result
View All Result