No Result
View All Result
روناهي/ برخدان جيان – تتواصل مآسي التهجير في إقليم شمال وشرق سوريا مع اقتراب عدد قاطني المخيمات من مائتي ألف مهجّر ونازح، موزعين على عشرات المخيمات بين منظّم ومؤقت وعشوائي، وبين تحديات الشتاء القاسي وضعف الإمكانات، يبقى ملف العودة الطوعية رهينة شروط معقدة ومسؤوليات تتصدرها الحكومة السورية الانتقالية وفق اتفاق العاشر من آذار.
يشكّل مشهد المخيمات في إقليم شمال وشرق سوريا واحداً من أكثر ملفات الأزمة السورية تعقيداً واستمراراً، فبعد سنوات من الهجمات الاحتلالية والعمليات العدوانية والتهجير القسري، استقر أكثر من 200 ألف مهجّر ونازح في مخيمات منتشرة ضمن جغرافيا واسعة تشمل مختلف المقاطعات، وعلى الرغم من تنوع هذه المخيمات بين مراكز نظامية وأخرى عشوائية، إلا أنها جميعاً تشترك في عنوان واحد “حياة معلّقة بين الماضي والمستقبل”، تبحث عن أبسط مقومات الاستقرار.
مخيمات إقليم شمال وشرق سوريا
وتنتشر في مقاطعة الجزيرة أكبر الكتل السكانية للمخيمات، أبرزها مخيم “الهول” الذي يُعد الأكبر والأكثر تعقيداً على مستوى سوريا والمنطقة، حيث يُعد من أقدم المخيمات، فأُسِّس للمرة الأولى عام 1991 لاستقبال لاجئين عراقيين، قبل أن يُعاد افتتاحه وتوسيعه بشكل كبير عام 2016 بعد تصاعد العمليات العسكرية ضد “داعش”، وخلال العام الماضي، شهد المخيم تحولات بارزة تمثلت بتكثيف الحملات الأمنية للحد من نشاط الخلايا النائمة، إلى جانب استمرار عمليات إخراج العائلات السورية والعراقية ضمن برامج العودة، ما أدى إلى انخفاض نسبي في أعداد القاطنين، دون أن يخرج المخيم من دائرة التعقيد الأمني.
وإلى جانب الهول، يبرز مخيم “روج”، الذي أُسِّس عام 2015 في (ريف مدينة ديرك)، ومخصص لعائلات أجنبية مرتبطة بـ”داعش”، وخلال العام الأخير، سجّل المخيم تحولاً لافتاً مع تسارع عمليات إعادة عدد من العائلات الأجنبية إلى بلدانها الأصلية، فقل عدد قاطنيه، مع بقاء الملف السياسي والقانوني المرتبط بعودة هذه العائلات عائقاً رئيسياً أمام إغلاقه.
كما يبرز مخيم “العريشة”، الذي أُنشئ جنوب الحسكة عام 2017 عقب العمليات العسكرية في ريف دير الزور والحسكة، ويضم أعداداً كبيرة من مهجّري سري كانيه، وخلال العام الحالي، تحوّل المخيم إلى نقطة استقرار نسبي لعائلات نزحت من مناطق متفرقة، مع تسجيل تحسن محدود في بعض الخدمات، قابله ضغط متزايد على البنية التحتية نتيجة استمرار توافد الوافدين.
وفي مقاطعة الرقة، يبرز مخيم “تل أبيض/ كري سبي”، الذي أًسِّس عام 2019 عقب العدوان التركي على المنطقة، واستقبل آلاف العائلات المهجرة، وخلال العام الأخير، لم يشهد المخيم أي تحول فعلي باتجاه العودة، بل استمر كنموذج لتهجير طويل الأمد، في ظل تراجع الدعم الإنساني وتفاقم الأوضاع المعيشية.
أما مقاطعة الطبقة؛ فتضم مخيمي “المحمودلي والطويحينة”، مخيم المحمودلي عام 2016 لاستقبال نازحي معارك الرقة، وشهد خلال العام الماضي تغيرات ديموغرافية تمثلت بمغادرة بعض العائلات وعودة أخرى نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية والأمنية في مناطقها الأصلية، ما أبقى حالة الاستقرار فيه هشّة، في حين أُسِّس مخيم الطويحينة عام 2017، ويعاني خلال العام الحالي من تراجع في مستوى الخدمات، خاصة في المياه والصرف الصحي، دون تنفيذ مشاريع تطوير حقيقية.
وفي مقاطعة دير الزور، تحتضن المنطقة مخيم “أبو خشب” الذي أُسِّس عام 2017، ويواصل استقبال الوافدين من مناطق تشهد توترات أمنية أو انهياراً اقتصادياً، ما زاد الضغط على إمكانياته المحدودة وبقاؤه في إطار الاستجابة الطارئة.
وإلى جانب ذلك، تتوزع مخيمات إيواء خاصة بمهجّري مقاطعة عفرين والشهباء، إضافة إلى عدد كبير من المخيمات العشوائية التي تفتقر إلى الهيكلية التنظيمية والخدمات الأساسية، وتشكل عبئاً إضافياً على الجهات المعنية.
ويجعل هذا الامتداد الجغرافي الواسع من ملف المخيمات واحداً من أكبر التحديات أمام الإدارة الذاتية الديمقراطية، التي تحاول سد الاحتياجات ضمن ظروف اقتصادية قاسية، وحصار متعدد الأوجه، وتراجع دور المنظمات الإنسانية في المنطقة، في ظل تأثير مباشر للوضع الأمني والسياسي العام الذي يحدّ من فرص الاستقرار والعودة.
الشتاء واحتياجات متزايدة تتجاوز الإمكانات
ومع دخول فصل الشتاء، تتصاعد المخاوف داخل المخيمات من موجة البرد التي يتكرر تأثيرها كل عام على آلاف العائلات، فالخيام المهترئة التي صمدت على مدى سنوات أمام الرياح والعواصف، لم تعد قادرة على حماية ساكنيها من الأمطار والسيول، بينما تعاني أغلب الأسر من نقص حاد في مواد التدفئة والملابس الشتوية.
وتحتاج المخيمات إلى عمليات صيانة مستمرة، تشمل “ترميم أسطح الخيام، ورفع السواتر الترابية، وتوفير شبكات صرف لتصريف مياه الأمطار”، لكن الإمكانات المحدودة تقف في وجه الاستجابة السريعة، في وقت تزداد فيه أعداد الوافدين لاستمرار الاضطرابات الأمنية أو تدهور الأوضاع الاقتصادية في مناطق عدة.
كما يبرز خطر الأمراض الشتوية، خاصة بين الأطفال وكبار السن، في ظل ضعف الخدمات الطبية ونقص الأدوية، وهو ما تفاقم خلال العام الأخير مع تراجع تدخل عدد من المنظمات الصحية.
الإمكانات المحدودة أمام احتياجات واسعة
وبهذا الصدد، أجرت صحيفتنا “روناهي” لقاءً مع الرئيس المشترك لمكتب المخيمات في الإدارة الذاتية لإقليم شمال وشرق سوريا “شيخموس أحمد“، الذي قدّم قراءة واضحة لواقع المخيمات وحجم الاحتياجات المتزايدة: “تبذل الإدارة الذاتية كل ما بوسعها لتأمين المستلزمات الأساسية، إلا أن الإمكانات المتوفرة محدودة جداً مقارنة بحجم الاحتياجات اليومية”، مشيراً، إلى أن الوضع الأمني والسياسي العام، وتأخر الحلول السياسية، يضاعف من الأعباء الواقعة على الإدارة الذاتية.
اتفاق العاشر من آذار… بند حاضر بلا تنفيذ
وفي الجانب الآخر من المشهد، تسعى الإدارة الذاتية الديمقراطية إلى تشجيع العودة الطوعية للمهجّرين والنازحين إلى مناطقهم الأصلية، لكن وفق شروط محددة تضمن سلامتهم وحقوقهم الأساسية، حيث أكد أحمد، أن هذا الملف لا يمكن أن يتقدم دون تعاون الجهات المعنية كافة، وعلى رأسها الحكومة السورية الانتقالية.
وأشار إلى، أن اتفاق العاشر من آذار بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة السورية الانتقالية تضمّن بنداً واضحاً حول عودة المهجّرين والنازحين السوريين إلى ديارهم، إلا أن الحكومة السورية الانتقالية لم تقم حتى الآن بالخطوات المطلوبة، وهناك تقصير واضح في تحمل مسؤولياتها، مضيفاً: “يجب على الحكومة الانتقالية أن تتحرك بشكل فعّال لتأمين البيئة الآمنة لعودة الأهالي، فهذا حقّهم الطبيعي”.
وفي ختام حديثه، شدّد الرئيس المشترك لمكتب المخيمات في الإدارة الذاتية لإقليم شمال وشرق سوريا “شيخموس أحمد”، على أن الإدارة الذاتية مستعدة لتقديم التسهيلات الممكنة لدعم العودة الطوعية، شرط توفر مقومات الحياة الأساسية وحماية العائدين من أي تهديدات محتملة.
واقع المخيمات الهش
وبعيداً عن المخيمات المنظمة، تنتشر عشرات المخيمات العشوائية التي تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، وتشهد تزايداً مستمراً في أعداد القاطنين نتيجة غياب الاستقرار الأمني والسياسي.
وفي المقابل، تسعى الإدارة الذاتية إلى تشجيع العودة الطوعية، إلا أن هذا الملف يبقى معلقاً بسبب عدم تنفيذ الحكومة السورية الانتقالية لبنود اتفاق العاشر من آذار، ما انعكس مباشرة على استمرار بقاء عشرات الآلاف داخل المخيمات.
البحث عن حلول مستدامة
ويُجمع العاملون في القطاعات الإغاثية على أن الحلول المؤقتة لم تعد كافية، وأن استمرار الجمود السياسي والتوتر الأمني يبقي المخيمات رهينة واقع إنساني هش.
وفي ظل هذا الواقع المعقّد، يبقى سكان المخيمات يعيشون بين ذاكرة التهجير وحلم العودة، فيما تظل المخيمات شاهداً حياً على تأثير السياسة والأمن في تعميق واحدة من أطول الأزمات الإنسانية في سوريا.
No Result
View All Result