لكي تُنجَزَ الرّغبة الفكرية، علينا السّير وفق خطَّي المعادلة لضمان سلامة وجودنا فضلاً عن المعرفة الجوهريّة فيما يجب علينا فعله.
كم من الأفكار نظهر لها قيمة على الرّغم من رفض باطننا إيّاها! بيد أنّ الحفاظ على أمان ذلك الباطن فرض علينا العمل على تلك القيمة الظاهرة كونها مفتاح الأمان لسلامته، وهذا ليس باستسلام، ولكنّه قوّة مخفيّة لم يحن بزوغها بعد.
هذه المعادلة تجعلك تتعلّم كيفيّة الرّبط بين مناسبة الوقت، وطرح الفكرة بمنهجيّة أكثر تأثيراً، وقبولاً.
فقد لا يعني منحك الفكرة قيمةً ما، أنّها صالحة، ولكن يبزغ الرّفض الباطني لنور الفكرة التي ستزهر عبر القيمة، فانظروا إلى ذلك البزوغ الذي يتمتّع بالحكمة في كيفيّة التّأثير في الصّورة العامّة لفكرك، ومظهرك الفكريّ.
لن تتمكّن أيّة فكرة من اختراق مفاهيمك طالما أنت اتّخذت هذه المعادلة مخبراً لتحليل تلك الأفكار، ومن جهة أخرى، لا تتّخذ الرّفض مبدأً، وإنّما اتّخذه فكراً معرفيّاً.
ويُذكَر هنا، أنّنا لسنا بصدد أحد مفاهيم المشاطرة، إذ إنّ غايتنا هي الولوج في المعارف، ولكي يتوضّح لدينا مفهوم الرّفض الباطنيّ أكثر، إليكم هذا المثال: “البحر يرحّب بالسّباحين، وبقدر مهارة أحدهم في السّباحة يتمكّن من الاستمرار مدّةً أطول، ولكنّ باطن البحر يحاول إغراقك، أو إتعابك نتيجة رفضه لوجودك على سطحه، فيسعى إلى أن يلتهمك، أو يرميك إلى خارجه، والسّبب هو أنّك لست بمستوى مجاراته أو الغوص فيه”.
وهكذا أيضاً عند الإنسان، إذ إنّ القوّة الحقيقيّة تكمن في الإنسان الحقيقيّ الذي في داخلك، وهو المؤثّر، وليس المتأثّر، ومهما حاولت الظّهور بالمعرفة، أو امتلاك بعض المعلومات، أو الإيمان بفكرة معيّنة، فلن تتفوّق على قدرة ذلك الحقيقيّ (علماً أنّ المقصود هنا ليس العقل الباطن أو اللّاواعي).
فمفهوم الإنسان الفعليّ -إن جاز التّعبير- هو ذلك الإنسان الذي يقع بين مصنع الضّمير ومتجر الفكر. أمّا الإنسان الحقيقيّ، غير الملموس أو المحسوس، فهو المتيقّظ دائماً للحقّ والحقيقة، وهو الذي يكمن في الخيط الرّابط بين القلب والفكر، وهو (المخبر). فكلّما ازدادت الاستطاعة والرؤية لتلك المسافة، والتحكم، ثمّ الانطلاق منها، كلّما كانت قوة التّأثير أكثر ظهوراً، ومنطق التّوجيه أكثر قبولاً ومعقوليةً.
أدركتم الآن أين يكمن الرّفض الباطني؟، (إنّه هنا).
أمّا القيمة الظّاهرة (التّزيّن)، فهو الشّكل المعرفيّ، وفي المقابل تكون الأناقة الجوهرَ المعرفيَّ، والتّزيّن هو الشّكل البرّاق، وهو التّصنّع، وكذلك التّجمّل، أو حبّ الظّهور الخالي من الجوهر والقيمة.
فكأننا أمام شكلين معرفيَين، أو فكرتَين مختلفتَين لصورة واحدة: فهل ستظهر الصّورة الأمّ في ظل تداخل هاتَين الفكرتَين، أم ستكون أمام حالة مزاجية (سلوك نابض، أيْ خلق التّوازن للفكر وفق معطيات الواقع أو المسار)؟
وهذا التّداخل بين القيمة الظّاهرة، والرّفض الباطنيّ لإنجاز الرّغبة الفكرية أشبه بذلك النّابض وحركته، والذي لن تدوم قوة تحمّله إلى الأبد لهذا التّأرجح بين القيمة والرّفض.
فقد بدا واضحاً الآن مفهوما: القيمة الظّاهرة، والرّفض الباطنيّ بعد هذا الشّرح، والذي بيّن كيفيّة توظيفهما في حياتكم الفكريّة.
فالحياة الفكرية، هي الزّمن الذي نعيشه، وفيما عداها نتحول إلى أدوات مستهلكة، حتى إنّ مخرجاتنا لا تسمّى إنتاجاً بالمعنى الصّحيح للمصطلح، بل هو استهلاك طالما أنّ غيرَنا يصنع أفكارنا، فلا تخدع فكرك أبداً، وإنّما احترم وجوده داخلك.