ليست المرأة، في بنيتها الاجتماعية والرمزية، كائناً حيادياً في الصراعات الكبرى، بل غالباً ما تكون مرآةً لطبيعة التحولات التي تمر بها المجتمعات، وفي السياق السوري، لم تكن المرأة مجرد ضحية للحرب، بل فاعلة تاريخية مؤثرة، شاركت في الثورة، ودفعت أثماناً باهظة من حريتها وجسدها وكرامتها، دون أن تتخلى عن دورها في حماية النسيج الاجتماعي والسعي نحو السلام.
منذ بداية الأزمة السورية وانطلاق حراكها الشعبي، حضرت المرأة في الفعل الاحتجاجي بأشكال متعددة، وعملت في مختلف مجالات الحياة، بل وشاركت، تحت ضغط القمع والعسكرة، في حمل السلاح دفاعاً عمَّا تراها جديرة بالحياة ، وجراء ذلك، تعرضت للاعتقال والتعذيب والاغتصاب والتشرد والاغتيال، وحين خرجت من السجون، وُجهت في كثير من الأحيان بنبذ اجتماعي مضاعف نتيجة الإرث الاجتماعي المتوارث، ومع ذلك، لم تنكفئ عن المجال والشأن العام، بل واصلت أداء دورها بوصفها عنصر توازن في مجتمع تمزقه الانقسامات العائلية والطائفية والمذهبية والقوموية.
اليوم، وبعد سقوط النظام البائد، تعيش سوريا لحظة مفصلية لم تتضح فيها بعد ملامح الدولة ولا طبيعة العقد الاجتماعي الجديد، فبدلاً من أن يتقدم خطاب التوافق وبناء السلام المجتمعي، عادت إلى الواجهة رموز وشعارات تنتمي إلى منطق الإقصاء والعنف والخطاب الأحادي، ما يدفع البلاد مجدداً إلى إعادة إنتاج أسباب الصراع بدل معالجتها بعد سنوات طويلة من الاستنزاف.
وفي هذا السياق، برز مشهد لافت في إحدى المسيرات التي خرجت من قلب دمشق، وقُدمت بوصفها مؤيدة للنظام القائم الآن في دمشق، حيث رُفعت رايات سوداء كُتب عليها “لا إله إلا الله”، وترافقت مع هتافات طائفية تحريضية تدعو إلى القتل والذبح.
لا يمكن قراءة هذا المشهد بوصفه حادثة عابرة، بل كمؤشر على خلل عميق في فهم معنى ما بعد سقوط النظام، وفي طبيعة القوى التي تحاول ملء الفراغ السياسي والأخلاقي، ووسط هذا المشهد المشحون، وقفت امرأة، بلا حماية ولا تنظيم، وطالبت بإنزال الراية السوداء ورفع علم سوريا فقط، بالطبع لا يمكن تفسير موقفها هذا، كانفعال لحظي، بل بوصفه تعبيراً واعياً عن رفض اختزال الوطن في راية فئوية متزمتة، ومقيتة، ورفض تحويل الدين إلى أداة تعبئة للعنف في لحظة كان يُفترض أن تكون بداية لمرحلة سلام.
إنّ دلالة هذا الموقف تتجاوز الموقف الشخصي، فهي تعبر عن صراع أعمق بين مشروعين: مشروع يسعى إلى بناء وطن متعاضد و جامع ، وآخر يحاول إعادة تعريف السلطة والهوية عبر الرموز العنيفة والشعارات الإقصائية، وفي هذا الصراع، تبرز المرأة مرة أخرى بوصفها حاملة لقيم السلام، لا بوصفها ضعفاً، بل قوة أخلاقية قادرة على مساءلة السائد، فهي تسعى لثقافة لا تُقدس العنف، ولا تُؤله السلاح، ولا ترى في الرايات السوداء خلاصاً، وتؤمن بأن الوطن لا يُبنى بالقوة الغاشمة، بل بالتوافق، ولا يُستعاد بإقصاء الآخر، بل بالاعتراف المتبادل.
وفي خضم هذا الارتباك، تستمر المرأة السورية في لعب دور الضمير الحي للمجتمع، لا تنتظر اعترافاً دولياً ولا ضمانات أممية، بل تواجه واقعاً معقداً بإرادة فردية وصلابة أخلاقية، فهي لا تطرح السلام كشعار، بل باعتباره شرطاً لبقاء المجتمع نفسه.