الحسكة/ محمد حمود ـ على مدار ثلاثة أيام، عزز مهرجان أوركيش الثالث، الثقافة الكومينالية ضمن إقليم شمال وشرق سوريا، فيما أظهر الطابع النسوي ودوره في المجال الفني، ليؤكد هذا العام، بأنه لا حدود لإيصال رسالة الشعوب.
في مدينة الحسكة، التي تشكل قلب إقليم شمال وشرق سوريا، انطلقت فعاليات الدورة الثالثة من مهرجان أوركيش الموسيقي في الثامن من كانون الأول 2025، تحت شعار “بالثقافة الكومينالية تحيا أصوات وألحان الشعوب”.
هذا المهرجان، الذي امتد على مدار ثلاثة أيام، شهد مشاركة واسعة من 23 فرقة موسيقية وغنائية من مختلف مدن الإقليم، بالإضافة إلى مشاركة فرق من باشور كردستان مثل زاخو والسليمانية وشنكال، نظمته هيئة الثقافة في مقاطعة الجزيرة بالتعاون مع حركة ميزوبوتاميا للثقافة والفن الديمقراطية، وحركة هلال زيرين (الهلال الذهبي)، وكومين الموسيقى في إقليم الجزيرة.
ويعد مهرجان أوركيش أحد أبرز الفعاليات الفنية في المنطقة، حيث يساهم في حفظ التراث الموسيقي والثقافي، ويعزز حضور الفنون المحلية رغم الظروف الأمنية غير المستقرة والحروب المستمرة.
شهد المهرجان حضوراً جماهيرياً كبيراً في قاعة سردم بحي المشيرفة، حيث تجمع ممثلون عن مؤسسات الإدارة الذاتية الديمقراطية، واتحاد المثقفين في مقاطعة الجزيرة، وممثلي أحزاب سياسية، إلى جانب جمهور غفير من أهالي المنطقة. كما أرسل عدد من الفنانين والشعراء رسائل تهنئة ودعم، مثل الفنان السوري سميح شقير، والشاعر حكيم صفقان، والفنانة عتاب أبو سعدة من السويداء. هذه الرسائل أكدت على دور المهرجان كجسر للتواصل الثقافي والحوار بين الفنانين والشعوب.
اليوم الأول: افتتاح يهز الجدران بألحان التراث
بدأت فعاليات اليوم الأول يوم الإثنين الثامن من كانون الأول 2025، في قاعة سردم بمدينة الحسكة، وسط أجواء احتفالية تعكس التنوع الثقافي للمنطقة.
افتتحت الفنانة الكبيرة جيندا كنجو من السليمانية الأمسية بصوتها الأوبرالي القوي، الذي هز جدران القاعة وأثار مشاعر الحنين والفرح لدى الحضور،
وقدمت باقة من الأغاني التراثية الكردية التقليدية، التي تعود إلى عقود مضت، فأطربت الجمهور وأبكته في آن واحد، ما يعكس عمق التراث الموسيقي الكردي. ثم توالت العروض من الفرق المحلية والضيفة، التي قدمت ألحاناً كردية وعربية وسريانية، إلى جانب رقصات فلكلورية وأنغام ثورية تعبر عن هوية الشعوب في المنطقة.
من أبرز الفرق المشاركة في اليوم الأول: فرقة بوطان من قامشلو، التي غنت أغاني كردية تقليدية تعبر عن الحياة اليومية في الريف؛ فرقة الشهيد أسمر التابعة لهلال زيرين من كوباني، والتي أدت أغاني ثورية تكرم الشهداء؛ فرقة دفات الفرات من الرقة، التي مزجت بين الألحان العربية والكردية؛ فرقة الشهيد خبات من تربه سبيه؛ وفرقة الشهيدة هيفا التابعة لحركة الهلال الذهبي من عفرين؛ وفرقة سردم من الحسكة، التي ركزت على التراث المحلي. كما وجه الفنان سميح شقير رسالة تهنئة، مؤكداً أن المهرجان يشكل جسراً للتواصل والحوار بين الفنانين، خاصة في ظل الظروف الصعبة التي تعيشها المنطقة.
شهد اليوم الأول تفاعلاً كبيراً من الجمهور، الذي ردد الأغاني وشارك في الرقصات، ما أضفى على الأمسية طابعاً احتفالياً يعكس الوحدة بين الشعوب العربية والكردية والسريانية والأرمنية. هذا التنوع لم يكن مجرد عرض فني، بل رسالة سياسية وثقافية تؤكد التعايش السلمي في إقليم يعاني من التوترات.
اليوم الثاني: تنوع موسيقي ورسائل من الخارج
استمرت فعاليات اليوم الثاني يوم الثلاثاء التاسع من كانون الأول، مع تخصيص 20 دقيقة لكل فرقة لأداء أغانيها، ما سمح بتقديم عروض متنوعة تعكس غنى التراث الشعبي.
بدأت الفقرات بفرقة روج من زاخو، التي غنت أغاني من باشور كردستان بلحن تقليدي يجمع بين الفرح والحزن. تلتها فرقة سايات نوفا الأرمنية، التي أدت أغاني باللغة الأرمنية تعبر عن تاريخ الشعب الأرمني وتراثه الموسيقي. ثم قدمت فرقة فجين التابعة لهلال زيرين من حلب عرضاً عبر تقنية الفيديو، بسبب الظروف الأمنية، إلى جانب فرق من الرقة والحسكة وعامودا.
في هذا اليوم، وجه الشاعر حكيم صفقان رسالة مصورة، بارك فيها المهرجان وأكد أن الموسيقا الكردية تواجه خطراً من التطور التكنولوجي الذي “يقتل الحس الإنساني”، مشيراً إلى أهمية مثل هذه الفعاليات في الحفاظ على التراث. كذلك، أرسلت الفنانة عتاب أبو سعدة رسالة من السويداء، أكدت فيها أهمية استمرار المهرجان في تعزيز التواصل الثقافي بين المكونات المختلفة.
اليوم الثالث: ختام احتفالي مع تكريم الفرق
اختتم المهرجان فعالياته يوم الأربعاء العاشر من كانون الأول الجاري، في أجواء احتفالية شهدت توزيع جوائز ودروع تذكارية على الفرق المشاركة تقديراً لمساهماتها الفنية.
قدمت في اليوم الأخير عروضاً تراثية وموسيقية من فرق مثل: فرقة كيفارا من كوباني، وفرقة ألفتريا هلال زيرين من ديرك، وفرقة ميرزو من شنكال، وفرقة درّة الفرات من الطبقة، وفرقة كرستيرك هلال زيرين من الحسكة، وفرقة روج من الدرباسية، وفرقة الشهيدة زيلان من الدرباسية. هذه العروض لاقت تفاعلاً واسعاً من الحضور، الذي ملأ القاعة عن آخرها.
كما ألقى عضو الهيئة الرئاسية لحزب الاتحاد الديمقراطي، “آلدار خليل”، كلمة شكر فيها الفرق والمنظمين، وأكد على دور قوات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة في تأمين المنطقة، قائلاً: “بدونهم لم نكن لنشهد هذا المهرجان، فهم من يحمون المنطقة ويصونون أمنها”.
كما وجه فنانون آخرون رسائل مصورة، مؤكدين أهمية استمرار مثل هذه الفعاليات للحفاظ على التراث. وفي الختام، تم تكريم جميع الفرق بدروع تذكارية، وسط تصفيق حار من الجمهور.
أهمية مهرجان أوركيش في بث السلام
يأتي مهرجان أوركيش في وقت حساس، حيث يعاني إقليم شمال وشرق سوريا من توترات أمنية مستمرة، بما في ذلك هجمات خلايا مرتزقة داعش وتوترات مع قوى إقليمية أخرى.
رغم ذلك، يمثل المهرجان رسالة سلام قوية، إذ يجمع بين شعوب متنوعة تحت مظلة الثقافة الكومينالية، التي تؤكد على التعايش والمساواة. كما أنه يبث رسالة إلى العالم بأن الشعوب في هذا الإقليم قادرة على بناء جسور التواصل رغم الحروب.
هذا المهرجان أكد بأنه ليس مجرد حدث فني، بل هو مقاومة ثقافية ضد العنف، يعزز الوحدة بين الكرد والعرب والسريان والأرمن، ويرسل إشارة إلى العالم بأن السلام ممكن من خلال الفن. كما أصبح “أوركيش” نموذجاً لكيفية استخدام الموسيقى لشفاء الجراح وتعزيز الروابط الاجتماعية في سياق الأزمة السورية المستمرة منذ ما يقارب عقداً ونصف.
وعكس المهرجان هذا العام من خلال الشعار نفسه “الفلسفة الكومينالية”، المستوحاة من أفكار القائد عبد الله أوجلان، التي تركز على مفهوم الأمة الديمقراطية والتعاون بين الشعوب تحت يافطة “أخوة الشعوب”.
فيما أظهر المهرجان بأنه لا حدود للفن والثقافة، حيث كانت هناك مشاركة من فرق من باشور كردستان، ليعزز بذلك الروابط الثقافية بين إقليم شمال وشرق سوريا والمناطق الأخرى، ويؤكد الوحدة الكردية في وجه التقسيمات السياسية.
وأصبح هذا الحدث رمزاً للصمود، حيث يؤكد على أن الثقافة أقوى من السلاح. كما أنه يجذب انتباه الإعلام الدولي، ما يساعد في نقل صورة إيجابية عن الإقليم كمركز للثقافة والسلام، بدلاً من التركيز على النزاعات فقط.
مشاركة المرأة وأهميتها في مهرجان أوركيش
طغت على المهرجان بصمة نسائية، فشهد المهرجان مشاركة بارزة للمرأة، مع أكثر من 11 فرقة نسائية، معظمها تابعة لحركة هلال زيرين، مثل فرقة فجين من حلب، وهيلين جودي من الرقة، ودليلا من عامودا، وألفتريا من ديرك، كوَرستيرك من الحسكة، والشهيد أسمر من كوباني، إلى جانب مشاركة نسوية الفنانة جيندا من باشور كردستان.
وعكست هذه المشاركة، دور المرأة الجوهري ضمن ثورة روج آفا في شمال وشرق سوريا، في المجال الثقافي والفني، ومدى اهتمام الإدارة الذاتية بانخراط المرأة في هذا المجال وإتاحة الفرصة للتعبير عن إمكاناتها، ضمن مهرجانات مخصصة بهذا الشأن.
تكمن أهمية مشاركة المرأة في أنها تعزز التمكين الاجتماعي في مجتمع يعاني من تأثيرات الحرب، حيث توفر الموسيقا مساحة للتعبير عن التجارب النسائية، مثل الفقدان والأمل. كما أنها رسالة إلى العالم بأن المرأة في شمال وشرق سوريا ليست ضحية، بل فاعلة في بناء السلام.
في سياق التوترات، تساهم هذه المشاركة في تعزيز الدور النسوي في الحفاظ على التراث، وتشجع الجيل الشاب من النساء على الانخراط في الفنون.
بالإضافة إلى ذلك، تبرز المشاركة النسائية في المهرجان كيف أن الثقافة الكومينالية ترفض التمييز الجنسي، وتعزز المساواة كأساس للسلام.
مهرجان “أوركيش”.. بصمة دائمة للثقافة والسلام
اختتم مهرجان أوركيش الثالث فعالياته تاركاً بصمة جديدة في المشهد الثقافي لشمال وشرق سوريا، مؤكداً على أهمية الفعاليات، التي تجمع المبدعين والجمهور تحت راية الثقافة المشتركة.
رغم التوترات، أثبت المهرجان أن الفن قادر على تجاوز الحدود والنزاعات، وبناء جسور السلام بين الشعوب داخل الإقليم ومع العالم. مع مشاركة المرأة القوية، يصبح أوركيش نموذجاً للتمكين والوحدة، ووعداً بلقاءات مستقبلية تحافظ على التراث وتعزز الحوار.
في النهاية، تستمر الموسيقا في صدى القلوب، تبعث الأمل في منطقة تبحث عن السلام. هذا المهرجان ليس نهاية، بل بداية لمزيد من الفعاليات التي ستعزز الثقافة أداة للتغيير.