No Result
View All Result
في قلب التحولات التي شهدها إقليم شمال وشرق سوريا؛ برزت تجربة النساء في الإقليم نقطة انعطاف لافتة في مقاربة القانون وبنية الحكم والمجتمع. هذه التجربة لم تكتسب أهميتها من أنها مكتملة أو خالية من التحديات، بل لأنها قدّمت نموذجًا عمليًا يكسر الأساسات التقليدية، التي تربط حقوق النساء بالانتماء الديني أو العُرفي، ويعيدها إلى معيار المواطنة المتساوية والعدالة الجندرية. ففي المجتمعات التي تتعدّد فيها قوانين الأحوال الشخصية وفق مرجعيات مذهبية متباينة، تتحوّل هذه التعدديّة مدخلاً لتفاوت الحقوق بين النساء أنفسهنّ، لا بين الرجال والنساء فقط، فيغيب القانون عن دوره الجامع، ويُشرعِن اللامساواة من داخل النص التشريعي بدل أن تُعالج به.
من هنا، اكتسبت تجربة شمال وشرق سوريا إشادتها لأنها طرحت بديلًا واقعيًا يقوم على وحدة المعايير وتكافؤ الأهلية، ويُقدّم القانون أداة تفكيك للتمييز لا تعميقه. اعتمدت الإدارة الذاتية، منذ نشأتها، بنية مؤسساتية تُلزم الشراكة بين الجنسين بمبدأ الرئاسة المشتركة، حيث تقود المرأة والرجل معًا المؤسسات والمجالس والهيئات التنفيذية. لم يكن هذا الخيار مجرّد توزيع مقاعد، بل تنظيمًا للسلطة نفسها بحيث لا يُحتكَر موقع القرار بجنس دون آخر، ولا تُعامَل المرأة كملحق بالمنصب، بل شريكه في المسؤولية والقيادة وصنع السياسات.
ساهم هذا النظام في تعزيز حضور النساء في مجالات كانت مغلقة أو مُسيّجة، مثل الإدارة المحلية، والتنظيم المجتمعي، ومؤسسات العدالة، والحوار السياسي، وحتى جهود تهدئة النزاعات الداخلية وإدارة الأمن المجتمعي. هذا ما جعل هذه التجربة مرجعية كثيرًا ما يُحتفى بها في النقاشات الحقوقية، لأنها حوّلت مبدأ المساواة من طرح نظري إلى آلية تُطبّق داخل الهيكل المؤسسي، وتنعكس تأثيراته على المجتمع.
على المستوى التشريعي، وُضعت مبادئ قانونية لحماية الأسرة والنساء والفتيات، تقوم على منع الممارسات التي تُنتقص فيها الحقوق مثل الزواج القسري، وزواج القاصرات، وتعدد الزوجات. لم تُترك هذه القضايا لتقديرات متباينة أو مرجعيّات عدالات موازية، بل أُدرجت ضمن قواعد قانونية واضحة تُجرّم التمييز الجندري وتؤكّد على الأهلية الكاملة للمرأة وحقها في الاختيار الحر والتمثيل القانوني.
وجاءت هذه القوانين منسجمة مع المبادئ العالمية التي تُدافع عنها الأمم المتحدة والمعاهدات الحقوقية التي تُعدُّ مرجعًا دوليًا لحماية النساء من التمييز والعنف. هنا تحديدًا تكمن الإشادة بتجربة شمال وشرق سوريا؛ لأنها لم تجعل القانون تابعًا للعُرف الطائفي أو التراتبية الاجتماعية، بل وضعته في خدمة العدالة الموحدة، واعتبرت المرأة فيها مواطنة كاملة لا تُقاس حقوقها بالدين أو الجنس أو السلطة الذكورية، بل بالمساواة الإنسانية نفسها.
إنّ الإضاءة على هذه التجربة؛ تأتي اليوم برهاناً على أن بناء القانون عندما يقوم على المواطنة والشراكة والتنظيم المتساوي للسلطة، يمكنه أن يُنتج تأثيرًا أعمق من مجرد النصوص، فيُعيد تشكيل علاقات المجتمع، ويُحصّن النساء والفتيات داخل الأسرة، ويجعل العدالة حقًا غير قابل للتجزئة. وهذه التجربة الملهمة تؤكّد أن المجتمعات التي تعترف بالنساء شريكات في وضع القوانين وفي القيادة، هي مجتمعات أقرب إلى الديمقراطية وأقدر على منع إعادة إنتاج التمييز؛ لأن القانون حين يكون واحدًا ومنصفًا، لا يحرّر المرأة وحدها، بل يحرّر المجتمع من إرث اللامساواة.
No Result
View All Result