No Result
View All Result
کاوە نادر قادر
تمثّل مناطق شمال وشرق سوريا أحد أبرز المسارات التطورية في بنية القضية الكردستانية المعاصرة، حيث قدّمت هذه المنطقة نموذجًا سياسياً – اجتماعياً فريداً يقوم على إعادة تعريف مفاهيم السلطة والمقاومة والتنظيم المجتمعي. وقد شكّل هذا النموذج، الذي تطوّر ضمن ظروف أمنية وسياسية معقدة، نقطة تحول محورية في إدراج الكرد كفاعل مؤثر ضمن التوازنات الإقليمية والدولية.
ظهر هذا التحول في سياق إقليمي يتسم بتنافس مشاريع جيوسياسية كبرى تسعى لإعادة توزيع النفوذ في الشرق الأوسط بما يخدم مصالح دولية وإقليمية؛ إذ تعمل إسرائيل على إعادة هندسة المجال السياسي الإقليمي بما يحدّ من التوسع الإيراني، فيما تسعى تركيا لإحياء دور ذو طابع عثماني جديد يعيد إنتاج الهيمنة في محيطها الجغرافي، إضافةً إلى صعود تيارات متطرفة تحاول فرض مشروع سياسي موازي.
وضمن هذا المشهد، برز إقليم شمال وشرق سوريا بوصفه وحدة سياسية ناشئة استطاعت ملء الفراغ الإداري الناتج عن انسحاب النظام السوري، وتطوير نموذج للحكم يستند إلى المجتمع المحلي كفاعلٍ رئيسي، بعيداً عن الأنماط السلطوية التقليدية.
أثمر هذا النموذج عن بنية مؤسساتية جديدة تقوم على الإدارة الذاتية الديمقراطية، التي تعتمد على اللامركزية والمجالس المحلية وتنظيم المجتمع، ما جعلها موضع استهداف مباشر من قوى متعددة، أبرزها تركيا وداعش والمجموعات المتطرفة وبعض مجموعات ما تسمى بالمعارضة السوريّة. ولأن هذه التجربة تهدد، في منظور أنقرة، بنيتها الأمنية وهويتها القومية، باتت تركيا تتعامل مع شمال وشرق سوريا؛ ليس بوصفها تحديًا عسكريًا فقط، بل كحقل سياسي قد يغيّر معادلاتها الداخلية عبر تعزيز الوعي الكردي داخل تركيا.
شهدت الأوضاع مؤخرًا تصعيدًا إضافيًا في ضوء التحولات الدولية. فواشنطن، التي كانت قد صنّفت أحمد الشرع كأحد أخطر قادة المجموعات المتطرفة وخصصت مكافأة مالية كبيرة لاعتقاله، انتقلت خلال السنوات الأخيرة إلى نمط تعاملي أكثر براغماتية، منح سلطته في إدلب شرعية سياسية ضمنية، بدعمٍ تركي وخليجي. وفي سياق الضغوط الأمريكية المتزايدة على مناطق الإدارة الذاتية، طُلب إلى الشرع إجراء تغييرات في البنية الإدارية للمناطق العربية القبلية، في مؤشر على إعادة ترتيب التوازنات المحلية بما يتوافق مع أولويات القوى الفاعلة.
وتزامن ذلك مع تهديدات تركية بشن هجوم بري على مناطق الإدارة الذاتية مع بداية العام الجديد، وهو ما ترافق مع زيارات ثلاثة نوّاب أتراك إلى إمرالي للقاء القائد عبد الله أوجلان، في خطوة فسّرها العديد من المراقبين باعتبارها محاولة لإعادة توظيف الموقع الرمزي والسياسي له في خدمة استراتيجية الدولة التركية. ووفق مؤشرات متعددة، سعت أنقرة إلى الحصول على موقف من القائد عبد الله أوجلان يدعو إلى نزع سلاح قوات سوريا الديمقراطية ودمجها غير المشروط في الجيش السوري، إلا أن القائد عبد الله أوجلان لم يستجب لهذه الضغوط، في ظل استمرار توظيف الإعلام التركي للحدث كأداة لحرب نفسية موجهة ضد الإدارة الذاتية وشمال وشرق سوريا.
وتكشف هذه التطورات عن إدراك تركي عميق بأن التجربة الكردية في شمال وشرق سوريا؛ لم تعد محصورة في إطار إداري محلي، بل أصبحت نموذجاً سياسيًا له قابلية الامتداد والتأثير في مختلف أجزاء كردستان. فقد أسهمت هذه التجربة في إعادة بناء الوعي السياسي والمجتمعي للكرد، وتعزيز قدرتهم على إنتاج مؤسسات حديثة، وصياغة علاقة جديدة بين المجتمع والدولة، إلى جانب تطوير شبكة علاقات دولية مكّنتهم من الظهور كفاعل سياسي عصري يسعى إلى بناء مجتمع ديمقراطي حر.
وهكذا، يمكن القول إن شمال وشرق سوريا يشكّل اليوم محوراً مركزيًا في معادلة الصراع الإقليمي، ومختبراً سياسياً يعيد تشكيل هوية الفعل الكردي ومستقبل القضية الكردستانية في صورتها الحديثة.
No Result
View All Result