دجوار أحمد آغا
حق الشعوب في الدفاع المشروع عن وجودها وهويتها من المبادئ الراسخة في الفقه السياسي والقانوني، إذ يرتكز على حق المجتمعات في صون كرامتها الإنسانية وحمايتها من أشكال التمييز أو التهميش أو الإقصاء. وقد برز هذا الحق في سياقات تاريخية متعددة عندما وجدت مجموعات بشرية نفسها أمام تحدّيات تُهدد وجودها الثقافي أو السياسي، فشكّل الدفاع المشروع وسيلة لحماية وجودها وذاتها، إلى جانب السعي من أجل العيش ضمن بيئة حرة ديمقراطية وعادلة.
وفي هذا الإطار، يُعدّ الشعب الكردي مثالاً بارزاً لشعب امتدّ تاريخه في منطقة جغرافية واسعة في الشرق الأوسط، وتعرض في مراحل مختلفة لسياسات طمس انتمائه وهويته الثقافية. وقد أسهم ذلك في ظهور حركات سياسية واجتماعية سعت إلى التعبير عن المطالب القومية والحقوقية للكرد، مستندة إلى مفاهيم التحرر وحق تقرير المصير بوصفها أدوات نضالية مشروعة في سياق الكفاح السياسي.
ومن بين هذه الحركات ظهر في سبعينيات القرن العشرين حزب العمال الكردستاني PKK الذي تأسس ضمن ظروف سياسية إقليمية معقدة، وشهد لاحقاً تحولا مهماً إلى مرحلة الكفاح المسلح. تبنّى الحزب خط المقاومة في مواجهة الخط الإصلاحي الذي كان سائداً في حركة التحرر الكردية. أصبح نضاله وكفاحه السياسي والعسكري جزء أساسي ورئيسي من المشهد الكردي والإقليمي، وأثّر بصورة واسعة في طبيعة الصراع وطريقة تناول القضية الكردية على المستويين المحلي والدولي.
الألم يولّد الفكرة
في ربيع سبعينات القرن الماضي، كانت باكور كردستان وتركيا تعيشان اضطرابات سياسية كبرى بين تيارات اليسار واليمين، وكانت القضية الكردية تُدفن في الظلال، محظور ذكرها في الإعلام والجامعات وحتى في أحاديث الناس. وسط هذا الصمت، ظهر شابٌ كردي من قرية صغيرة قرب أورفا تُدعى “أمارا”، يحمل في ذهنه سؤالاً بسيط ومهم جداً في آن واحد ألا وهو:
“لماذا يُمنع الكردي من قول أنا كردي؟” ذلك الشاب كان عبد الله أوجلان، الذي سيُعرف لاحقاً باسم آبو “APO”، مؤسس حزب العمال الكردستاني PKK، الحزب الذي سيقود فيما بعد، واحدة من أكثر الحركات تأثيراً في الشرق الأوسط الحديث.
التقى القائد أوجلان بمجموعة من الطلبة (حقي قرار، كمال بير، خيري دورموش، مظلوم دوغان، جميل بايك، ساكينة جانسيز، علي حيدر قايتان، كسيرة يلدرم)، وتناقش معهم وشاركهم أفكاره وفي النهاية وبعد عدة اجتماعات ونقاشات حامية استمرت لسنوات توصل الرفاق إلى ضرورة الانطلاق من فكرة أن “كردستان مستعمر” هذه الفكرة التي أصبحت اللبنة الأولى والأساسية لانطلاقة حزب سيصبح له شأن كبير ليس فقط في كردستان والشرق الأوسط بل على مستوى العالم أجمع.
من الحلم إلى التأسيس
كانت البذرة الأولى للحزب فكرةً أكثر منها تنظيماً. في أروقة جامعة أنقرة، اجتمع القائد أوجلان بمجموعة من الطلبة المتأثرين بالمدّ اليساري العالمي، ليبدأ نقاش حول ما كان يصفه بـ«الاستعمار الداخلي» الذي يُمارس على الشعب الكردي داخل تركيا. لم يكن هدفه مجرد الاحتجاج، بل تأسيس وعي سياسي جديد للكرد، يربط بين العدالة الاجتماعية والتحرر القومي.
وفي 27 تشرين الثاني عام 1978، وُلد الحزب رسمياً في اجتماع سري بقرية “فيس” في آمد، حيث صيغ البيان الأول للحركة. جاءت لغته مزيجاً من الفكر الماركسي والروح القومية الكردية، ليضع هدفه المركزي: (تحرير كردستان من الاستعمار التركي وبناء مجتمع اشتراكي عادل). هكذا، بدأت الرحلة التي ستغيّر مسار التاريخ الكردي المعاصر إلى الأبد.
أسطورة الجبال الكريلا
كان من المقرر أن يتم الإعلان عن بدء مرحلة الكفاح المسلح في العام 1983 رداً على عمليات التعذيب الممنهج والقتل في سجن “آمد” خاصة بعد مقاومة السجون واستشهاد كلاً من (محمد خيري دورموش، كمال بير، عاكف يلماز، وعلي جيجك). لكن نتيجة لعدم جهوزية القوات المكلفة بهذه العملية من جهة، وعدم التزامها بالتعليمات الصادرة من قيادة الحزب من جهة أخرى، فقد تأجلت الانطلاقة إلى العام التالي. 15 آب 1984 كان موعد انطلاق الرصاصة الأولى من بندقية معصوم قورقماز “عكيد”، وبمجرد خروج الرصاصة، لا يعود بالإمكان إعادتها إلى مكانها. وهكذا بدأ الحزب بخوض الكفاح المسلح، كان لظهور مقاتلي الحرية الكريلا وهم يحملون بنادقهم في جبال كردستان، حيث اتخذوا منها وطن وروح جديدة. تلك الجبال الموحشة والقاسية والمليئة بالوحوش المفترسة، أصبحت موطناً لمقاتلي الحرية. لم يكونوا مجرد جيش مقاتل، بل تحولوا إلى رمز للمقاومة والحياة الحرة، وأثبتوا أنه بإمكان الانسان المقاومة متى ما امتلك الإرادة الحرة. تردد صدى قرقعة السلاح في أعالي الجبال بمواجهة العدو مرة أخرى، وعادت الأغاني الشعبية إلى الانتشار في القرى الكردية المتناثرة بين الجبال والوديان تقول “من يختار الجبل، يختار الحرية”. أصبح الجبل معقل الهوية الجديدة، والبرد والثلج جزءاً من الأسطورة. ومن هناك، وُلدت صورة المرأة الكردية المقاتلة، التي حطّمت الصورة النمطية للمرأة الشرقية، لتصبح رمزاً عالمياً للمقاومة والكرامة.
أبناء الشمس والنار
الكفاح المسلح أشعل النار في الهشيم، فالعدو بدأ بحرب قاسية غير متكافئة متبعاً سياسة الأرض المحروقة، فهو كان يعلم بأن الكريلا مثل السمك بين الأهالي في القرى الكردية المتناثرة، ولكي يقضي عليهم، لا بد من تجفيف المياه أي تفريغ القرى وتهجير سكانها. وبالفعل فقد قام بتدمير ما يزيد عن 4000 قرية وتهجير سكانها إلى وسط الأناضول في مسعى إضافي إلى إحداث تغيير ديمغرافي. لكن؛ كل ذلك لم يؤثر على الحزب الذي استطاع بحنكته ووعيه، أن ينقل بداية المطالب الكردية التي لم تكن تتعدى حدود العشيرة والمنطقة ومشتتة ايضاً، إلى وعي مجتمعي قومي متكامل يطالب بتحرير وطنه والعيش بكرامة وحرية فوق ترابه. أنشأ الحزب جيل جديد من الشباب يرى نفسه جزءاً من قضية كبرى، لا مجرد تابع للسلطة المركزية. حتى في المنافي وفي الاغتراب، أسس الحزب روابط وجمعيات جعلت الصوت الكردي مسموعاً لأول مرة على المنابر الدولية. نعم كان الثمن باهظاً ـ دماء، تهجير، ومآس إنسانية ـ لكن التاريخ نادراً ما يُكتب بالحبر وحده.
نقطة التحول الكبرى
مؤامرة كونية تم حياكة خيوطها في معاقل دوائر استخبارات قوى عالمية تُهيمن على العالم وتتحكم فيه، أبرزها الولايات المتحدة الأمريكية، إسرائيل، إنكلترا، ألمانيا، روسيا، اليونان، وغيرها، هذه المؤامرة التي بدأت في التاسع من تشرين الأول 1998 وانتهت مرحلتها الأولى في 15 شباط 1999 من خلال اختطاف القائد والمفكر عبد الله أوجلان وتسليمه إلى تركيا، كانت نقطة تحول كبرى وانعطافه تاريخية مهمة في تاريخ الحزب والشعب الكردي والشرق الأوسط عموماً.
بعد المحاكمة الغير عادلة، والحكم المؤبد، ونقل القائد إلى معتقل جزيرة “إمرالي” المعزولة، بدأ التحول الفكري الأعمق في مسيرة الحزب النضالية. من خلف الأسوار، كتب القائد عشرات المجلدات التي أعاد فيها النظر في مفهوم الدولة، والأمة، والثورة. ففي أحد نصوصه يقول: “لقد حاربتُ من أجل الحرية، ثم أدركت أن الحرية لا تُبنى بالسلاح وحده، بل بالعقل والضمير”. تخلى الحزب تدريجياً عن فكرة الدولة القومية الكردية المستقلة، وبدأ يتحدث عن مشروع الأمة الديمقراطية، حيث يمكن للكرد والعرب والأتراك والأرمن والسريان، والآشور والكلدان، أن يعيشوا معاً ضمن نظام لا مركزي يقوم على الديمقراطية، العدالة الاجتماعية، إخوة الشعوب، وضمان حقوق المرأة. كانت تلك ثورة فكرية داخل الثورة نفسها.
خروج المرأة من الظل إلى الضوء
لعل أبرز وأهم التحولات الاجتماعية والسياسية التي قادها حزب العمال الكردستاني داخل المجتمع الكردي المحافظ، كان موقع المرأة داخل المجتمع. فمنذ ثمانينات القرن الماضي، دفع القائد أوجلان المرأة إلى المشاركة في صفوف قوات الكريلا، ليس فقط كمقاتلات، بل كقائدات ومفكرات. ومع مرور الوقت، تحولت حركة المرأة إلى أحد أهم أعمدة الحزب الفكرية والسياسية، حيث اعتبر الحزب أن الحرية الحقيقية غير ممكنة من دون تحرير المرأة من القيود الاجتماعية التقليدية. اليوم، وفي المجتمعات الكردية داخل الأجزاء الأربعة من كردستان (باكور، روجهلات، باشور، روج آفا) وحتى في مجتمعات الدول المحتلة لكردستان (تركيا، إيران، العراق، وسوريا) يمكننا أن نرى بوضوح ونتلمس كيفية صعود المرأة إلى مواقع قيادية في مختلف مجالات الحياة. هذه التجربة الثورية لحزب العمال الكردستاني نجحت بامتياز وخلقت وعياً جديداً جعل من المرأة رمزاً للقوة لا للضعف.
كريلا حركة حرية كردستان
حقيقة وجود الكريلا في حياة الشعب الكردي، هذه القوات التي تتألف من أبناء وبنات هذا الشعب من مختلف الأجزاء ومن الشتات، إلى جانب المئات من المقاتلين والمقاتلات الأمميين القادمين من مختلف بقاع العالم للمشاركة في هذه الثورة الفريدة من نوعها، لم تعد مجرد قوة عسكرية تقاتل في الجبال، بل أضحت مؤسسة اجتماعية، ثقافية، اقتصادية، تنموية. ففي مناطق الدفاع المشروع، أسست الكريلا مراكز تعليمية وساهمت في نشر اللغة الكردية والتعليم بين أهالي تلك المناطق، كما أنشأت إذاعات أدخلت من خلالها أفكار الحزب وقصص المقاومة والأغاني الثورية إلى البيوت والجامعات. أصبحت الكريلا جزءاً لا يتجزأ من الذاكرة والوجدان المجتمعي الكردي، ومصدر إلهام للشباب الذين رأوا فيها المثال الأعلى للمقاومة والكرامة. حتى في نقدهم، يعترف الخصوم قبل المؤيدين أن الكريلا ساهمت في رفع مستوى الوعي العام بالقضية، وأجبرت الدولة التركية والعالم على التعامل مع الكرد كقوة سياسية لا يمكن تجاهلها.
التحول من الحرب إلى السلام
استجابة لنداء قائده ومؤسسه التاريخي القائد والمفكر عبد الله أوجلان الصادر بتاريخ 27 شباط من أجل مسار السلام والتحول الديمقراطي، عقد الحزب خلال الفترة ما بين الخامس إلى السابع من أيار 2025 مؤتمرة الثاني عشر الذي كان آخر مؤتمراته حيث أعلن في بيان نشره للإعلام بتاريخ 12 أيار إنهاء مرحلة الكفاح المسلح وبدء مرحلة النضال السياسي. وبعدها في تموز من العام نفسه واستجابة لنداء القائد أوجلان قامت مجموعة من مقاتلي قوات الدفاع الشعبي الكريلا ووحدات المرأة الحرة، بحرق أسلحتهم في إشارة إلى التخلي عن الكفاح المسلح والصراع العسكري والتحول إلى الكفاح السياسي.
التأثير العميق في المجتمع
لم يتوقف تأثير حزب العمال الكردستاني في الإطار السياسي وحده، بل تجذر في المجتمع بشكل عميق خاصة في الإطار الثقافي. فالأغنية الثورية، الشعر، الموسيقا، والسينما الكردية الحديثة، كلها حملت بصمات الفكر الذي خلقه القائد والمفكر عبد الله أوجلان ونشره من خلال كوادر الحزب وقوات الكريلا. اللغة الكردية التي كانت تُمنع في المدارس التركية لعقود وحتى في البيوت كانت قد تلاشت تقريباً، استعادت مكانتها كأداة تعبير فني وفكري، بفضل الجهود التنظيمية والثقافية التي انبثقت من رحم الحزب. الكريلا، في القصص والأفلام والموسيقى، صاروا رموزاً تتجاوز الواقع السياسي إلى ميدان الرمزية الوجودية؛ رموز للكرامة، للصبر، وللرغبة التي لا تموت في الحرية.
من الثورة إلى كيان سياسي
موقع الكرد اليوم؛ جاء بفضل الرؤية الثاقبة والتحولات الاستراتيجية التي قادها حزب العمال الكردستاني ومنظومته الفكرية والسياسية، وقد أوصلت القضية الكردية اليوم إلى أكثر مراحلها نضجاً وتأثيراً. ففي شمال وشرق سوريا، ظهرت نماذج إدارة ذاتية ومدنية تستند إلى فلسفة «الأمة الديمقراطية»، وفي شنكال هناك إدارة ذاتية مجتمعية تقود المجتمع الإيزيدي وتحميه بفضل قوات حماية شنكال وأسايش إيزيدخان. كما أن الكرد في باشور كردستان يقودون إقليم كردستان. بينما في باكور كردستان بات الوعي الكردي السياسي قوة انتخابية يُحسب لها حساب. الحزب فتح الباب الواسع لنهضة الهوية الكردية بعد عقود من الإلغاء. لقد تحوّلت القضية من مطلب ثقافي هامشي إلى ملف إقليمي ودولي يناقَش في الأمم المتحدة وعواصم القرار.
أهمية السلام للثورة والثوار
لكل حرب مهما طالت نهاية، إذ من غير المعقول الاستمرار في الحرب والقتال إلى ما لا نهاية على هذا الأساس، فقد تقدّم القائد والمفكر عبد الله أوجلان بمبادرة سلام أخيرة في 27 شباط 2025 من أجل إنهاء الصراع بين مقاتلي الحرية والدولة التركية. هذه المبادرة التي يبدو بأن الظروف الدولية والمتغيرات في موازين القوى خاصة في الشرق الأوسط، دفعت بالسلطات التركية إلى تلقف المبادرة والقبول بها، حيث تم تشكيل لجنة برلمانية وبدأت أعمالها من أجل مرحلة قانونية سياسية.
السلام في فكر القائد أوجلان لم يعد مجرد إنهاء للحرب والصراع الدائر بين الطرفين بل أصبح ثورة من نوع آخر. السلام عبارة عن ثورة في المفاهيم تُعيد صياغة العلاقة بين المجتمع والسلطة وبين المرأة والرجل، وبين الانتماء للوطن وللإنسانية. السلام لا يعني الاستسلام على الإطلاق ولم يمكن شراء السلام بل يُصنع وهو كما كتب القائد والمفكر أوجلان في إحدى رسائله بأنه “… يُبنى حين يتحرر الجميع من عقلية السيطرة”.
الرأي والقصد في الختام
إن مفاهيم حركة حرية كردستان قد تحولت من الكفاح ضد الآخر، إلى الكفاح من أجل الذات، من الثورة على نظام الدولة إلى الثورة ضمن المجتمع نفسه. هذه المفاهيم الجديدة خلقت معها وضعاً جديداً. الجبال أصبحت تتحدث بلغة جديدة، فمنذ ما يُقارب من نصف قرن، توجهت إلى الجبال قوافل من الشبان والشابات يغنون ويتغنون بالوطن الأم كردستان، وكانت تُسمع أصوات قرقعة السلاح عالياً. واليوم يعود من بقي منهم ولم يستشهد برفقة الآلاف من المقاتلين الجدد ليتحدثوا بلغة قائدهم، لغة السلام والتنظيم والتدريب مؤكّدين أن بناء مجتمع لا يحتاج إلى السلاح لكي يثبت وجوده.
إن مسيرة حزب العمال الكردستاني الممتدة من 27 تشرين الثاني 1978 إلى السابع من أيار 2025 بكل تناقضاتها والأحداث التي رافقتها لم تكن مجرد مسيرة حزب سياسي بل كانت ملحمة إنسانية في البحث عن الحرية والحقيقة، ملحمة أعادت للإنسان إنسانيته التي فقدها في هذا العالم الرأسمالي المتوحش. هذه المسيرة الحافلة بالقفزات التاريخية أضحت أكاديمية فكرية، سياسية، واجتماعية، أعادت تعريف الحرية والكرامة وطريقة المقاومة في الوجدان الكردي. إذا علمت الجبال أبناءها كيف يُقاتلون، فإن السلام الذي يطرحه القائد عبد الله أوجلان اليوم يعلمهم كيف يصنعون الحياة.