No Result
View All Result
ناصر ناصرو
في السنوات التي عصفت بإقليم شمال وشرق سوريا، لم يكن الأهالي فقط يعيشون ثورة سياسية أو تغييرًا اجتماعيًا، بل كانوا يشاهدون جيلًا كاملًا يُعاد تشكيله من جديد، جيلًا ولد في قلب الحروب، وتربّى بين تناقضات الخوف والرغبة في الحرية، ووجد نفسه فجأة في مكان لم يختره، لكنه لم يهرب منه، كان هذا الجيل هو شباب المنطقة، الذين وقفوا في لحظة مفصلية، بين انهيار القديم وصعوبة ولادة الجديد، فاختاروا أن يكونوا اليد التي تدفع العجلة إلى الأمام، مهما كان الطريق وعراً أو غير واضح.
وما يميز هؤلاء الشباب أنهم لم يدخلوا التاريخ من أبواب كبيرة أو عبر خطابات صاخبة، دخلوا بهدوء يشبه خطوات الفجر الأولى، بخطوات صغيرة لكنها ثابتة، بدؤوا من القرى الصغيرة، من الأزقة، من المقاهي الشعبية، من المدارس التي تحولت إلى مراكز للنقاش والتعلم بعد أن غادرتها الدولة، كانوا يجتمعون في غرف ضيقة، يتحدثون لساعات عن معنى الحرية، عن ضرورة المشاركة، عن أن الإنسان لا يولد ليكون متفرجًا على حياته، هذا الحديث لم يكن رفاهية فكرية، بل كان حاجة يومية تشبه الحاجة إلى الهواء، كانوا يشعرون أن العالم ينفلت من حولهم، وأن عليهم أن يفعلوا شيئًا، أي شيء، حتى لو كان بسيطًا، حتى لو لم يرَ أحد نتائجه فورًا.
ومع توسع المبادرات الصغيرة، بدأ شكل جديد من الوعي يتشكل بينهم، صاروا يلاحظون أن الحلول لا تأتي من الخارج، وأن انتظار “الفعل السياسي من فوق” لم يفعل شيئًا طوال عقود، فقرروا أن يجربوا أسلوبًا مختلفًا، مجتمع يبدأ بنفسه، من الأحياء والقرى، من الاجتماعات المفتوحة، من النقاشات التي تشارك فيها النساء والشباب وكبار السن في المكان نفسه، كأنهم جميعًا يعيدون كتابة فكرة السياسة من جديد، لم يكن هذا سهلاً، كانوا يصطدمون بأفكار قديمة، بخوف موروث، بذاكرة مليئة بالقمع. لكن شيئًا ما كان يتحرك رغم ذلك، أشبه ببطء جذور شجرة جديدة تبحث عن الماء في أرض عطشى.
ثم جاءت مرحلة الحرب، تلك اللحظة التي تقف فيها المجتمعات إما على حافة الانهيار أو على حافة التماسك، عندما ظهر داعش وبدأت المدن والبلدات تسقط أمامه، لم يكن لدى الشباب وقت للتفكير أو التراجع، وجدوا أنفسهم في مواجهة مباشرة مع قوة لا تشبه أي شيء عرفوه من قبل، قوة تريد محو الذاكرة، محو التنوع، محو الحياة نفسها، عندها تغيّرت الوجوه، تغيّرت الأولويات، وتحولت الطاقة التي كانت تُستخدم في النقاش والتنظيم إلى طاقة دفاع وحماية.
وفي تلك الفترة، ولدت قصص كثيرة، بعضها قيل على استحياء، وبعضها لم يُحكَ بعد، شاب في العشرين من عمره يترك جامعته ليحمي مدينته، فتاة تحمل سلاحًا أكبر من كتفها لأنها تعرف أن بيتها سيكون أول ما يسقط إن غادرت، مجموعة من الأصدقاء يقررون البقاء في مواقعهم رغم أن الطريق مفتوح للانسحاب، كانت هذه التفاصيل الصغيرة تصنع معنًى أكبر بكثير مما يبدو، كانوا يقاتلون ليس من أجل انتصار عسكري فقط، بل من أجل أن تبقى المنطقة مكانًا يمكن العيش فيه، مهما كانت الحياة قاسية.
وحين بدأت المدن تتحرر، وحين بدأ الأهالي يعودون إلى بيوتهم وروائح النار والبارود ما زالت في الهواء، واجه الشباب امتحانًا جديدًا: “كيف تُبنى الحياة بعد أن تهدأ البنادق؟ كيف يعود الأهالي إلى فكرة المشاركة بعدما عاشوا سنوات من الحرب؟ كيف يمكن أن تبنى الثقة بين الشعوب المختلفة بعدما حاولت قوى كثيرة زرع الكراهية بينها؟”، هنا ظهر الوجه الآخر من دور الشباب. وعادوا إلى المجلس، إلى الاجتماعات، إلى تنظيم الكومينات، إلى إعادة إعمار المدارس، إلى تأسيس مبادرات ثقافية، إلى إطلاق مشاريع اقتصادية صغيرة، كأنهم يفهمون بفطرة واضحة أن إعادة بناء البشر أصعب من إعادة بناء الحجر، لكنها ضرورة لا يمكن الهروب منها.
ومع الوقت، أصبح للشباب صوت سياسي مختلف، صاروا يتحدثون عن الديمقراطية بمعناها الحياتي، لا الأدبي فقط، عن أن السلطة يجب ألا تكون في يد جهة واحدة، عن أن التعددية ليست مجرد كلمة، بل طريقة للعيش، عن أن اللامركزية ليست شعارًا بل حماية للمجتمع من تحويله إلى تابع لقرار لا يعرف من يصنعه، كانوا تعلموا من كل ما مرّوا به أن السلطة حين تتركز تصبح خطرة، وأن المشاركة حين تغيب يتحول المجتمع إلى كتلة صامتة قابلة للاستغلال.
لكن الواقع لم يكن رحيمًا دائمًا، الضغوط الاقتصادية كانت خانقة، والأوضاع الأمنية غير مستقرة، والتدخلات الخارجية لا تنتهي، والحدود مغلقة، والفرص محدودة، كثير من الشباب كانوا يعيشون صراعًا داخليًا بين رغبتهم في البقاء والمساهمة، وبين اضطرارهم للتفكير بالهجرة حين تضيق الحياة. بعضهم غادر، وبعضهم عاد، وبعضهم بقي رغم كل شيء، والذين بقوا حاولوا خلق معنى جديد لحياتهم، كأنهم يتحدون العالم الذي يقول لهم إن المنطقة لن تنجح.
وهكذا، خطوة بعد خطوة، بدأ نموذج جديد يتشكل على الأرض، ليس نموذجًا كاملاً أو مثالياً، لكنه نموذج حيّ، يتطور، يتعثر، ينهض، يتعلم، يراجع نفسه، والشباب في قلب هذا النموذج، لا لأن أحدًا أعطاهم الدور، بل لأنهم هم الذين صنعوه من البداية، لو اختفوا من المشهد، لانهار كل شيء، هم الذين يحركون الاجتماعات، يطلقون المبادرات، يديرون المدارس والمراكز والشبكات التطوعية، هم الذين يحمون القيم التي قامت عليها التجربة “المشاركة، التعددية، العدالة الاجتماعية، دور المرأة، احترام التنوع”.
وإذا أردنا أن نفهم حقيقة ما يجري في إقليم شمال وشرق سوريا اليوم، يكفي أن نرى كيف يتعامل الشباب مع المستقبل، تجد فيهم شيئًا غريبًا يجمع بين الواقعية القاسية التي فرضتها الحرب، وبين الأمل الهادئ الذي يعرف أن المستقبل لا يأتي دفعة واحدة، تجدهم يتحدثون عن سوريا بصوت لا يشبه أصوات السياسيين التقليديين، بصوت يريد أن يبني، لا أن ينتقم، بصوت يؤمن بأن البلاد لن تتعافى إلا إذا شارك الجميع في صنعها، بصوت يرى أن التغيير يبدأ من الإنسان قبل الدولة.
ولهذا السبب بالذات، يبدو دور الشباب في هذه التجربة ليس دورًا جانبيًا، بل دورًا مركزيًا، هم الذين يحمون ما تحقق، وهم الذين يدفعون بما بدأ إلى الأمام، وهم الذين يقفون اليوم أمام سؤال كبير: “كيف يمكن تحويل هذه التجربة إلى مستقبل طويل الأمد لا يتوقف عند حدود المنطقة، بل يشكل حجرًا أساسيًا في إعادة بناء سوريا كلها على أسس جديدة؟”.
وهم، بكل ما مرّوا به، بكل ما فقدوه، بكل ما اكتسبوه، يبدون مستعدين لهذه المهمة، ليس لأنهم يملكون إجابات جاهزة، بل لأنهم يملكون إرادة لا تنطفئ بسهولة، وإيمانًا بأن ما يحلمون به يمكن أن يتحقق، حتى لو استغرق وقتًا طويلًا.
إنهم جيل يكتب تاريخه بيده، دون ادعاء البطولة، ومن دون انتظار مكافأة، يكفيهم أنهم يصنعون شيئًا مختلفًا، شيئًا يشبههم، شيئًا يترك أثرًا في أرض ترفض أن تموت.
No Result
View All Result