العنصر الثّاني: الرّفض الباطنيّ:
ـ كم من ممارسات وسلوكيات قمنا بها من دون رضى أو إيمان!
ـ كم من أفكارٍ طرحناها للمناقشة من غير قناعة أو قبول داخليّ!
ـ هل ناقشت داخلك دونما تدخل فكرك؟
ـ هل استطعت فعل ذلك؟
إنّها الفلسفة الأكثر تحدّياً بين فكرين في داخلك ضمن إطار واحد: هو شخصك.
هل لاحظت الرّبط بين الفكرة والحركة العامة لديك في حال إيمانك بتلك الفكرة؟
وهل لاحظت رداءة الحركة العامة لجسدك، وأنت غير مؤمنٍ بفكرتك؟
فهذا اختصار لِما بين القبول الخارجيّ، والرّفض الدّاخليّ.
ليس صحيحاً بالضّرورة أن تنعكس أفكارنا الدّاخليّة على صورتنا الخارجيّة؛ فإنّ طبيعة الإنسان الباطنيّة تختلف عن طبيعته الخارجيّة.
لنوضّح ذلك: “إنّ التّفكير الدّاخلي بموجب العقل اللّاواعي وفق ما هو معتقد أو معروف، له تداعياتٌ على الصّورة الخارجيّة لشخصنا بمعنى أنّه المضمون للصّورة العامّة الخارجيّة. ولكن نحن نتحدث عن الجوهر الذي يكمن بين الشّكل والمضمون، إذ إنّه البعد الثّالث الذي يُظهر الصّورة الحقيقيّة جلياً، أيْ نحن أمام شكل ثلاثيّ الأبعاد، لكلّ بعدٍ دوره في الإسهام في الإيضاح”.
يكمن الإنسان الحقيقيّ في داخلك وليس على ظاهرك. إنّه التّداخل المعقّد والمتشابك بين البعدَين. فكيف يمكن العثور على ذلك الحقيقيّ: على وجودنا الجوهريّ في هذه الحياة؟
إنّه الرّافض لأغلب ممارساتنا الفكريّة والسّلوكيّة في حياتنا اليوميّة. “وباعتقادي قد تبيّن الرّبط بين عنصرَي المعادلة، وبدت ملامح النّتيجة أكثر وضوحاً”.
فلكي يكون فكرنا ذا قيمة؛ يجب ربطه بذلك الحقيقيّ، وإلّا، سنكون إمّا في ضياع، أو في معضلة. “ولن نكون نحن، وإنّما سنكون لاءات غير معروفة فكريّا”.
ومن المهمّ النّظر إلى مفهوم الرّفض بوجهه الآخر، وليس بمعناه المتداول. فالرّفض الباطنيّ هو القبول من ناحية الممارسة اللّغوية اللّفظيّة، والمتمرّنة على التّحدّث وفق المقتضيات، والذي يكمن ضمن هذا التّحدّث بعينه. فانظروا إلى المفهوم الجوهريّ والتّعليميّ للرفض، والذي من المفترض حسبانه وسيلةً توجيهيّةً.
وإذا تعمّقنا قليلاً، فسنجد أنّه بإمكاننا قلب موازين كلّ المفاهيم، وأغلب المصطلحات المعرفيّة والتّوجيهيّة إلى المسار الذي تتطلّبه حاجتنا وفق هدفنا في المجتمع.
وهذا يعني أنّنا أمام ثورة فكريّة على أفكارنا أولاً، ثمّ على المفاهيم التي قولبت الفكر الأم لخدمتها ثانياً.
المعرفة ليست أسيرة المصطلح، ولا يمكن لأيّ مصطلح أن يترجم المفهوم، أو الصّورة الكاملة للمعلومة. لِنسأل ذواتنا: لماذا هذا الرفض؟ وكيف يمكنه أن يسخّر تلك القيمة لخدمة الإنسان الحقيقيّ: هذا الإنسان الذي يكمن داخل كلّ واحد منّا، أيْ نحن أمام إنسانَين: صوريّ، ومضمونيّ، أو داخليّ، وخارجيّ. ومن هنا يمكن القول بأنّ الدّاخلي هو الرّفض الباطنيّ، أمّا الخارجي، فهو القيمة الظّاهرة.
ولعلّ من المفيد الإشارة إلى أنّ نسبة التّداخل بين عنصرَي المعادلة، والتّناغم بينهما يحدّدها ما وراء الفكر؛ في سبيل إنجاز الرّغبة الفكريّة. (فكيف ذلك؟)
لِنبدأ:
القيمة الظّاهرة، وفق التّوضيح آنفاً، هي طرح قناعات فكريّة بموجب مقدار من الوعي لا يتجاوز حدود ذلك الطّرح. وفي المقابل الرّفض الباطنيّ هو الإيمان بالإنسان الحقيقيّ في داخلك مع التّدخل لعدم استيلاء ذلك الطّرح على الفكر الأم لديك: بمعنى التّنافس من أجل بقاء الحقيقيّ على الرّغم من كلّ المؤثّرات والمعطيات التي تقتضيها تفوّق الأفكار لصالح القيمة الظّاهرة. ومن هنا نحن أمام حالة التّوازن التي تشعّ من وراء الفكر لإنجاز تلك الرّغبة الفكريّة في الظّهور بعد ذلك التّنافس.
ومن الجدير بالذّكر أنّ هذين العنصرين مهمّان جدّاً، ولا يمكن لأحدهما الاستغناء عن الآخر، وإلّا، فسنعيش حالة انعزاليّة فكريّة لا شبيه لها.