No Result
View All Result
روناهي/ دير الزور – على ضفاف نهر الفرات العريق، تتجلى في دير الزور أصالة تتوارثها الأجيال، وتتقنها أيدي النساء بحب، ومن بين كنوز هذا الموروث الثقافي الغني، يبرز تقليد “خض اللبن” سمة مميزة، ونمط حياة فريداً يميز أهالي المنطقة عن غيرهم.
فبينما قد تتشابه طرق تحضير الألبان في العديد من الثقافات، إلّا أنّ دير الزور تحتفظ ببصمتها الخاصة، حيث يتم خض اللبن باستخدام “الشكوة”؛ هذا الوعاء المصنوع بعناية فائقة من جلد الماعز، والذي يحمل بين طياته حكايات الماضي ومهارات الأجداد.
هذه الممارسة ليست مجرد عملية تحويل الحليب إلى لبن مخض وزبد، بل هي فن وحرفة، ورمز للانتماء والارتباط العميق بالأرض وتقاليدها. إنّ التمعن في تفاصيل هذا التقليد، بدءاً من اختيار الجلد المناسب، مروراً بعملية تجهيز الشكوة، وصولاً إلى الحركة الإيقاعية لخض اللبن، يكشف عن منظومة متكاملة من المعرفة والثقافة التي تستحق الاحتفاء بها والحفاظ عليها.
إرث ثقافي تحميه النساء
في قلب دير الزور، حيث يتشابك عبق الأصالة مع روح العصر، تقف نساء المنطقة حاميات للتراث، يغذين الذاكرة الجماعية بمهارات انتقلت عبر الأجيال. ومن بين أروع هذه المهارات وأكثرها ارتباطاً بجذور الحياة اليومية، يبرز تقليد “خض اللبن” التقليدي، الذي لا يزال يمارس في الكثير من منازل دير الزور.
في أحد المنازل البسيطة التي تحتضن دفء العائلة وعبق التاريخ، التقت صحيفتنا “روناهي” صبحة خلف العشيب، وهي امرأة في عامها السبعين، تمارس طقسها اليومي بمهارة ودقة.
أمامها إناء كبير مملوء باللبن الطازج، فتشرع صبحة في عملية الخض اليدوي باستخدام الشكوة. أصوات الخض المستمرة، والإيقاع المتناغم لحركات يديها المتقنة، هي ليست مجرد عملية لتحضير منتج غذائي، بل هي شهادة حية على إرث ثقافي عريق.
“خض اللبن بهذه الطريقة ليس تحضيراً لشراب تقليدي، بل هو تقليد نعتز به ونحافظ عليه بكل ما أوتينا من قوة”، تحدثت صبحة بابتسامة، وهي تستكمل عملها. “نريد أن نعلم بناتنا وأحفادنا كيف كانت الحياة، كيف عاش أجدادنا، وكيف كانت الوجبات تُعد بحب وصبر. إنّها قصة تحكى عبر هذه الحركة، قصة أصولنا وجذورنا”.
مزيج من التعب وعبق الماضي
وأضافت صبحة: “نقوم بخض اللبن باستخدام الشكوة وهي تتكون من جلد الماعز أو الخروف وهي المادة الأساسية، يتم سلخ الجلد بعناية وتنظيفه من الشعر والدهون وتجفيفه أو معالجته بطريقة تقليدية مثل (التمليح أو التدخين) ليصبح متيناً ويمنع التلف”.
ومن ثم يتم خياطة الجلد بطريقة معينة ليشكل كيساً أو وعاء مغلقاً من الأسفل مع ترك الفتحة العلوية.
لا يقتصر خض اللبن بالطريقة التقليدية على أنه نشاط منزلي تقليدي، بل يتجاوز ذلك ليصبح رمزاً للهوية الثقافية المميزة في دير الزور. هذه العادات، التي تتجسد في تفاصيل الحياة اليومية، تنتقل بشكل طبيعي من جيل إلى جيل.
إنّها مهارة لا تُكتسب من الكتب أو الدورات التدريبية، بل تُسقى من تعب الأمهات والجدات، وتُصقل بالممارسة اليومية. كل حركة، كل صوت، يحمل معه تاريخاً وقصة.
No Result
View All Result