No Result
View All Result
لورنس الشعيّر
في هذا الشرق المُثقل بالذاكرة، تُكتب تواريخ الدول ببطء، لكنّها تُقرأ سريعًا حين تتكرر أنماطها. المشرق لا يعرف معنى النسيان الكامل؛ يحمل ذاكرة طويلة، ويعيد دروسه بطرقٍ متغيّرة، كأن الزمن يختبر الشعوب مرةً بعد مرة، محاولًا أن يرى إن كانوا قد تعلّموا شيئًا من المرة السابقة.
لبنان وسوريا ـ الجارتان اللتان جمعتهما الجغرافيا وفرّقتهما العواصف السياسية ـ ليسا فصلين منفصلين من حكاية المنطقة، بل هما سطران متجاوران في الصفحة نفسها. يحمل كل منهما ملامح الآخر: هشاشة البنية، صعود الأزمات، ثقل التدخّلات، وتشابه المصائر حين تتصدع الدولة.
ومع الاقتراب من عام 2025، صارت الصورة أوضح. ما عاشه لبنان في الأمس صار يلوّح بظلاله فوق سوريا اليوم، لا بوصفه نسخًا ميكانيكيًا للتجربة، بل بوصفه درسًا كبيرًا حول كيف تتعثر الدول… وكيف يمكن أن تُعاد صياغتها بعد الانهيار.
هكذا يظهر طريقان متوازيان: لبنان الذي سار فوق الركام ليُعيد بناء دولة حائرة تبحث عن ذاتها، وسوريا التي خرجت من حربٍ طويلة وهي تواجه سؤالًا وجوديًا: كيف يُعاد تشكيل الدولة من جديد بعد كل هذا الخراب؟
لبنان قبل السقوط… دولة أنيقة فوق أرض رخوة
كان لبنان قبل 1975 أشبه بلقطة ثابتة من فيلم ملوّن: مقاهي تضج بالحركة، صحف تُطبع ليلاً وتُقرأ فجرًا، اقتصاد مفتوح يزدهر بسرعة، حياة ثقافية وسياسية لا تهدأ. لكن لمعان؛ الصورة كان يخفي هشاشة حقيقية.
النظام الطائفي ـ الذي تأسس مع الاستقلال ـ نجح في إدارة التوازنات لفترة، لكنه لم يكن قادرًا على مواكبة التحولات: زيادة السكان، تبدّل موازين الاقتصاد، صعود أحزاب جديدة، وتفاعل عنيف مع القضية الفلسطينية.
هذه العوامل صنعت أرضًا رخوة كانت تنتظر الشرارة المناسبة. جاءت الشرارة في 1975. لم تكن طلقة البداية سوى ذريعة، لأنّ الحرب كانت تختمر منذ سنوات طويلة.
حين تذوب الدولة ويتكاثر الأمراء
الحرب اللبنانية لم تكن حربًا واحدة، بل سلسلة حروب تتشابك فوق بعضها:
حرب سياسية، وحرب هوية، وحرب مصادر نفوذ، وحرب تدخّلات خارجية.
كلما تراجع حضور الدولة، تقدمت الميليشيات لتملأ الفراغ، وتحوّلت المناطق إلى خرائط نفوذ.
انقسمت بيروت إلى مدينتين. صار الطريق خط جبهة، والمرفأ مصدر قوة، وكل حيّ يحمل ذاكرة خاصة بالحرب. العالم كله دخل إلى لبنان من بوابات مختلفة: عربية أحيانًا، ودولية أحيانًا أخرى، حتى أصبح من الصعب التمييز بين ما هو داخلي وما هو خارجي.
في عام 1976، دخل الجيش السوري تحت عنوان «وقف الفوضى». ومع الزمن أصبح وجوده عنصرًا مركزيًا في الحياة السياسية اللبنانية. كان حضوره مزيجًا من الاستقرار والجدل، القوة والتحفّظ، النفوذ والاعتراض. وحين انسحب في 2005، لم يكن الأمر خروج جيش فقط، بل خروج مرحلة كاملة.
انتهت الحرب في 1990 مع اتفاق الطائف، الذي لم يمنح انتصارًا لطرف بقدر ما منح اعترافًا مريرًا بأن لبنان لا يُحكم إلا بتسوية.
لبنان بعد الطائف… دولة تعود مبتورة ثم تهتز من جديد
عاد الإعمار، عادت المؤسسات، وعادت بيروت تلمّع واجهاتها. شهد الاقتصاد نموًا سريعًا في التسعينات، لكنّه؛ كان نموًا بلا جذور: دين عام يتضخم، قطاع مصارف مُفرط في النفوذ، غياب قاعدة إنتاجية، ونظام سياسي يعيش في غرفة العناية الدائمة.
تراكمت التصدعات: مركزية خانقة في العاصمة، بيروقراطية مترهلة، فساد متجذر، واعتماد كامل على القطاع المصرفي.
ثم جاءت الصدمات تباعًا: اغتيال رفيق الحريري، انسحاب الجيش السوري، حرب 2006، انتكاسات حكومية متتالية، وصولًا إلى الانهيار الكبير في 2019. انهار النظام المصرفي، تبخرت الودائع، سقطت الليرة، وتحوّلت الأزمة إلى كارثةٍ اجتماعية. وبلغت المأساة ذروتها مع انفجار مرفأ بيروت عام 2020.
هنا عاد السؤال الأساسي: هل المشكلة في الطبقة السياسية فقط؟ أم في بنية النظام برمّته؟ ومن هذا السؤال وُلد مجددًا مطلب اللامركزية.
اللامركزية في لبنان… إصلاح يسبق السياسة
لم يكن طرح اللامركزية ترفًا فكريًا. كان نتيجة انهيار نموذج الحكم المركزي الذي استنزف الدولة. الوزارات في بيروت تدير كل شيء، والمناطق تنتظر قرارًا مركزيًا لأي خدمة، حتى لو كانت حفرة في طريق محلي.
مع الانهيار، ظهر ما هو واضح: حين يسقط المركز، يسقط كل شيء معه. لذلك؛ برزت فكرة اللامركزية، ليس كدعوة للانقسام، بل كمحاولة لخلق دولة تعمل بالفعل. إعطاء المحافظات صلاحيات مالية وإدارية أوسع لم يعد خيارًا سياسيًا، بل ضرورة هيكلية.
سوريا بعد الحرب… تشابه في المسار واختلاف في الحجم
حين نضع التجربتين جنبًا إلى جنب، نرى تشابهًا واضحًا بين لبنان الأمس وسوريا اليوم، لكن مع فروقات كبيرة في الحجم والدمار وعوامل التدخّل الدولي.
الحرب السوريّة ـ الممتدة منذ 2011 ـ حوّلت البلاد إلى فسيفساءٍ من مناطق النفوذ. إدارة محلية هنا، قوة عسكرية هناك، واقتصادات صغيرة متجاورة لا يجمعها مركز واحد. ومثل لبنان، ذاب حضور الدولة المركزية في مراحل متعددة. لكن؛ سوريا أكبر، وأكثر تضررًا، وأشد تعقيدًا من حيث إعادة البناء.
منذ 2023، ومع بدايات مسار سياسي جديد، باتت البلاد أمام مرحلة مختلفة: حكومة انتقالية، محاولات إصلاح اقتصادي، دعم دولي محدود، وشارع أنهكته الحرب لكنه ما زال يبحث عن منفذ.
إلا أنّ التحديات هائلة: بنية مدمرة، اقتصاد هش، نزوح واسع، وفقدان ثقة عميق بين المواطن والدولة.
هل يمكن لسوريا الاستفادة من التجربة اللبنانية؟
نعم، وبشكلٍ واضح، لكن الاستفادة ليست في تكرار النموذج، بل في تفادي أخطائه.
أولًا: المركزية طريق سريع إلى الانهيار:
لبنان دفع ثمن إدارة كل شيء من بيروت، وأثبتت التجربة أن الدولة المركزية غير قادرة على تلبية حاجات بلد متنوع.
سوريا ـ بعد الحرب ـ تحتاج إلى نموذج معاكس تمامًا: منح المحافظات والمناطق القدرة على إدارة الإعمار والخدمات محليًا.
ثانيًا: القوة المحلية ليست خطرًا إذا كانت جزءًا من الدولة:
البلديات اللبنانية أثبتت، في أصعب الظروف، أنها عنصر استقرار. وسوريا تمتلك خبرات محلية تراكمت خلال الحرب. يمكن تنظيمها ضمن إطار وطني عوضًا عن إلغائها.
ثالثًا: الاقتصاد المحلي ضرورة وليس رفاهية:
حين انهار مركز لبنان، انهار معه الجميع. سوريا قادرة على بناء اقتصاد متنوع يعتمد على الإنتاج المحلي في كل محافظة.
رابعًا: اللامركزية ليست خصمًا لوحدة الدولة:
لبنان لم ينقسم رغم كل شيء، واللامركزية لم تخلق شروخًا إضافية. بل كانت مشروعًا لتخفيف الاحتقان. وسوريا يمكن أن تستفيد من هذا الدرس بشكل مباشر.
سوريا في 2025… الطريق غير معبّد لكنّه مفتوح
البلاد اليوم أمام مفترق طرق حقيقي. هناك رغبة في الخروج من الحرب، ومحاولات لترتيب المؤسسات، وضغط اجتماعي لإيجاد حلول سريعة. لكن؛ العوائق كثيرة: اقتصاد متعب، خدمات متهالكة، شباب بلا أفق، ومجتمع يحتاج إلى مصالحة أعمق من مجرد بيانات سياسية.
اللامركزية قد تكون أحد المفاتيح القادرة على إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع؛ لأنّ الناس يريدون أن يشعروا أن لهم دورًا في إدارة حياتهم اليومية.
ما الذي يمكن بناؤه بين تجربة لبنان وأفق سوريا؟
إذا أرادت سوريا تجنّب الوقوع في الانهيار المتأخر الذي عاشه لبنان، فثمة قواعد أساسية:
ـ دستور حديث يعترف بالتنوع الإداري.
ـ توزيع عادل للموارد يراعي واقع المحافظات.
ـ شراكة حقيقية بين المواطن والدولة في إدارة الشأن المحلي.
بهذه المبادئ يمكن لسوريا أن تكتب مستقبلًا مختلفًا.
ختاماً
لبنان اليوم يقف فوق جراح اقتصادية عميقة، لكنه يقدّم درسًا ثمينًا: المركزية ليست طريقًا للاستقرار. واللامركزية ليست وصفة سحرية، لكنها حجر أساس لأي مشروع دولة حديثة.
أما سوريا، وهي تدخل مرحلة إعادة البناء، فهي أمام فرصة نادرة ـ رغم الخراب ـ لإعادة كتابة شكل الدولة، فرصة لتجاوز الماضي، وتجنب أخطاء الجيران، وبناء صيغة حكم جديدة لا تُعيد البلاد إلى دائرة الانهيارات. التاريخ يُعيد نفسه فقط حين نرفض التعلّم. وحين تتعلم الشعوب من جراحها، تصبح قادرة على كتابة سرديتها بيدها، بعيدًا عن صوت الحرب.
No Result
View All Result